محمود محمد شاكر

لا تُــسَــمُّـوا ذاك الــبِــعَــادَ جَـفاءً، ربَّـما كـان مَنْ تباعدَ أدْنَـى
عَـلِـمَ اللهُ أنـني كـنـتُ أشـتـاقُ، ولـكـنْ شَـوْكٌ عـلى البابِ ضنَّا
لا تُـسَــــمُّـوا ذاك البِـعَـادَ جَــفـاءً، عَــلِــمَ اللهُ أنَّ قــلــبــيَ أنَّــا
وتماسكتُ، بَيْدَ أني تزعزعتُ برغمي، طيرًا مَهيضًا مُضْــنَى
أَفْـلَـتَـتْ أَسْــطُرَ الجـريدةِ عَيْنِي واسْـتَهَـلَّتْ، فـلم أَكُـفَّ الـعَـيْـنَا
قُــلْتُ بَكِّي ما شِــئْتِ يا عَيْنُ بَكِّي، وأَفِيـضِــي المُكَــتَّمَ المُكْـتنَّا
جَــلَــدِي لا عَــلَيْــكَ، أَفْسِــحْ قليلًا، جَلَدِي لَسْــتَ بالمُـحَمَّدِ هَنَّا
لا تُـسَــمُّوا ذاك البِـعَادَ جَــفـاءً، إنّ فَصْــلَ المُضافِ لا يتسنَّى
إنَّـهُ كان حـاضـرًا، أَمَـرَ البَـيْـنُ و لــكنْ عَــصَـيْتُ فــيه البَيْنَا
طـالـما جَـسَّــمــتْ مُـخـيَّـلـتـي الجســمَ فلَـبَّى لمّا دَعَوْتُ وحنَّا
حَمَلتْنِي علـى مُـغَـالـبةِ الشـوقِ طــويلًا نَفْـسٌ تَــعَـافُ المَـيْـنَا
لـيـس يُـرْضِـي الكريمَ أن يُفتحَ البيتُ إذا عُدَّ صاحبًا بَيْنَ بَيْنَا
كَـلَـفٌ لاحَ وانْــزَوَى، مَسَــحَـتْهُ راحَـتاهُ، فـلمْ يَعُـدْ يُسْــتَـثْـنَى
وسـيَـبْقَى سَـنَاهُ- مَهْـما يُـصوِّرْ وَاصِـفُوهُ سَـنَاهُ- عـنديَ أَسْنَى
وسـأَبْـقَى- وإنْ أسـاءَ الظَّـنَّـا- حـامِـدًا، شـاكِـرًا لَـهُ، مُـمْـتـنَّــا
غِـبْـتُ لكـنَّنـي عَلِـمْـتُ يَـقِـيـنًا أنّ لي في فؤاده الرَّحْبِ رُكْنَـا
أَيْـنَ مِـنِّـي عَـهْـدٌ قَـضَــيْـنَاهُ كُـنَّـا نَـتَـمَـلَّى، وحِــيـنَةً نَـتَـغَــنَّى
نتَـحَـسَّــى الرَّحِـيـقَ، أيُّ مَـتَاعٍ ذَخَرتْهُ القُرونُ لِلـشَّـرْبِ دَنَّـا
كَــمْ قَـرَأْنَـا مـعًا فـكان إمـامًا، أيـن مِـنِّي جَنًى بكفَّيَّ مُجْنَــى
ووَقَـعْنَا عـلى نَـمـيرٍ عَـتـيقٍ، طالَـما طَابَ عَـذْبُهُ لـكِـلَـيْــنَــا
وَعَنَانَا- والعَصْرُ عَصْرُ السَّماديرِ وحَرْبِ المَعْناةِ- مَعْنَى المَعْنَى
ودَفَـعْنَا عن الجَــرِيــحِ الــذي أَثْـخَـنَـهُ الرَّمْـيُ، واحْـتَرَمْـنَا الوَزْنَا
ولـقــد مَــدَّ بَــيْـنَـنـا الوُدَّ أَنِّـي أَتَــمَــنَّــى بُــلــوغَ مَـــا يَـتَــمَــنَّــى
نَــفَــثَ الــكَــيْــدُ سُــمَّـهُ فَتَــصَـدَّى، وتَـحَــدَّى، وكـان لِـلْأُمَّةِ ابْنَا
ولقـد كان- والمَـعَـاوِلُ تَهْـوِي حَـوْلنا، والحـصونُ تَهْوِي- حِصْنَا
ولقـد كان- والـعـزائـمُ أعـجـازُ نَـخـيـلٍ- عــزيــمــةً لا تُــثْـــنَــى
شَــيِّعُوهُ، فإنـما خُــلِــقَ الـعَــظْـمُ لـيـســعَى بـنـا زمــانًا ويَــفْــنَـى
شَــيِّعُوهُ، مِنْ قَـبْلِ أنْ تغربَ الشـمسُ غروبًا يُخْنِي على مَشْرِقَيْنَا
شَــيِّعُوهُ، مِنْ قَبْلِ أنْ يَشْـهَدَ الآمالَ تُطـوَى، ويـشربَ الدَّمْعَ حُزْنَا
ويـرَى الـدوحـةَ العـريـقـةَ تُهْـويها فؤوسُ العُــداةِ غُـصْنًا غُـصْنَا
لَـهْـفَ نـفـسـي عـلـيه وَهْيَ طـريـحٌ تــحت عينيه، وَهْوَ باكٍ جُنَّا
شَــيِّعُوهُ، مـضى الزمـانُ الـذي كان جـمـالُ الـكـلام فـيـه مِـجَـنّـا
شَــيِّعُوهُ، مـضى الزمـانُ الـذي كان إبــاءُ الــهــوانِ فــيــه فَــنَّــا
شَــيِّعُوهُ، مـضى الزمـانُ الـذي كان إذا هُــدَّ فــيــه شــيءٌ يُبْـنَى
والــذي كـان عـنـدما يُحْسِـنُ المُحْـسِـنُ يَجْزِي إحْسـانَهُ والحُسْـنَا
والــذي كـان إنْ أسـاء مُـســيءٌ لمْ  يَـهَـبْـهُ وإنْ يَـكُنْ فِـرْعَــوْنَــا
شَــيِّعُوهُ غَـضًا تَـصَـلَّـبَ حـتـى قـلـتُ هـذي الــقــنــاةُ لا تـتـحنَّى
وكَـأَنِّـي نَـأَيْـتُ كَـيْـلا أراهُ- بـعـد أنْ طـالـما اسْـتَــشـاطَ – أَسَــنَّــا
شَــيِّعُوهُ؛ وما الحــيــاةُ إذا لـم يَـبْــقَ مــنـها إلا عـلــيـلٌ مُـعَــنَّـى
شَــيِّعُوهُ، وإنْ ذَكَــرْتُــمْ غــريـبًا فاذْكُــروهُ يا صَـحْـبَـهُ بالحُـسْنَى
ليت شِـعْـري أَقِـيلَ غَابَ أخٌ يا صَـحْبُ، أمْ قِيلَ يَسْــتَحِقُّ السَّــجْنَا
طُـوِيـَتْ صـفـحــةٌ، وداعًـا أبـا فِـهْـرٍ، وداعًـا، وَدِدْتُ لو تـتـأنَّــى
قـطـعـةٌ أنــتَ مِــن حـيـاتي تـولَّتْ، كنـتَ فيها ظِلًّا ظليلًا، ولَحْنَا
شَــيِّعُوهُ ريـحًـا رُخـاءً على الخِلِّ، سَـمُـومًا إذا يُواجِهُ ضِغْنَـا
وسلامٌ عليهِ حتى تَمُورَ الأرضُ يومًا، ويُصْبِحَ الصَّخْرُ عِهْنَا
وعَـفَـا اللهُ عَـنْـهُ؛ كـان يُـصَـلِّي، وعـسـى أن يُـحِـلَّـهُ اللهُ عَدْنَا
إنَّـهُ- والـذي أمـاتَ وأحْـيَــا- والــذي أفْــقَــرَ العِــبادَ وأغْنَى-
لَــجـديرٌ بأنْ يُـلـقَّـى سُـرورًا، ويُـلاقِـي فـي فَـيْـئِـها مُـطْـمَـأَنَّا
وسَـقَـى اللهُ دَارَةً جَـمَـعَـتْـنَـا، أَيْـنَ مِـنِّـي هَـواؤُهـا، أَيْـنَ أَيْـنَـا

الحساني حسن عبد الله

زر الذهاب إلى الأعلى