مقدمة كتاب فضل العطاء على العسر

مقدمة كتاب فضل العطاء على العسر

عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما «أنّ رَجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أيُّ الناس أحبُّ إلى الله؟ فقال: أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله عز وجل سرورٌ تُدْخِلُهُ على مسلمٍ… تكشفُ عنهُ كرْبَة، أو تقضي عنهُ دَيْناً، أو تطرد عنه جوعا. ولأنْ أمشي مع أخٍ في حاجةٍ أحبُّ إليّ من أنْ أَعْتكِفَ في هذا المسجد -يعني مسجدَ المدينة- شهراً. وَمَن كَظَمَ غيظه -ولو شاءَ أن يمضيهُ أمضاهُ- ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاً، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتّى يقضيَها له ثَبَّتَ الله قدميه يوم تزول الأقدام».

ولم أرَ في الحياةِ أضلَّ من رَجُلٍ يبسُط له الله من نِعمته وبرَكته ويمُدُّ له أسبابَ الغِنى ولو شاءَ لَمنَعه ثمّ لا يجدُ بَياناً يشكرُ به اللهَ على ما أمَدَّه من الرّزق أبْيَنَ من حرمانِ أخيه من الناسِ فَضْلَ ما أنْعم الله به عليه.

ثُمَّ لا أدري كيف لا تنبسط نفس امرئٍ بالعطاءِ وهو يَعقِل؟! ألم ينْظُرْ إلى نشأته ونشأة أخيه، وكيف كان كلٌّ منهما طِفلا لا يملكُ من أمرِ نفسه شيئاً، حتى إذا بلغ أشُدَّه واستوى آتاهُ الله ومنع أخاهُ، وكرَّمهُ بنعمته، وحَرمَ أخاه، ورَحِمَه الله، وأحوَجَ أخاه. أفلا يعلم أن لو يشاء الله لكان هو المحرومَ الممنوعَ الذي تُصَرِّفه الحاجةُ وتسوقُه الضرورة وتضربُه حوادثُ الأيام، أمِ اطَّلعَ على الغيب فرأى ما آتاه الله باقياً عليه، فما يخشى تَقَلُّبَ الدَّهر به، ولو كان ذلك لكان أحْرَى بالبذْلِ وأجْدَر بالجودِ وأبْعد عن الشُحِّ.

ولكنْ… ولكنْ غيّرتِ الأيّام فِطرة الله التي فَطرَ النَّاس عليها فزاغتْ طبائعُ قومٍ عن رُشدِها وصرَّفها الهوى وقادَتْها الشّهوات، فَزُيِّنَ لهم أمرَ الدُّنيا فَنسوا وغفلوا وضلُّوا وأضَلُّوا وكان أمرهم فرُطا. والفطرةُ الأولى في الإنسانِ فطْرة مستقيمة لا زَيْغ فيها ولا عِوَج، لأنه ـ كان ـ لا يبالي بشيء من أمور الحياة إلا بما يُقيم صُلبه وَيَرُدُّ شَهوَةَ الطعامِ، وما يقيه لذعة البرْدِ، ويدفَعُ عنه وقْدة الشَّمْس، وما فَضَل عن ذلك من أمر الدّنيا فسبيله سبيلُ كلّ ما لاَ يَعْني ولا يفيد. وكان الحِرصُ.. ولكنَّه كان حرصًا في حدودٍ من الإنسانيَّةِ البريئة المُصفَّاةِ كانَ حرصاً على بعض أسباب الحياةِ مما يقيم الأوَد ويسدّ الخلّةَ ويَقي مصارِع الضُرِّ، ثم امتدّ مع الزَّمن والحضارة والعُمران والشهوات حتى أصبح حِرْصًا على كل أسباب الحياة من مالٍ وبنينَ وزُخرفٍ ومَتاعٍ.

ومن غريب حكمةِ الله في الإنسان أنْ جَمَّع فيه الغرائز كلّها خَيرها وشرّها، مما تفرّقَ في الحيوان كلِّه، ثم مَنَحهُ العقل المدبِّر المفكِّر الذي نقص من الحيوان كلّه، ليمهّد بذلك للإِنسان سبيل الرُّقيِّ والتّدرُّج. فلو استقامت غرائز الإنسان على طراز واحدٍ لما كان هناك للعقل عملٌ ينفي به شيئا ويمكِّن لشيءٍ، ويُزيِّف أمراً، ويثبّت آخر. وذلك لأن عمل العقل إنما هو في تنازُع الغرائز فيه، وهذا التنازعُ هو الذي يُرْهِفُه ويحدُّه ويسوِّغُ له القُدْرَةَ على الابتداع والاختراع، واستنباط ما لم يكن بَيِّنا وتبيين ما كان خفيًّا.

على أن هذا العقلَ الذي أودعهُ الله تلك الفَخَّارةَ الصغيرة، والذي هُيِّئَ ليقودَ الغرائز ويردَّ من جماحها ويكْسِرَ من شرَّتها، قد يذِلُّ للغريزة الجامحة فلا تزال تجري به وهو في غبارها كالمختبل لا يستبين قبيل أمره من دبيرِهِ، وفي هذا الذُلِّ المَحْقُ كلُّ المَحْقِ للإنسانية التي تميّزَ بها الإنسان من سائر الحيوانِ. ولا تتجلّى الإنسانيةُ في رجلٍ إلا أن يكون عقلُهُ هو مدبِّر غرائزه وقائدَها وهادِيَها، قائماَ عليها لا تدركه الغفلة، ولا يَسْتَبِدّ به الهوى، ولا تُطوّحه النوازغُ. وفي هذا التركيب الحكمة العظمى في تدبير الخلق، وتسيير الحياة، وإيجادِ التفاوتِ بين البشر، ولولا هذا التفاوتُ لانساقت الحياة في مجرى واحد لا يتغير؛ ولانحسمت مادة المَوْجِ الذي يعلو بالأُمم وينخفض، ولكان الإنسانُ حيوانا يَرْعَى المرعى ويَتَتَبَّعُ الكلأ ويتطلب الصيد ويأوي إلى غَارٍ أو غَابٍ أو كِنَاسٍ ولا يَمُدّ بصره إلى ما وراء ذلك من أمر الدنيا والآخرة، ولَبَقِيَ على حالة واحدة من العمران والحضارة لا تسمو ولا تتدلَّى.

ومِن أظهر الغرائز في الإنسان غريزةُ المنفعة، فهو لا يفتأ يتطلّب المنفعة لنفسه من كل وجه وفي كل سبيل، ثم هي أكثر غرائز الإنسان تصرفا على حالين من المصلحة والضرر، ولا يُصَرِّفُهَا في هذين الوجهين إلا العقل أو الهوى. فإذا استحكم العقل وبَصُر قادها إلى كل ما فيه الخير الإنسانيُّ المُشْرق، وإذا غلب الهوى واسْتَبَدَّ ضَرَبَ بها كل وجه حتى تَرْتَطِمُ في أنواع من الشرور وظلمات من الضلال لا هادي فيها ولا دليل. وعلى ذلك فهو أُسُّ الفضائل وعِمادها أو أُمُّ الرّذائل وغِذاؤها، وعمل العقل فيها إنما هو في نَفْيِ الأَثَرَةِ عنها وتدريبها على السماحة والبذْلِ والشّعور بالشركة في نعم الله التي مَنَحَهَا وجعلنا عليها قُوَّاما وسُوَّاساً، وفي أخذها بالمذهب الصحيح في أن المنفعة التي تَخُصُّ ليست منفعة بل ضررا، وأن المنفعة التي تَعُمُّ هي السعادةُ والصلاحُ، وإن كان نصيب الفرد في الثانية أَوْكَسُ منه في الأولى. وعمل الهوى في هذه الغريزة إنما هو في تصرفيها بالأثرة، والتَّفردِ والاختصاص والحرص والضَّنّ والشُّح وتفضيل ما فيه صلاح الفرد على ما فيه صلاح الجماعة.

ومن هذه الغريزة القوية يستمد العُسر واليُسر ـ أو السماحة والشُّح ـ اللذان أفرد لهما أبو هلال هذه الرسالة في تقديم الأول على الآخر منهما. وكان قصد السبيل في هذه الرسالة التي بين يديك أن نعرضها عليك دون أن نُقدم لها أو نُصَدِّرَ؛ وما حَمَلَنَا على كِتابة هذه الكلمة إلا ما نَجِدُ في الناس من الغدر والخيانة والشُّح في ساعة الجِدِّ وأَوَانِ الخير، والإسراف والتدبير في كُلِّ مُهْلِكة مبيرة أو مَلْهَاة مُضيعة، ولقد وجدنا أيضا كثيرا من أهلها لا يملُّون الإزراء على العَرَب وعاداتهم وأخلاقهم، ويعدون الكرم من نَقَائِصِهِم. ويشكرون للأمم الأوربية صنيعهم في الاقتصاد والتدقيق، ويقولون إن الأوربيين يُنصِفون أنفسهم وأهْلِيهِم حين لا يَدْعُون أحدا إلى طعامهم إلا أن يكونوا قد أَعَدُّوا له العِدّة، فإذا لَقِي الصديق منهم صديقه على حين غفلة لم يدعه إلى داره لأن طعام داره إنما هو طعام أهلها لا طعام الناس من كل غاد ورائح. وهذه فتنة من التدليس على العقل باستبداد هوى الحرص والشح على الغرائز الكريمة في الإنسان، وتَسْوِيلٌ من النَّفْس الأمَّارة بالسوء، ومَدٌّ من الطمع وإغراءٌ من الظن المريض في حيازة الدُّنيا، ولو قصد الرجل سواء السبيل لوجد أن أقل الدنيا كأكثرها في مصاريف الحياة، وما يفرق بين قليلها وكثيرها إلا سحر الحياة الدنيا وشهواتها وزينتها.

ولقد دخل عمر بن سعد بن أبي وقاص على عمر حين رجع إليه من عمل حِمْص -وكان قد جعله وَالِياً عليها- وليس معه إلا جراب وإداوة وقصعة وعصا فقال له عمر -الخليفة الزاهد- ما الذي أرى بك؟ من سوء الحال أم تَصنُّع؟ قال: وما الذي ترى بي؟ أَلَسْتَ تراني صحيح البدن؛ معي الدّنيا بحذافيرها. قال: وما معك من الدنيا؟ قال معي جرابي أحمل فيه زادي؛ ومعي قَصعتي أغسل فيها ثوبي، ومعي إداوتي أحمل فيها مائي لشرابي، ومعي عصايَ، إن لقيتُ عدوًّا قاتلتُه، وإن لقيتُ حيَّة قتلتُها. وما بقي من الدنيا تَبَعٌ لما معي.

فهذا هو النَّظَرُ الصحيحُ إلى أمور الدنيا عاليها وسافلها، قليلها وكثيرها، ولا جَرَمَ أن يكون مثلُ هذا الرجُل من سادة الدنيا إذ لا يبالي «أَوَقَع على الموت أم وَقَع الموتُ عليه». ولا عجب أن تسعد أُمَّة يكونُ سادتها وأغنياؤها قد صحَّحوا مقاييس الغنى والفقر على هذا المقياس الفطري الجميل حتى يَصِير هَمُّ المال في بذله والسماحة به، لا في قبضه والحرص عليه، ويبطل هذا العمل الفاسد الذي انتظم أكثر المَدَنِيَّاتِ والذي استبدَّ بالمدينة الحديثة فمدَّتِ الفتن أعناقها في كُلِّ مكانٍ بِوجه من الاشتراكية والشيوعية ظالمٍ كمظلومٍ.

وليس الكرمُ والجود في بعثرة الأموال وإلقائها في الجَدْبِ والخَصْبِ بغير حساب ولا ميزان. بل الكَرَمُ في بَذْرِ المال في الأرض الصالحة الطيبة، التي تنبتُ نباتا حسنا يزكو فينفع الناس ويزيد في الخير، والجود إرسال المال على الأرض التي تَحْيَى به وتَتَحَلّى، وما سِوى ذلك من إراقة المال في غير وجه مقصود ولا غاية مُسْتَبِينَة إسرافٌ وإتلافٌ للمالِ وصاحبِه وآخذِه.

ولا أدري لِمَ يترك الرجل جَارَهُ غَرْثَان طَاوِي وهو ينال مِن أَطَايِبِ الدُّنيا وخيراتها ما تمتَدُّ إليه عينُه وتناله يداه، ولو هو نَبَذَ من فَضْلِ ما ينال إلى جاره المسكين لأحياهُ؛ واستودَعَهُ حسنة باقيةً في قلبه ما أوْرَقَ عُودٌ، وما أهلَّ مَولُود. إلاّ أنّ مطالب الحياة والمدينة خاصة قد تَخَدَّعتِ الناسَ عن قلوبهم فما تَجِدُ رجلا مُموَّلا ينبض قلبُهُ مع قلوب أهلِهِ في الضراء والبؤسى، يشعر بما يشعُرُون ويبكي لما يبكون ويتألّم مما يتألمون. بل يتعمَّده الهوى بالحرص على ما في يَدَيْهِ بِما يتوهَّم من أحداث الزمان وتصاريف الأيام، ولو أَنْصَفَ الناسَ وأرضى هواهُ لحرصَ على بعض وادّخر بعضاً مِنْهُ في قلوب شاكرة وأفئدة ذاكرة، فلا يُذكر اسمه يوما موصوفا باللعنة فيقال فلان البخيل وفلان الحريص وفلان الشحيح.

وما أَحْسَنَ ما يستودع الرّجل الحسنات عند الناس أدَّوْها أو خانوها… ما يبالي أن يقال فيه:

سَأَشْكُرُ عَمراً مَا تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي
فَتى غيرُ مَحْجوبِ الغِنَى عَنْ صَدَيقِهِ
رَأَى خَلّتِي مِن حَيْثُ يَخْفَى مَكَانُها
 أَيَادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلّتِ
وَلَا يُظْهِرُ الشَّكْوى إِذَا النَّعْلُ زَلّتِ
فَكَانَتْ قَذَى عَيْنَيْهِ حَتَّى تَجَلَّتِ

ولا يَحْسِبَنَّ أَحَدٌ أَنَّا ندعو الناس إلى الفوضى في إرسال المال ولا أنَّا نَؤُمُّ بهم إلى سبيلٍ من فساد الدنيا واطِّراح زينة الحياة، بل الأمر كُلُّه في هذا الداء الذي استبطن القلوب فقبض الأيدي عند الضرورة الداعية إلى البذل، وفي هذا التجَهُّم البغيض في وجه السائل والمحروم وفي هذا الإحجام الباغي عن فعال الخير؛ حتى اضطرب حبل الحياة في أيدي الناس وهبّ (الاقتصاديون) يريغون المخرج من الأزماتِ. ودعاة السلام يتوجسون أن تحلّ بالعالم كارثة من دويّ المدافع وتحليق الطائرات فتخر المدينة على رءوس أهلها بالعذاب والدمار واليُتمِ والفقر والهلاك.

وكيف يُرِيغُون المَخْرَج ويدعون إلى السلام وما من رجل إلا وهو أَحْرَصُ على المال مِنْ حِرْصِه على أهله وبنيه، وكيف يُرِيغُون المخرج ويدعون إلى السلام والأغنياء لا يملُّون شهواتهم ولا يفترون عن إرسال المال في كل سبيل إلاّ سبيل الفقر والمسكنة، وكيف يُرِيغُون المخرج ويدعون إلى السلام وما من نفس تطيب بِرَدِّ شهوة من شهواتها لِتَرُدّ على فقير روحا على وشك قُلْعَةٍ وارتحال.

ألا إن العبث أن يحاول أحد من السُّوَّاس والقادة إنقاذ العالم مما يرتطم فيه، بالمؤثرات والكلام الملفق والعلم المتعالي، وكيف يداوون داء مستبطنا قد تَلَبَّسَ باللحم وخالط الدّم وجرى من ابن آدم مجرى الحياة، كيف يداوونه بدواء لا يصل إلى موضع الداء في أحد من أهل هذا العالم. إن كلامهم ككل كلام يُلقى إلى قلوب غير صاغية وآذان غير واعية، ولا أمَل في استنقاذ العالم مما هو فيه إلا بدواء يتناول الأُمَمَ أُمَّةً أُمَّة، والطوائف طائفة طائفة، والرجال رجلا رجلا فَيَنْفُضُهَا لينفي عنها الخبث والوَضَرَ حتى تعود بيضاء نقية.

ألا وإنه لا أمل في استصلاح ما أفسد الدهر إلا برجوع العالم إلى فطرة الأخلاق الكريمة والفكر المتوقد البسيط الذي لا تعقيد فيه، والشعور الحيِّ بالأخوة بين الناس، والسماحة الأولى التي كانت بين الناس. أما أن تطلب إلى رجل أو طائفة أو أمة تقدم الشهوات والأهواء على المنافع المشتركة بين الناس أن تجود أو أن تحط لك شيئا من الأشياء تقتضي المنفعة العامة حطه وإسقاطه، فانظر إلى الجبل إن نَفَخْتَ فيه هل يطير أو يضطرب!

لا أَمَلَ، لا أَمَلَ إلا أن ترى الرجل يلقى أخاه من الناس في ضنك وضيق، فيغمّه أن يراه حتى يبذل إليه ما غلا وما عز، حتى تنكشف الكربة وتتقشع ولو أصابه ما يصيب.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه».

زر الذهاب إلى الأعلى
hair mask