مقدمة كتاب نمط صعب ونمط مخيف

مقدمة كتاب نمط صعب ونمط مخيف

الحمد لله وحده لا شريك له وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليما كثيرا، وصلى الله على أبويه الرسولين الأكرمين إبراهيم وإسماعيل، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.

وبعد:

فهذا كلامٌ بعيدُ العهد، كنت كتبته استجابةً لهوى صديق قديم، هو أخي ((يحيى حقي)) رحمه الله، وهو ما يتّصل بقصيدة تأبّط شرًّا:

إن بالشِّعب الذي دون سلعٍ

وما أورده من أسئلة تتعلق بهذه القصيدة المنسوبة إلى تأبط شرّا، وبعض هذه الأسئلة يتعلق بترتيب أبيات القصيدة، الذي اقترحه الشاعر الألماني ((جوته)) حين ترجم القصيدة إلى الألمانية، وبعضها يتعلق بالشعر القديم وروايته عامّة، ثم ما بناه بعضهم على ذلك من افتقار القصيدة العربية إلى الوحدة.

وفي طريق الإجابة على هذه الأسئلة تشعب بي الكلام وامتدّت أطرافه على غير ما كنت أقدّر وأحسب، وهكذا وجدتني أسير في طريق طويل، أعالج الحديث عن نسبة القصيدة كما جاء في روايات الأقدمين، وفي اقتراح ((جوته))، ثم ما اقترحتُه أنا من ترتيب وَفقَ منهجي في تذق الشعر ودلالته على حال قائله المترنّم به، ومخالفتي في ذلك عمّا قاله بعض شُرّاح القصيدة من النقاد الأوائل، ثم عُدولي عن شروحهم اللغوية المجردة لبعض ألفاظها، ورأيت أننا إذا وقفنا عندها دفَنَّا الشعر في تابوت من اللغة.

وما انتهيت إليه في مدارسة القصيدة من ((تشعيث الأزمنة))، وأعني به تشعيث أزمنة الأحداث، ثم تشعيث أزمنة التغنّي، بالتقديم والتأخير، والتفريق والجمع.

والحديث عن فتنة ((وحدة القصيدة))، وافتقار الشعر العربي إليها، ثم الحديث عن العواقب السيّئة التي خلَّفها غبارُ هذه القضيّة، ليس في باب الشعر وحدَه.

ثم كان حديثٌ عن قضية الفصل في نسبة الشعر الجاهليّ، وهي قضيّة قديمة، ولكنها عادت فوُلدت في زماننا ميلادا حديثا خبيثا. وكان الذي تولّى كِبرها ذلك المستشرق الأعجميّ ((مرجليوت)) ثم جاء الدكتور طه حسين، فنفخ فيها، في محاضراته التي ألقاها في الجامعة المصرية، بعنوان ((في الشعر الجاهلي))، ثم طبعها كتابا صدر في أواخر مارس 1926م، وتداوله الناس، وزُلزِلت الرضُ زلزالها، وتقوّضت صروح، ولم تزل تتقوَّض إلى يومنا هذا.

***

ولقد قلت ‘ن الذي حملني على ذلك الكلام كلّه هو ((يحيى حقي))، فهو الذي قذف بي في المضايق، ولكني قبلت ذلك إكراماً له، ولأيام مضت، أكلتْ سنين من العمر، ثم إني قبلتُه أيضا إكراما لناشئة الشعراء المحدثين والنقاد، فإن مآل هذا الأمر كله إليهم، فهم ورثة هذه اللغة بمجدها، وشرفها، وجمالها، وفنّها، لا ينبغي أن يضلّلهم عنها، أو يُبعثر إليها خطاهم، من عمد إلى إرث آبائهم من لدُن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، إلى يوم الناس هذا، فسمّاه لهم ((تراثا قديما)) ليجعله عندهم أثراً من الآثار البالية، محفوظا في متاحف القرون البائدة، ينظر إليه أحدهم نظرة من وراء زجاج ثم ينصرف. فإذا أتاح الله لهم، أو لبعضهم، أن يطأ هذا الضلال بكبرياء الفنّ وعظمته وصراحته وحرّيته، فقد ذلّل لمن بعدَه وعورةَ الطريق إلى الذُّرى الشامخة، وأزاح من مجرى النهر المتدفق من منابعه الخالدة كلّ ما يعترضه من صِعاب، أشدُّها وأعتاها: التوهّم والخوف، واستطالة الطريق، والعجلة إلى شيء، إن صبر على امتناعه اليوم، فهو بالغُه غدا وحائزه.

وقد نشرتُ هذا الكلامَ كلّه في سبع مقالات، بمجلة ((المجلة)) خلال عامي 1969 ـ 1970. ثم رغب إلي كثير من أهل العلم أن أجمع ذلك بين دفتي كتاب. وحمل عني عبء ذلك بعضُ أبنائي، فتولّى الدكتور محمود إبراهيم الرضواني نسخ تلك المقالات من المجلة، ثم نهض بفهرستها تلك الفهرسة الجامعة، وقام ولدي محمود علي المدني بإخراجها في تلك الطبعة المتقنة.

والحمد لله في الأولى والآخرة.

  • مصر الجديدة
  • 3 شارع الشيخ حسين المرصفي
  • الأحد: غرة رمضان سنة 1416 هـ
  • 21 يناير 1996م