جزء من قصيدة اعصفي يا رياح بصوت الشيخ محمود شاكر

اعصفي يا رياحُ من حيثما شئتِ وعفِّي الطلولَ والآثارا
وانسفي يا رياحُ آيةَ هذا الليل حتى يحورَ ليلاً سِرارا
وازأري يا رياحُ في حرم الدهر زئيرًا يزلزلُ الأعمارا
اعصِفي وانسفي كأنك سُخِّرت خبالا يساور الأقدارا
اعصفي وازأري كأنك غيرَى قذفت حقدَها شرارًا ونارا
اعصفي كالجنون في عقل صبٍّ هتك الغيظُ عزمَه والوقارا
اعصفي كالشكوك في مُهجة الأعمى تخاطفْنَ حسَّه حيث سارا
اعصفي كالفناء ينتسِف الأوكارَ نسفًا ويصرع الأطيارا
اعصفي كالوفاء صادمه الغدر فأغضى إغضاءة ثم فارا
اعصفي كالضلال يسخر من هادٍ أذلَّ القِفار علمًا، وحارا
اعصفي كالأسى أفاق من الصبر فلم يستطع قرارًا، وفارا
اعصفي وانسِفي، فما أنت إلا نعمةٌ تنشئُ الخراب اقتدارا
عالمٌ لم يكن ولا السَّاكنوه غيرَ أشباحِ نقمةٍ تتبارَى
انظري يا رياح يا وَحشة الطرف إذا دار يَمنة أو يسارا
ما الذي تبصرين أشباح فانين مرارا ترى وتخفى مرار
وُجِدوا ثم أَوْجدوا ثم بادوا واحتذى نَسلهم فزاد انتشارا
وتمادى البقاء فيهم دواليك فشيء بدا وشيء توارى
أوغلوا في الحياة جيلا فجيلا وتجلى طريقهم وأنارا
فمضوا يبدعون في حيث حلوا وتباروا حضارة وابتكارا
ما كفاهم ما بلغوا فاستطالوا ثم خالوا فأسرفوا إسرارا
شغفوا بالخروج من هذه الدناي فأعطتهم الخلود المُعارا
عمروا الأرض زينة ومتاعا ثم نودوا كفى البِدار البِدارا
ثم مروا أشباح فانين ما تملك في حَوْبة الزوال قرارا
لم يكن غير حتفة البرق إذ تبني وتعلي ولم يكد فانهارا
ذهبت ريحهم وهبت رياح فأقامت على القبور الديارا
ظل هذا الإنسان يكدح للخلد وأقسى الخلود كان فصارا

شاهد المزيد

زر الذهاب إلى الأعلى