منهجي في هذا الباب

منهجي في هذا الباب

عهد إليّ الأستاذ (الزيات) أن أتولى تحرير هذا الباب[1] من (الرسالة)، فأجبت إرادته بالتسليم، وأنا أجد المعاني في نفسي حائرة لا تكاد تقر؛ فقد لحقتني إرادته والحياة من حولي تفتِّرني حتى ما أحس من فورتها إلا القليل، والنفس منبوذة على حدود النشاط في كسلٍ مجدب بالقحط والظمأ لا يهتدي إليه رِيٌّ ولا شِبَع. وإذا كانت النفس كذلك لم يأت خيرها إلا من طول الإحساس بالحرمان والألم، فهي تريد أن تتكلم من نوازعها بألفاظ ثائرة ضائعة حائرة كأنما تبحث عن نفسها في معانيها. . . ثم لا تتكلم، وثن على ذلك لا تطيق التأمل في المادة التي تعرض لها إلا بمقدار من الرغبة في البحث عن نفسها في سر نفسٍ غيرها لتجد عند ذلك أسباباً تهتاج بها وتضطرب. وإذا لم تجد النفس لذتها المؤلمة إلا في انتزاع الآلام المحرقة مما ترى وتسمع وتتخيل، فكيف تعيش أفكارها إلا في دخانٍ من الأحزان الصامتة صمت الفكرة المختنقة التي لا تجد أنفاسها ولا جوّ أنفاسها. هكذا أَجدُني.

وهذه النفس المنبوذة بما جنت وبالذي لم تجن من شيءِ، هي النفس التي أريد أن أتولى بها النظر فيما يعرض لي من شؤون الأدب في أسبوع من أسابيع (مصر)، ولقد تشاكلا ووقع حافرٌ على حافر في حَلْبة مغلقة. فنفسي الآن هي نفسي التي لا أكاد أجمعها وألم أشتاتها إلا قليلاً، وما هو إلا أن أراها مبعثرة تَفِرّ مني أوابدها في كل وجه، وأقف أنا أتلفت. . . أنظرها وهي تغيب في ظلام الأحزان، وتترك عندي أطيافاً من الذكرى تطوف في تأملاتي مرسلة من مزاميرها ونايها أنغاماً حزينة مهجورة متفجعة كأنما تقول هذا مكان كان أهله ثم بادوا. وهكذا أيضاً أجدني.

[الصفحة 46]

في بعض الإنجيل هذه الكلمة: (من وجد نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها)؛ أفيكون معنى ذلك أن النفس الإنسانية لا توجد باقية أبداً إلا وهي مستهلكة، وأن الأشياء الشريفة التي تهلك هي بعينها التي تحيى، وأنه لا معنى للشيء الحي إلا أن يجتمع فيه معنى الأشياء الشريفة الموت والحياة معاً؛ وأن استغرق النفس واستهلاكها في الأحزان النبيلة وتعذيبها بها هو استحياؤها وتنعيمها، وأن العمل المهلك والفكر المهلك هما العم الإنساني الجليل الذي خلقت من أجله الحياة على الأرض! وعلى ذلك لا تكون النفس حية أبداً إلا وهي سائرة بالحياة في مسبعة[2] من الموت، يتخطفها كل شئ حتى الأسباب التي يستوجب بها الحي صفة الحياة! إذن ما أعجب الحياة.

***

وإذن فقد فرت مني المعاني التي أحمل نفسي الآن على علاجها، واستجهلتني الآلام في عواصفها حتى ذهبت هذا المذهب المزين من القول لأقدم به الكلام في هذا الباب الذي عقده (الزيات) للأدب، ومع ذلك فإني لأرى الصلة التي تصل أصل هذا الباب بالأصل الذي في نفسي، فإن تتبع (الظواهر الأدبية) ينبغي أن توفر له أسباب الاستقرار النفسي حتى يستطيع الكاتب أن يجمع إليه المعاني ويضرب عليها الحصار حتى يفندها أو ينقدها أو يحصيها أو يبين عن غامضها أو يكشف أستارها أو يقدم لها بالنظر والفكر والتوهم – ما يوجب بعض النتائج التي تفضي به الآراء إليها، وذلك يمكنه أن يوجد للأدب ميداناً تستعرض فيه أعماله التي يدأب الأدباء والكتاب والشعراء وأصحاب الرأي في صنعها وتجويدها. فإذا تناول هذا الأمر بالنفس التي لا تستقر ولا تهدأ كان عمله أقرب إلى الثورة – أي إلى الفوضى – من حيث يريد أن ينظم، ومع ذلك فإن الخير كل الخير أن نحاول الحياة كما تحاولنا بالاقتسار والعنف، وأن نقبل عليها وهي مدبرة بالبرهان على إمكان احتمالها جافية كانت أو ناعمة، ومؤلمة كانت أو مريحة،

[الصفحة 47]

ومنصفة كانت أو باغية، وأن نأخذها من حيث نرى الرأي أنه هو أجدى وأنفع، وأيضاً فإن المصدر الحي للأدب إنما هو النفس، فهو يصدر عنها موسوماً بسمتها، أما مستقرة هادئة مفكرة في جو من الراحة، وأما ثائرة لماحة متخطفة في مسبح الأحلام والآلام والأماني المعذبة بالحرمان، فليس إذن من المنكر أن ينصب امرؤ لا تهدأ نفسه لمثل هذا الباب الذي وصفناه وأن يتناول هذا الأدب بما يتداوله من الإحساس المشبوب والنظر الخاطف والرأي العنيف أو أي ذلك كان

وأحب أن أعهد قبل أن أتكلم، فإني رأيت الأدباء قد أكل بعضهم بعضاً بألسنة كظهر المبرد، وتشاحنوا بينهم للكلمة التي لا ترفع ولا تضع، وتنابذوا على الأهواء الغالبة المستكلبة، ومن كان ذلك هجِّيراه[3] ودأبه، فهو عند النقد أو الاعتراض كالوحش الجوَّع[4] الغرثان قد أجهض عن أشلاء فريسته، يكاد ينقد عليه إهابه من الغيظ والحقد والرغبة في الإيقاع بمن يصرفه عن أحلام معدته. وهذا أسوأ الخلق وأبعده عن صريح نهج الأدب، وأقله غناء في تهذيب الأديب، وما أظن أن في الدنيا العاقلة أديباً تخيل له أوهام (العبقرية) للطائفة به أنه قد سبق السهو والخطأ وبقي النقد والنقاد لقي وراءه يتلوذون بظلاله – في طلب البركة! ومع ذلك فأن بعض من عناه القدر فرمى به في غيل الأدب العربي يتصيد،. . . يقتات من أوهام العبقرية حتى حبط بوهمه في نفسه، واستكرش ونفش بما أكل حتى تضلع، ثم استلقى على الأفياء يتخيل أن الأدب كله قد وقف عليه من عند قدمه إلى رأسه يهدهده حتى ينام في ظلال الملك الهنيء. ومن كان هذا مثاله من الأدباء، وعرضنا لبعض قوله بالنقد، فلا يتخيلن أنَّا نعنيه هو بذاته – فهو موفور الأحلام على نفسه أن شاء الله – وإنما نعرض للقول على أنه كلام مقول يقع فيه السهو والخطأ، وتتعاوره الصحة كما يتعاوره السقم، وأنه كلام مصبوب على الناس وعلى أسماعهم وأذهانهم، فنحن بنقدنا كلامه، إياهم نريد، وإياهم

[الصفحة 48]

نخاطب، وعسى بعد أن يكون له في هدأة من نفسه رأي يتابعنا به إن أصبنا أو يسددنا ببيانه إن أخطأنا، وما نألو في الاجتهاد، ولكن ربما حرم الإنسان التوفيق فيما يأتي وما يذر.

هذه واحدة فيما نبدأ به؛ أما ما يقع بين الأدباء من المجادلات والمنافرات، فحقها من هذا الباب التسجيل، فإن بقي لنا في القول مقال نقوله – نتعقب به الأصل الذي يقع عليه الاختلاف والتنافر – لم نقصر في تحقيق البيان وتحريره، متعاونين في جعل الحقيقة أسرع إلى إثبات وجودها والدلالة على نفسها حتى تتجلى.

وأما الشعر والشعراء وما يلوذ بهما، فأنا حين أغمض عيني لأجمع عليّ خيالي ورأيي وفكري، أنتهي إلى مثل الغيبوبة من الحسرة واللهفة والألم. فقد فرغ الشعر من بيانه ومعانية ومعارضه الفاتنة، ووقع إلينا أوزاناً تتخلَّج بما تحمل تخلج المجنون في الأرض الوحلة، وما أظنه يعتصم في هذه الأيام إلا بشاعرين أو ثلاثة، ولكل منهم مذهب، وكل قد قذفت به الحياة في مهنتها وابتذالها حتى صار أكثر فراغه مستهلكاً على صناعة أو وظيفة تطعمه العيش وتحرمه لذته، ومع ذلك فهم يقولون ويتكلمون والسامعون ينصرفون عنهم لسوء رأيهم في الشعر الحاضر أول، ثم لكثرة ما يسمعون من كلام لا يحرك عاطفة لأنه لا يصدر عن عاطفة، وما يزال ذلك يتوالى عليهم، حتى أنهمك لا يكادون يعرفون السعر إلا هكذا ثقيلاً غثاً بارداً، فكيف لا ينصرفون عنه، ومن ذا الذي يرضى أن يحمل نفسه إلى (ثلاجة) وهو يعد في العقلاء. فكذلك ضاع شعر هؤلاء الثلاثة في غثاثة الكثرة، ثم فترت أنفسهم ولا تزال تفتر – إلا أن يشاء الله – لما يجدون من غفلة السامعين عنهم، وليس كلهم يستطيع أن يقول كما قال صاحبهم الأول:

لم يَبْقَ من جُلِّ هذا الناس باقيةٌ ينالها الفَهْمُ إلاّ هذه الصُّوَرُ

أهزُّ بالشِّعر أقواماً ذوي وَسَن في الجهل، لو ضُربوا بالسيف ما شعروا

عليَّ نَحْتُ القوافي من مَقَاطِعها وما عليَّ لَهُم أن تَفْهَم البَقَرُ

وكذلك نخشى أن يأتي على الناس زمان يضيع فيه الشعر الجيد أو يرفع حتى

[الصفحة 49]

من صدور هؤلاء الثلاثة. ولست أدري الآن كيف يتاح لي أن أنهج مع الشعر والشعراء نهجاً يكون رضي ومقنعاً وباعثاً على تجويد الأساليب والمعاني حتى ينقذ الشعراء فنهم من الضياع؟ فلتدع هذا إلى حينه، والى رأي الشعراء في (مطالبهم)، فقد صار لكل أصحاب صناعة مطالب وحقوق – حتى النساء، فكيف لا يعرف الشعراء مطالبهم وحقوقهم وهم أرهف إحساساً وأنبل مقصداً وأبين بياناَ!!

وأما الكتب التي تصدر في خلال الأسبوع أو قبله بكثير أو قليل فسننهج لها نهجاً مخالفاً لمنهج العرض الكامل أو النقد الشامل، فإن هذا أحق به باب (الكتب) و (النقد)، وإنما نعرض لها من حيث يتوجه لنا الرأي في غرض الكتاب الذي يرمي إليه، وأين يقع منه. ورب كلمة واحدة في صدر كتابٍ أو ذيله، لم يعرض لها الكاتب إلا شارداً أو كالشارد، ثم تكون هي ترج بمعانيها على الكتاب كله وعلى أغراضه أيضاً، فربما وقفنا عند هذه وقفة تجيش لها النفس من نواحيها، فنحتفل لها أشد احتفال وأعظمه لتكون كالعلم على المعاني النبيلة التي تضيع في خرائب الكتب.

وبقيت كلمة. . .، فقد أحسن (الزيات) إذ تنبه إلى هذا الباب – الآن – من أبواب مجلته وقد أغفله كل هذه السنين. فإن الحرب والثورة وما في معناهما هي اضطراب عنيف يهز أعصاب الحياة ويقضقض أوصالها، فلا جرم إذن أن تدور الرؤوس وعقولها دورات كثيرة حول نفسها، فتختل الأوزان والمقاييس في كل شئ، وأن تبدأ الحياة بعد الحروب بدءاً جديداً؛ ويكون الناس إذ ذلك كالناشر من باطن الأرض وقد خرج من أكفانه ليرى ظاهرها كل شئ غريب وغير مفهوم، ومع ذلك فهو جديد لذيذ لا يمل وإن كان كله خطأ وفساداً واستحالة وسبباً من أسباب الفناء؛ وكذلك يكون الأدب والأدباء بعد الحرب، كما أخرجت الحرب الماضية ثم الثورة المصرية سنة 1919 جيلاً من الأدباء استفحل أمرهم وذاع صيتهم وضربوا في الأدب بأسهم مفلولة محطمة، ومع ذلك. . .

فهذا الباب في هذه الأيام إلى ما بعد الحرب – يصور بعون الله وتوفيقه

[الصفحة 51]

وهدايته الطرق الذي كان عليه الأدب إلى اليوم، ثم أين انتهى وكيف؟ ثم غيب ذلك كله موقوف على نوع الحرب وأساليبها وما تبدع من فنون الشر، وما تثير من طبائع الإنسان – من أنثى وذكر -، وما تحفز أو تبير[5] من أحلام الإنسانية المتحدرة من أطباق الماضي البعيد مع الإنسان الوارث الحي على هذه الأرض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الرسالة، السنة الثامنة (العدد 339) ، 1940، ص: 35-26.

[1]– هذا الباب هو (الأدب في أسبوع). 

[2]– المسبعة: الأرض تمتلئ بالسِّباع، وهي كل حيوان مفترس.

[3]– الهِجِّيَرى والدَّأب والعادةُ بمعنى.

[4]– جوّع: هكذا في الأصول، وهو جمع لا مفرد، والسياق يقتضي الإفراد، والغرثان الجائع سواء.

[5]– تُبِير: تُهْلِك.

شاهد المزيد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق