وهذه هي آثارها

وهذه هي آثارها

أحبُّ أن أجعل قارئ هذه المقالات على بيِّنة من سياقها، لا شكًّا في قدرته على متابعة ما أكتب؛ بل معاونة له ولنفسي على الإحاطة بتاريخ قضيةٍ مِن أعقد القضايا التي ابتُلي بها العالمُ العربي خاصة، والعالم الإسلامي عامة، ولا تزال حيَّة إلى اليوم؛ بل بلغتْ عنفوانها في هذه السنين الأخيرة، وليس لها شبيه في العالم كله، حتى في البلاد التي تعدّ لغتها وكتابة لغتها من أصعب اللغات وأشدها تشعُّبًا، كاللغة الصينية مثلاً، والكشف عن حقيقة هذه القضية – وهي قضية العامية والفصحى – كشفٌ عن أعظم مؤامرة خبيثة، بدأت خافتة، ثم علا صوتُها، واشتد ضجيجها، منذ سنة 1956، بعد العدوان الثلاثي على مصر، وبعد ارتداد قوى الشر على أعقابها، والمشتركون في القضية بين غافل لا يدري ماذا يقول، ولا ماذا يراد به، وبين ماكرٍ خبيث يضرم النار في الحطب؛ لتأكل الأخضر واليابس بعد قليل.

فقبل أن أبدأ أول مقالة في الكشف عن أمر لويس عوض حين اتَّخذ شيخ المعرة و”رسالة الغفران” أداةً لنفث سمومه في صحيفة الأهرام، كنت على تمام اليقين من أمر هذا المتدسس إلى أكبر الصحف العربية، واتخاذه إياها مسرحًا لعرض فصل مفزع شديد الخطر، على الغافلين عنه وعن الذين يحرِّكونه كما حركوا من قبله دمى كثيرة، كان لها أثر بالغ الخطر في حياتنا السياسية والأدبية[1].

كان لويس عوض متكشفًا لي غاية التكشف، كنتُ أراه عاريًا من كل ستر يخفيه، وأرى الخيوط التي تحرِّكه وتديره، ولكن صحيفة الأهرام التي جعلته مستشارًا ثقافيًّا لمؤسساتها، كانت قد لبَّست على الناس أمره؛ إذ أخرجتْه من خمول الذِّكر، إلى صيت يسير به حيث سارت، وأنا لا أدري على وجه التحقيق كيف وقع هذا؟! ولا مَن الذي هيأ لمثله هذه الفرصة؟ ولكني كنت أعلم أنه هو أو غيره، كان لا بد أن يتدسس إلى مثل هذا المكان، في غمرة الحوادث العظيمة التي مرَّت بنا في السنوات الأخيرة، وما ذلك إلا لأني كنت أتابع زحف هذه القوى الشريرة منذ قديم، بلا غفلة عنه، وكيف أغفل عنه، وقد كدت يومًا ما أكاد أكون أحد صَرْعى هذا الزحف، ورأيت إخوانًا لي قد صُرِعوا وأنا أراهم بعيني، منهم مَن نجَّاه الله كما نجاني، ومنهم مَن هلك فيمن هلك؟!

كيف أغفل عن هذا الزحف، وأنا لم أزل أشهد منذ عشرات السنين طلائع التخطيط المدبر، تنقضُّ على أمَّتي وبلادي من كل ناحية، ويتم لها كلُّ ما تريد، أو بعض ما تريد يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام؟! ومن أجل ذلك لم أحمل القلم منذ حملتُه، إلا وأنا مؤمن أوثق إيمان بأني أحمل أمانة، إما أن أؤديَها على وجهها، وإما أن أحطم هذا القلم تحت قدمي، بلا جزع عليه ولا على نفسي.

وأبيت منذ عقلتُ أمري أن أجعله وسيلة إلى طلب الصيت في الناس، أو ابتغاء الشهرة عندهم، عرَف ذلك مَن عرفه مِن خلطائي في هذه العزلة الطويلة الأمد التي ضربتها على نفسي، وجَهِل ذلك مَن جهله، وعلى شدة ما لقيت طول هذه السنين من ملامة تَلْحانِي على هذه العزلة التي رضيتُها لنفسي، لم أرضَ أن أخوض فيما يخوض فيه الناس، إلا كمثل تحلَّة القسم؛ أي: بمقدار مفرط القلة، غير مبالغ في ذلك ولا موغل، ولذلك صار رأيي مقصورًا على قلة من إخواني، كنت أبثُّهم ما أجد وما أعلم، ثم أحبس لساني عن كثير ممن ألقى من الناس، حتى صرت كالعيي الذي لا يحسن الإبانة عن ذات نفسه؛ لأن طول الكتمان، وترك تحريك اللسان بالرأي، مضرٌّ بالمرء كضرر الثرثرة بلا عقل.

فلما جاء ما لا يُسكت عليه؛ لشدة خطره، ظللت أؤامر نفسي طويلاً: أيَّ السبيلين أسلك؟ فلما تبيَّن لي الرشد، حملت القلم وأنا على بيِّنة من طريقي، طريق لن يخدعني عنه أحد بثناء أو ذم، فكلاهما لا يغرُّني ولا يرهبني، وقلت لنفسي: هذا إنسان تعرفينه على وجه، ويعرفه الناس على وجه آخر، تعرفينه بطول إلفك لأمثاله مخادعًا شديد الخداع، ويعرفه الناس مخدوعين أشد الانخداع، فكان بينًا لي أن أجعل همي كشفَ الزيف المفضي إلى الخديعة؛ لأكشف الأخطاء التي أخشى أن يصدِّقها الناس.

وكان بينًا لي أيضًا أن انخداع الناس بهذا الإنسان مأتاه من طريقين:
طريق صحيفة الأهرام التي وثق الناس بها؛ لظنِّهم أنها منذ انتزعت من أيدي أعدائهم صارت إلى أيدٍ أمينة لا تخون الأمانة، وطريق اللقب الذي يحمله هذا الإنسان، وصاحبُه عند الناس أمين أيضًا لا يخون الأمانة، فعندئذٍ لم أجد طريقًا أهدى لي وللناس من أن أبدأ بتحليل شيء من كلام هذا الإنسان على وجه الدراسة الأدبية؛ ليكون بيانُ زيفه إثباتًا قاطعًا على أن حامل هذا اللقب لا يستحقُّه بوجه من الوجوه، حين يتبين لكل أحد أنه دعيٌّ ثرثار، لا يحسن شيئًا من مناهج دراسة الآداب على وجه يليق بحامل هذا اللقب.

وأظنني قد بلغت في ذلك ما أريد، وأظنني لم أظلمه قلامةَ ظفر في شيء مما كتبتُ عن مناهج الدراسة الأدبية، ولم أجعل همي الكشفَ عن ادِّعاء هذا الدعيِّ وحسب؛ بل جعلت همي أيضًا أن أزيل الخبث من طريق الدراسات الأدبية؛ لعلمي أن هذه الدراسة هي أخطر الدراسات في أمم الأرض جميعًا، ولأن الغش فيها خفي ينساب، وهو لخفائه شديدُ التأثير في عقول الناس وفي تفكيرهم، وبالِغُ الضرر في حياة الإنسان عامة، ومنذر بخطر يغتال الفكر الإنساني، ويؤدي إلى تدمير الثقافة والحضارة جميعًا؛ لأنه يعتمد على الكلمة المنسابة، التي تركب الألسنة، وتنفذ في العقول، فتهدِّد سلامتها وبراءتها من الآفات، ومعلوم بالبديهة أن الغش والتزييف في العلم لا يؤذيان كأذاهما في الدراسات الأدبية؛ لأن كشفهما في العلوم سهل وميسور، ولكنه في الآداب عسير شديد العسر.

فكان بينًا عندي – وينبغي أن يكون كان بينًا عند القارئ – أني لم أكتب ما كتبت لأناقش عالمًا أو أديبًا أو مثقفًا؛ بل العكس هو الصحيح، إذ كان هذا الإنسان عندي ليس بعالم ولا أديب ولا مثقف؛ بل هو كان عندي دعيًّا، قد اتخذ هذه الصفات بشكلٍ ما وسيلةً لنشر خبائثَ يكتم حقيقتها عن الناس، ويدسّها في تضاعيف كلامه كما يفعل كلُّ داعية يبتغي الفتنة، ولا يبغي شيئًا غير الفتنة؛ ليصل إلى غايته فيما يدعو إليه، فمن أجل ذلك لم أكَدْ أفرغ من إقامة الدراسة الأدبية على نهجها، حتى عمدت بلا التواء إلى تجريده من هذه المراقع التي كان يتخفى فيها، تزييفًا على الناس، ودبيبًا إلى غفلاتهم بالخديعة والمكر، فلم أتردد في خلال ذلك لحظةً واحدة في وصف هذا الإنسان بالصفات التي تنطق بها كتابته وأعماله، مجردة من كل مداهنة في الحق؛ لأن ذلك ليس من شيمتي، ولأن التردد دونه عجزٌ وتخوف وخيانة للأمانة.

نعم، كنت خليقًا أن أدع التصريح إلى التلويح، لو كنت أعدّه داعية مفتونًا بدعوة ينفرد بها، ويريد التنفيس عن نفسه بالثرثرة؛ ولكني كنت أعلم علمًا لا يخالطه ارتياب أنه شيء تحرِّكه قوى شريرة أعرفها، خبرتُها بنفسي، ووجدت آثارها يومًا ما في عقلي ووجداني، وعلمتها قوى متضافرة شديدة الخطر، تتربص بأهلي وعشيرتي وبلادي الدوائرَ، فلم أستحلَّ أن أعامله معاملة الداعية المنفرد بدعوته، المنفِّس عن نفسه حرَّ الاحتراق بما يجد من النار الآكلة، وكيف أداهن أو ألوح، والنذر من حولي تصرخ وتعوي، وكل نذير يهدد بسوء عاقبة الغفلة عنه وعن أمثاله؟!

وأنا امرؤٌ لا أحبُّ الهمس والدندنة في الآذان سرًّا، ولا أحب التناجي الخفي بالإثم والعدوان تحت ستار من الظلمة، وأكره مَن يدور باللائمة من مجلس إلى مجلس غير معالن ولا مصرِّح، فمِن أجل ذلك كتبت هذا؛ لأهتكَ هذا الستر البغيض إلى النفوس الصحيحة، ولأبين لمن لا يعرفني نهجي الذي أسير فيه معلنًا بلا جمجمة ولا استخفاء، فمن شاء أن يلوم بعد ذلك فلْيَلُمْ ما أحبَّ اللوم، فإني مؤديها على النهج الذي لا تزلُّ بي فيه مداهنةٌ أو تلويح، ولا تحبس خطواتي فيه مخافةٌ أو تهديد أو مناجاة بالإثم والعدوان.

أما صحيفة الأهرام التي مكَّنت لهذا الدعيِّ، وهيأت لهذا الداعية الجديد أن يتصرف في بعض صفحاتها بنفسه وببعض شيعته تصرُّفَ المالك، فإني لا أزال أحمل فِعلها على أحسنِ محملٍ أطيقه، وألتمس لها العذر بعد العذر؛ لظني أنها وقعتْ في شَرَكٍ لم تَدرِ كيف تخلص منه، وعسى أن تجد هي الطريق إلى الخلاص باليقظة والتنبُّه، وبحسن الرعاية لمصلحة الأمم التي تعدها أولَ صحيفة تعبِّر عن أهدافها، وتعمل مخلصة جاهدة في سبيل الخير، وعسى أن تجد لنفسها مخرجًا ينجيها من التهمة، وينقذ قراءها الذين استقرَّت في قلوبهم الثقةُ بأمانتها وصدقها، من أن تكون مرتعًا قريبًا سهلاً، ومنبرًا عالي الصوت شديد الدويّ لهذا الداعية وأشياعه، حيث يتخذها وسيلةً لبلوغ أهدافه وأهداف مَن يحركه مِن حيث لا تدري.

ومع كل ذلك، سوف يأتي في غضون هذه المقالات بيانٌ شافٍ عن كل الأخطار التي تهدد كيان هذه الأمم، فعسى أن تجد فيها صحيفة الأهرام مقنعًا ترضى عنه، إن لم تكن قد وجدتْ فيما سلف ما يوجب عليها أن تبرأ مما تجب البراءة منه.

أما الآن، وقد قضيت نحبي من البيان عن نفسي ومنهجي، فإني عائدٌ إلى ما كنت فيه من تاريخ قضية الدعوة إلى العامية واستبدالها بالفصحى، وإلى موضع هذا الدعي من تاريخها، وإلى ما يحيط اليومَ بهذه القضية، وإلى الآثار الشنيعة المترتبة عليها، وأحب مرة أخرى – وما أكثرَ ما أحبُّ! – أن يكون القارئ متنبِّهًا غاية التنبه؛ لأني لا أكتب هذا التاريخ المتشعب المتداخل؛ للتسلي بالألفاظ أمضغها (كما يتسلى الفارغون على المقاهي بالحديث وقزقزة اللب)؛ بل أكتبه باذلاً أقصى الجهد؛ ليفتح كلُّ امرئ عينيه على أكبر الجرائم التي ارتُكبت، والتي لا تزال تُرتكب، بأخبث الوسائل وأخفاها وأفتكها، في غمرة الحديث عن النهضة والتطور، وعن الأدب والفن، وفي فترة من أشد الفترات خطرًا على مستقبل الحياة في الأمم العربية، من حيث هي أمة واحدة، ثم على مستقبل سائر الأمم الإسلامية، من حيث هي الصديق الطبيعي للعالم العربي، ومن حيث هي الدرع التي تلقَّتْ ضربات المعاول الأولى بيد الاستعمار الغربي، ولا تزال تتلقاها، ومن حيث هي الذخيرة الباقيةُ صداقتُها وعونُها لنا غدًا، برغم كل ما أدَّت إليه دسائسُ الاستعمار وصنائعه وعملائه في بلادنا وبلادهم.

وإذا كنتُ قد عرضت في مقالتي السالفة أولية قضية اللغة العامية والدعوة إلى استبدالها بالفصحى، منذ عهد “سبيتا” الألماني سنة 1880م، إلى القاضي “ولمور” الإنجليزي ومحرر المقتطف في سنة 1901، فإني في الحقيقة قد انتزعت هذا الجزء انتزاعًا من حركة متكاملة، قديمة العهد، متشعبة العوامل، متداخلة الآثار، فعلتُ ذلك؛ لأني رأيتُني لو بدأت عرض الصورة من جميع نواحيها وأبعادها في مقالة أو مقالتين، فكأني أُريغُ اختصار قصة كاملة تستغرق آلاف الصفحات، في بضع عشرة صفحة من مجلة “الرسالة”، وهذا أمر لا يكاد يتم لأحد إلا بإخلالٍ شديد في سياق القصة، ولكن كان لا بد مما ليس منه بد، وسأحاول الآن محاولة أخرى مخوفة يتهددها الإيجازُ بالغموض، ولكني سأحاول مرغمًا، حتى يتسنَّى لي أن أربط هذه القضية بأصولها القديمة، باذلاً في البيان غايةَ الجهد؛ إبراءً لذمتي في إتمام الصورة، وتنبيهًا لكل غافل عن الخطر المقبل، وهو خطر ساحق يسحق تاريخه ومصيره، فإذا قصرتُ فذلك المعهود من العجز، وإذا شارفتُ حد الإبانة، فبتوفيق الله وحده وتسديده، وإن كنت لا أدري على التحقيق من أين أبدأ؟ أمن التاريخ البعيد، أم من التاريخ القريب؟

وفي هذه الحيرة، أراه حسنًا من الحسن أن أطوي التاريخ الطويل في كلمات موجزة دالة على مساربه، وأسوق بعض الإيضاح في خلال ذلك؛ حتى تتصل الأجزاء وتلتقي عند عهد محمد علي في سنة 1826م وما بعدها، وأسأل القارئ ألاَّ يملَّ؛ فإن الملل من كواذب الأخلاق، كما قال عمرو بن العاص – رضي الله عنه.

ففي عصر النهضة الأوربية الأخيرة، كان هناك عالَمان كبيران: العالم الأوربي المسيحي، والعالم العربي الإسلامي، كان الأول قد ساور أول الشباب، حين انطوى دهرًا على نفسه، يدرس ما حمل إليه الحاملون من تراث العرب والمسلمين في العلم والأدب، وذلك بعد ارتداده إلى دياره منذ آخر حرب صليبية، وبعد ظهور الدولة العثمانية المسلمة التي غزتْ أرضه ودياره وتوغَّلتْ فيها، حتى تركتْ أصداء التكبير والتهليل تَصْدَعُ الجبال في قلب القارة الأوربية ، وكان الآخر قد أغفى إغفاءة في أعقاب دورة هائلة من دورات الحضارة، بعد أن سارتْ كتائبُه قرونًا طوالاً تطوف بحضارة الإسلام من الشمال البعيد إلى الجنوب القصي، ومن الشرق النازح إلى الغرب الشاسع.

وفي هذه الفترة كان الأول متحفزًا لا يهدأ، وكان الآخر مستهينًا مستنيمًا لا يبالي، كان الأول طموحًا نزَّاعًا إلى الآفاق البعيدة، وكان الآخر قانعًا آمنًا في ظل بنيان مرصوص، ظنه لا ينفذ فيه شيء.

كانت قناعة ثانيهما بقوَّته وماضية وتجارِبه، وأمنه في قلاعه وحصونه، وغفلته عمَّا جرى من وراء أسواره – إغراءً للأول بالإقدام على مباغتته وافتراسه، ولكن كانت تجارب الحروب الصليبية القديمة، وحروب آل عثمان من الترك، قد دلَّتْ دلالة قاطعة على أن مواجهة العالم الإسلامي بالانقضاض المسلَّح، لا تُجدي إلا انبعاثَ قوة متماسكة شديدة البأس والخطر، خليقة أن تسترد شبابها، مهما كان في كيانها من العيوب، وسرعان ما تلمّ شعثها إلى معركة فاصلة كسائر المعارك الأولى، التي ردَّت غزاة الصليبية على أعقابهم.

فكان من الحكمة إذًا تجنُّب المواجهة، وكان من حسن التدبير واتقاء العواقب أن تدور هذه القوة الجديدة الأوربية، من حول العالم الإسلامي، تتنقَّصه من أطرافه البعيدة بمهارة وحذر؛ حتى لا يرتاع قلبُ هذا العالم الغافل، فينفض الترابَ عن ثيابه، ويمسح النوم عن وجهه، ودبَّتْ أوربة دبيبًا حول هذا العالم، وجعلت تطوق شواطئ القارة الإفريقية من الغرب إلى أن بلغت شواطئ الهند، طوقتْه يومئذٍ بطوق من الثغور تحتلها، ثم تنفذ من كل ثغر إلى بدن العالم الإسلامي شيئًا فشيئًا، على حذر شديد، وبلا ضجيج يزعج، نعم كان هذا غزوًا، ولكنه غزو خفي الوطء، بعيد المرمى، طويل الأجل، لم يكن غزوًا بالمعنى الذي كان الناس يعهدونه يومئذٍ، أو الذي نعهده إلى اليوم، لم يكن جيوشًا وجحافلَ لها صليلٌ يُقَعقع، ونَقْعٌ يثور، فتدك في زحفها الحصون حصنًا حصنًا، حتى تفرغ من الأرض كلها في شهر أو شهرين، أو عام أو عامين، كان غزوًا أقل ما فيه نكاية هو “الجيوش”، وأبلغه افتراسًا هو “التجارة”، وأفتكه بالإنسان هو “التبشير”، وهذه الصورة لا يكاد يخطئها من كان له أدنى إلمام بتاريخ الغزو الأوربي المسيحي للعالم الإسلامي.

وليس يعنينا هنا أن نتتبع تاريخ نكاية “الجيوش”، وافتراس “التجارة”؛ بل الذي يعنينا هو “التبشير”، وفهم طبيعة “التبشير” وعمله أمرٌ لا بد منه لكل إنسان رأى بلاده نَهْبًا ممزقًا، وأشلاء مقطعة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن أبعد الغرب إلى أبعد الشرق؛ لأنه أحد كتائب الغزو الجديد وأفتكها بالناس، ولستُ هنا بصدد سرد تاريخ “التبشير” منذ قام “البارون دي ويتز” في سنة 1664 يدعو إلى تأسيس مدرسة جامعة، تكون قاعدة لتعليم التبشير المسيحي، وتعلم فيها لغات الشرق لمن يناط بهم أمر التبشير؛ فهذا يحتاج إلى دراسة مطولة، وحسب المرء أن يرجع إلى ما ألَّفه المبشرون أنفسهم من كتب تاريخ التبشير؛ ليعلم المناهج التي سار فيها حتى هذا اليوم، ولكن ليس يحل لأحد ممن يتعاطى النظر في أمور الناس في البلاد التي وقعت نهبًا للغزو الأوربي – أن يغفل أمر “التبشير”، ولا أن يتجاهل آثاره، ولا أن يغضي الطرف عن وسائله؛ لأنه هو في الحقيقة أقوى العوامل التي مكَّنت للاستعمار في بلادنا، وجعلتنا في الحال التي نحن عليها من الضعف والتفكك، والجهل بالأسباب الصحيحة التي تهيئ لنا مستقبلاً كريمًا شريفًا في هذا العالم، وسأحاول أن أوضح الأمر ما استطعت في هذه العجالة التي لا تشفي غليلاً.

فمن تمام الجهل أن يظن المرء أن معنى “التبشير” هو اقتصار فئة من الرهبان أو القسوس بالدعوة إلى دينهم، من حيث هو عقيدة يسمعها المرء فيرضاها أو ينكرها، فهذا أمر باطلٌ أشدَّ البطلان، لا من حيث الواقع فحسب؛ بل من حيث شرَح “المبشرون” أنفسهم معنى “التبشير” عندهم، وهم الممارسون له، وهم لذلك أدري به، وأشد بطلانًا أن يتصور امرؤ أن “التبشير بمعزل عن الغزو الحربي، والغزو الاقتصادي، والغزو الفكري والسياسي، وعن محاولة الجنس الأوربي المسيحي أن يُخضع الأممَ لسيطرةٍ تدوم ما دامت له حضارة، وأشد بطلانًا منهما جميعًا أن يخطر ببال أحد أن “التبشير” قد غاب عن كثير من الدعوات التي قام أصحابها ينادون بضروب من الإصلاح (!) في بلاد العرب، وفي بلاد الإسلام، وفي غيرهما من البلاد، وأنه لم يضع فيهما إصبعه ليحول معنى “الإصلاح” إلى معنى من التدمير والهدم والتحطيم.

ومن صَدَقَ النية، واطَّلع على كتب المبشرين أنفسهم، عرف أن أكثر الحركات السياسية والاجتماعية قد لُوثتْ بمكره الخفي، وأنه لم يغبْ عن شيء من الحركات الوطنية أو القومية، أو الثقافية أو الأدبية، أو ما شئت؛ بل كان من ورائها عاملاً يقظًا، شديد الخفاء، بليغ الأثر، يتزيَّا بكل زي، على اختلاف الأمور، لابسًا لكل حالةٍ لَبُوسَها، ومرسلاً فيها أعوانه، الذين قام على أمرهم دهرًا طويلاً؛ حتى لا ينكشف أمرهم للغافلين عن دسائسه المدروسة المخططة الطويلة الأجل.

وكان أخفى طريق عرفه المبشرون، وأقرَّتْه سياسة الدول الأوربية الغازية جميعًا – هو “طريق التعليم”؛ لأن حاجة الناس إلى العلم لا تنقطع، وبخاصة في زمن اليقظة بعد الغفوة، هذه واحدة، والأخرى أن التعليم يضمن تنشئة أجيال قد صُبغوا على أيدي معلميهم بالصبغة التي يريدها الدهاة من أساتذتهم، وهو أخطر عامل في توجيه أفكار الصغار إلى الجهة التي يريدها المعلِّم، فينشأ الطفل ويكبر حتى يصير رجلاً، فلا يحس في نفسه أنه قد طبع طبعًا جديدًا، يراد به استبقاء سيطرة الغازي عليه وعلى بلاده، وتدمير أمَّته بمسخه هو وأقرانه إلى عبيد يذلِّلون الطريق لأقدام السادة الطغاة، من حيث لا يدري أنه عبدٌ مسخَّر.

وإليك فقراتٍ دالةً من كلام رجل من رؤوس المبشرين، تغني عن الإكثار، هو المسيو شاتليه، يقول في سنة 1911:
“إن إرساليات التبشير الدينية، التي لديها أموال وفيرة، وتدار أعمالُها بتدبير وحكمة، تأتي بالنفع الكثير في البلاد الإسلامية، من حيث إنها تثبت الأفكار الأوربية”، ثم يقول: “ولا شك في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثوليكية، تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس معتقديها، ولا يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرَّب مع اللغات الأوربية، فبنشرها اللغات الإنكليزية والألمانية والهولندية والفرنسية، يتحكك الإسلام بصحف أوربا، وتتمهد السُّبُل لتقدم إسلامي مادي (تأمل هذا جيدًا)، وتقضي إرساليات التبشير لُبَانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية، التي لم تحفظ كيانها إلا بعزلتها وانفرادها” تأمل!

هذا كلام دارس خبير، ينبغي أن تقرأه لفظًا لفظًا؛ لأنه تخطيط شامل، في ألفاظ قليلة، ثم قال أيضًا ما يعين على كشف الأهداف والأغراض ببيان شافٍ؛ إذ يقول:
“إنه مهما اختلفت الآراء في نتائج أعمال المبشرين من حيث خطتهم في “الهدم”، فإن نزع الاعتقادات الإسلامية ملازم للجهود التي تُبذل في سبيل التربية النصرانية، والتقسيم السياسي الذي طرأ على الإسلام (تأمل!) سيمهد السبل لأعمال المدنية الأوربية؛ إذ من المحقق أن الإسلام يضمحلُّ من الوجهة السياسية، ولن يمضي غيرُ زمن قصير، حتى يكون الإسلام في حكم مدينة محاطة بالأسلاك الأوربية”.

وتستطيع أن تجد فائدة عظيمة في تتبع تاريخ التعليم الأجنبي في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، في رسالة كتبها الأستاذ جرجس سلامة، وإن كان قد نظر إلى هذا الموضوع من غير الوجه الذي ننظر إليه منه، ولكنه أقرَّ في مقدمته أن هذا التعليم قد بدأ في مصر لأغراض دينية بحتة، وأنه اتَّجه نحو الاستقلال والعزلة: “حتى أصبح التعليم الأجنبي دولة داخل الدولة، يوجِّه النشء الوجهة التي يراها، ويصبغهم بالصبغة التي يرغبها، دون إشراف فعليٍّ من الدولة عليه”، ويقول أيضًا: “بل بلغ الأمر إلى حد أن اشتملت بعض الكتب المستعملة على معلومات خاطئة مضلِّلة عن مصر ذاتها، وكان كل ذلك يدرس لأبنائنا، مع انعدام وجود أي توجيه قومي يوجِّه شبابنا الوجهة الوطنية الصحيحة”، وقال أيضًا: “وزاد من خطورة كل ذلك أن جميع المدارس الأجنبية دون استثناء، قد أسهمت بنصيب كبير في إضعاف اللغة العربية، فهي تلقي في خضم الحياة المصرية كل عام مَن ينظرون إلى غيرهم من طبقات المتعلمين في المدارس الحكومية الوطنية نظرةً متعالية، وينظرون إلى اللغة العربية نفس النظرة”.

وقد آثرتُ أن أنقل هذا كله هنا؛ لأنها نظرة مسيحي دارس إلى هذا التعليم الأجنبي، وهو غير مكلَّف أن ينظر إليه من حيث ننظر نحن، ولكن سياق دراسته مفضٍ إلى مثل الذي يفضي إليه المسلم، من حيث استخدام هذا التعليم أداةً لصبغ أبناء الناس بالصبغة التي يريدها هؤلاء الدعاة، ويوجههم إلى وجهة غير صحيحة، في الوطنية أو في غيرها من شؤون الدين والدنيا، وهذا كافٍ – بحمد الله – في إثبات ما نريد من استغلال التعليم لبث أفكار مدمرة في المتعلمين على أيدي هؤلاء المبشرين.

فهذا وما بيَّنتُه في مقالتي السالفة، يدل على شدة عداوة المبشرين ومدارسهم وتعليمهم للغة العرب، وهذا أمر ظاهر مفهوم، وقد ذكرت في الكلمة السالفة مقالة “وليم جيفورد بلجراف”: “متى توارى القرآن ومدينة مكة من بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربيَّ يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يُبعدْه عنها إلا محمدٌ وكتابه”، ومفهوم أيضًا أن “الحضارة” التي يعنيها حضرة الفاضل هي المسيحية ذاتها، ومفهوم أيضًا أن القرآن لا يتوارى حتى تتوارى لغتُه، وزاد القسيس “زويمر” هذا الأمرَ وضوحًا، وبيَّن أن اللغة العربية هي الرباط الوثيق، الذي يجمع ملايين المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، وذلك حيث يقول في سنة 1906 أو قبلها: “إنه لم يسبق وجود عقيدة مبنيَّة على التوحيد أعظم من عقيدة الدِّين الإسلامي، الذي اقتحم قارتي آسيا وإفريقية الواسعتين، وبثَّ في مائتي مليون من البشر (وهذا تعداد أقل من الحقيقة يومئذٍ بكثير كما تعلم) عقائدَه وشرائعه وتقاليده، وأحكم عروة ارتباطهم باللغة العربية”.

فليس مفهومًا بعد الذي بيَّنتُه من طبيعة التبشير بغاية الإيجاز، وما دللتُ عليه من أعماله في التعليم، ومن غاياته، أن يكون بمعزل عن قضية هدم اللغة العربية الفصحى، التي هي لغة القرآن، وعن جعل اللغات الأوربية مقدَّمةً عند المثقفين على لغة الآباء والأجداد، ولكن إلى أن غزا نابليون مصر في سنة (1798م) لم يكن للمبشرين أثرٌ يُذكر في التأثير على أبناء البلاد العربية، فلما تولى محمد علي أمرَ مصر، وزيَّنتْ له نفسُه أن يستقل بها، وأغراه طموحُه أن يجعلها تناصي دار الخلافة في تركيا، انثال عليه قناصل الدول؛ ليشدُّوا أزره، وليحطِّموا بمعاول جيشه صرحَ الخلافة العثمانية، فعاونوه على إنشاء المدارس، واستقدم لها المعلمين، وأرسَلَ البعثات إلى أوربا منذ سنة 1826.

وكان أول الرأي لمن شهد هذه النهضةَ المفاجئة الجديدة، أن تُترجم كُتُبُ العلم الأوربي إلى العربية، وأن يؤلَّف بالعربية في هذه العلوم؛ حتى يُستغنَى بعد قليل عن استجلاب الأساتذة الأوربيين للمدارس الثانوية والعالية، وهذا ما كاد يحدث، فإن كثيرًا من الكتب قد ترجم يومئذٍ إلى العربية في أنواع العلوم، كالطب والهندسة والرياضيات والعلوم الحربية، وطبع أيضًا بمصر طباعة جيدة، ولكن يظهر أن القناصل خوَّفوا هذا الطاغيةَ الجريء عُقبى تيسير العلوم لطلابها من أبناء مصر، ينشرها بلسانهم، وزيَّنوا له أن يقتصر على البعثات التي تدرس في الخارج.

فانتهى الأمر بأن حُبست هذه الكتب في مخازن القلعة، وحِيلَ بين اللسان العربي ومتابعة العلم في ذلك العهد البعيد، فكانت أول فجوة حدثتْ بين التعليم ولغة التعليم، وصار المتخرج في البعثات يُحسن لغة البلاد التي تعلّم بها، ويحسن التعبير بها في العلم الذي درسه، ثم لا يحسن مِثلَه في لغته التي ينتمي نسبُه إليها، وبعد قليل بدأت طلائع إرساليات التبشير تفد إلى مصر، وتنشئ المدارس، وتحدث في بيوت المسلمين وغير المسلمين صدعًا، كان يصعب اتقاؤه يومئذٍ؛ لقلة المتنبهين إليه.

وظل الأمر يستشري ويزداد سوءًا في أواخر عهد محمد علي، إلى أن هبَّت رياح أوشكت أن توقظ الناس إلى نهضة صحيحة، تبدأ من حيث ينبغي البدء، وذلك عندما حدث ما دعا إلى إعادة فتح المدارس فيما بين سنة 1863 وسنة 1879، وما دعا إلى حركة إحياء بين أفراد أفذاذ من علماء الأزهر، وما دعا إلى إنشاء مدرسة دار العلوم، وابتدأت طلائع النهضة الصحيحة بما أشرت إليه من ظهور نابغة البيان في ذلك الزمان، محمود سامي البارودي، الذي ردَّ الشعرَ العربي إلى شبابٍ فقَدَه في عصور متتابعة، قعدتْ بالهمم فضربتها بالعجز والتسليم بأنها لا تطيق أن تبلغ حيث بلغ الأوائل، فجاء هذا الرجل آيةً على إمكان ذلك، وكان ذلك في حوالي سنة 1870، وبدأ موكب النهضة يسير، ويتكاثر في مسيره، وكاد الأمر يفلت، وإذا أفلت الأمر من أيدي الغزاة يومئذٍ، ونجت مصر في سنة 1882 من طغيان أسرة محمد علي وفسادها، ومن احتلال الإنجليز بهزيمة عرابي، لتغيَّر تاريخ هذه المنطقة، ولاحتفل السيلُ فجرَف هذه المكايد الصغار التي كانت تُكَادُ يومئذٍ، ولطمست الفجوة التي كانت قد انشقَّتْ بين التعليم ولغة التعليم.

وفي هذه الفترة ما بين 1863 إلى 1882، ظهرت بوادر تأسيس الجمعيات الكبرى للتبشير في مصر وسورية وغيرها من البلدان الإسلامية، وكان ظاهرًا أن هذه الفورة متعلِّقة بالتكوين السياسي الذي يراد بقلب العالم الإسلامي؛ ولذلك نشط التبشير في أماكنَ متفرقةٍ من العالم الإسلامي، وكان الهدف الأكبر هو مصر والشام، وزاد عدد الرجال المبشرين، وأكثرهم ليسوا من القسوس، كما يعلم ذلك كلُّ متتبع لحركات التبشير.

والظاهر أن هذه الحملة الصليبية الجديدة كانت قد هُيِّئت لها خطط جديدة، أوجبها طول الاحتكاك داخل هذه البلاد بأهلها وسكانها وطوائفها، وتجديد الفهم لحقيقتها وما هو كائن فيها، فلستُ أجده عجيبًا إذًا أن يتَّفق في عام واحد تقريبًا (سنة 1880، وسنة 1881) ظهور كتاب “سبيتا” الداعي إلى استبدال العامية بالفصحى، وظهور مقالة “المقتطف” الداعية إلى مثل ذلك، وأن تكون حججهما واحدةً في صعوبة الفصحى، وفي بُعد لغة الحديث عنها كبُعد الإيطالية من اللاتينية، وأن يتشابه المكر في الموضعين بقياس فاسد متخالف الأجزاء.

لست أجد هذا اتفاقًا عجيبًا من ألماني أعجمي اللسان، مقيم في دار الكتب المصرية، وعربي اللسان مقيم في بيروت، حيث أكبر مؤسسة تبشيرية أنشئت سنة 1865 بأموال الإنجليز والأمريكيين، وتخرج هو على أساطين التبشير فيها، وهي “الكلية السورية الإنجيلية”، المعروفة اليوم باسم “الجامعة الأمريكية”.

وهذا دليل ظاهر من حال الرجلين، وفي كلام كل منهما دليل ظاهر وباطن أنه حق ويقين، أنهما إنما تلقَّيا إشارة البدء في الشام ومصر من جماعات التبشير أو مؤتمراتهم الأخيرة، وأن هذا الذي كتَبَا من الرأي المتواطئ في معانيه ودلالاته وتشبيهاته، يدل على أن الأمر بتفاصيله كان مبيَّتًا مدروسًا، قد طال الإعداد له، وكثر تساؤل المتشاعرين به: متى يحين حينه؟ كما دل على ذلك أيضًا كلام محرر المقتطف سنة 1881، وهو مقيم في بيروت، وسنة 1901، وهو مقيم في مصر، ودل ما كان من أمرهما على أنه لم يكن يراد إثارة هذه الفتنة بمرةٍ واحدة علانية في كل مكان؛ خوفًا من أن تنشأ قوة تقضي على الأمر كله في مهده؛ بل كان يراد أن تكون في أضيق الحدود.

وخبر ذلك أن “ولهلم سبيتا” كتب كتابه بالألمانية في مصر، ومَن يعرفها من المصريين قليلٌ من الدارسين في البعثات، وبعضُ أصحاب الثروة والسلطان، وإذًا فالغاية المرجوة منه محدودة بأضيق الحدود، وفي نطاق عدد قليل، كأنه هو وحده المخاطب عند صدور الكتاب بما في الكتاب، وهذا أفْعلُ؛ لأن الذي يقرؤه يعدُّ نفسَه في الناس كأنه وقع على خبيءٍ مكنوز؛ فهو لا يهدأ حتى يبوحَ به تلميحًا وتعريضًا إذا خاف التصريح، وعن هذا الطريق يستطيع “سبيتا” أن يعرف أثر مقالته التي ساقها في مقدمته مجازفًا كما قال، وراحمًا للشباب مما يعانون من تعلم الفصحى، ومتحرقًا على أن الأدب الحقيقي لا ينمو بالتزام الكتابة بالعربية الكلاسيكية القديمة، وما شئتَ بعدُ من عواطف الحب التي يعالجها هذا المبشر الألماني للشعب المصري!

وأما “المقتطف”، فقد وقفت فيه على عجيبة مذهلة لم أرَ لها مثيلاً فيما عرفت من المجلات! وذلك أني فوجئت بأن المجلد السادس منه، وهو مجلد السنة السادسة من حزيران سنة 1881، طبع من كل عدد منه طبعتان، إحداهما خالية من هذه المقالات التي بدأها في تشرين الثاني 1881 بعنوان: “اللغة والنجاح”، ورد خليل اليازجي عليه في كانون الأول 1881، وتعقيب المتنكر تحت اسم “الممكن” على محرر المقتطف وعلى رد اليازجي، وتأييده اتِّخاذ العامية لغةً للكتابة، في كانون الثاني 1882، وما نشر في عدد شباط 1882 باسم الجمعية الأدبية الدمشقية، وما كتبه أسعد داغر، ثم رد “الممكن” عليهم في آذار 1882، ثم متابعات أخرى للموضوع في نيسان 1882 وما بعده، فهذا كله وأمثاله لا وجود له في المجلد المختصر، وعدد أوراقه 328 صفحة، وموجود في المجلد المطول، وعدد أوراقه 760 صفحة.

فهل لهذا الأمر الغريب علاقة بتوزيع المطول في مكان دون مكان، وقصر توزيع المختصر على مكان بعينه؟ هذا والله أمر يحيرني! وقد تابعت ما كتب فيه، فلم أجد أحدًا من أهل مصر شارك في معالجة هذه القضية إذ ذاك، فكأن هذه المجلة كانت مجهولة هنا، معروفة في بيروت ونواحيها، أو كان المختصر هو الذي يرسل إليها دون المطول.

فمجيء هذه الدعوة في مصر وفي الشام على هاتين الصورتين المتباينتين في الظاهر، لم يكن يراد به إلا إحداث صدع في النهضة، وبث بلبلة، واستحياء فتنة، إلا تكن جهرًا في كل مكان، فهمسًا في مكان دون مكان، لا لليوم الحاضر؛ بل لغد سوف يأتي فلا يكون همس، وعسى أن يوجد في مصر من أنفس المسلمين، مَن توافق هذه المقالةُ هواه، فيتولى هو إذاعتها بين الناس، ويكون ذلك أحسن تحقيق لوصية القس “زويمر” لمَن خرَّجهم من المبشرين؛ إذ قال لهم: “تبشير المسلمين يجب أن يكون بلسان رسول من أنفسهم، ومن بين صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحدُ أبنائها” (وبيِّنٌ أن ما ذكره لويس عوض في تجربته في شأن العامية أيضًا، والتي نقلتُها آنفًا من بلوتولند، إذ قال: إنه سكت مؤْثرًا أن يتولى الدفاعَ عن رأيه مسلمٌ لا مجال للطعن في نزاهته – إنما هو قولٌ متوارث، لقَّنه إياه بعضُ مَن تولى تدريبه في “الخلوة المشهودة بين أشجار الدردار عند الشلال بكامبردج”، أو كما قال).

وعلى الحالين جميعًا، فظاهر من السياق ارتباط أول داعيتين إلى استبدال العامية بالفصحى، ارتباطًا وثيقًا بوسائل التبشير وتوجيهاته، وأغراضه وأعماله ومراميه، وليس من جاء بعد هذين – وهم “فولرس” الألماني (1890)، والإنجليزيان “ويلككس” (1893)، و”ولمور” (1901) – بأوهن منهما رباطًا بالتبشير؛ بل لعل العكس هو الصحيح؛ لأنهم فضلاً عن تظاهر الأدلة على وثيق ارتباطهم به، فإنهم إنما جاؤوا أيضًا في زمن الاحتلال الإنجليزي، الذي كان التبشير مقدِّمةً له أولاً، ثم محققًا بعدُ لسياسته، وناشرًا لمكايده، وساعيًا في تثبيت قواعده، وذلك بأعظم وسيلة يملكها التبشير، وهي التعليم، كما أسلفنا من صفته.

وإذا شئتَ أن تعلم مقدار تكافل التبشير والسياسة وتعاونهما على إذلال الأمم والرجال وتحقيرهم، وإيذائهم بأصفق ما يتسنَّى لإنسانٍ من الوَقاحة، وغِلَظ الوجه، وجَلافة التركيب الأخلاقي، وبذاءة النفس الملوثة في داخلها بالحقد والاحتراق – فانظر كيف جاء “التبشير” تحت راية الاحتلال الإنجليزي ليعقد مؤتمرًا في القاهرة، فيأبى على “زويمر” القس المبشر حُسْنُ خلقه، وتمامُ ديانته، ووَرَعُ نفسه، إلا أن يكون انعقاد المؤتمر في بيت زعيم الثورة وقائد النهضة، “أحمد عرابي” المسلم العربي، فيفتتح “زويمر” برئاسته هذا المؤتمر في 4 إبريل سنة 1906 في القاهرة، في بيت عرابي، في باب اللوق، والرجل يومئذٍ عاد من منفاه، وحُرِمَ مالَه ودارَه، فهو مقيم ببيت أولاده بشارع خيرت.

وحسبك أن تعلم أن أحد هؤلاء المؤتمرين قد وقف تحت سقف هذا البيت، يعرض اقتراحًا بإنشاء مدرسة جامعة نصرانية، تتولى كل الكنائس المسيحية الإنفاقَ عليها؛ للتمكن من مزاحمة الأزهر بسهولة[2]، ثم ختم كلامه بهذه العبارة:
“ربما كانت العزة الإلهية قد دعتْنا إلى اختيار مصر مركزَ عمل لنا، لنسرع بإنشاء هذا المعهد المسيحي لتنصير الممالك الإسلامية”.

لم يكن مؤتمرًا للتبشير؛ بل كان مؤتمرًا لانتقامٍ خسيس، لا يصدر عن قلب سليم أبدًا، وكذلك كان فعلهم في عشرات من الحوادث، وتلك كانت آدابهم، فكيف يلام تلميذٌ لهم إذا نشر في مناسبة الإسراء والمعراج – بما يتوارث من هذه الأخلاق – كلامًا لا يليق أن يقال، وبأسلوب صاحبنا الذي ظن العزة الإلهية قد دعتْه إلى مصر؟ يا سبحان الله! وإلى قريب حتى نفرغ من أخطار هذه القضية.
ـــــــــــــــــ
[1] لا يدري المرء هل يأسف أم ييئَس؛ لأن هذا المتدسس إلى جريدة الأهرام، لا يزال يدير المسرح الذي ينفث الخطر من جميع نواحيه، على يده وعلى يد شيعته، بعد مضي ست سنوات على كتابة هذا النذير (سنة 1971).
[2] هذه الدعوة تمخضت عن “الجامعة الأمريكية” بالقاهرة.