وهذا هو تاريخها

وهذا هو تاريخها

عندما شرعتُ أعدُّ هذه الكلمة، قضيتُ أيامًا أطوف بذاكرتي فيما قرأت، وأراجع بعض ما قيَّدت، فأفنيتُ وقتًا طويلاً في حشد مادة الكتابة، ثم وقع إليَّ كتابٌ لم أكن سمعتُ به، فلما بدأت أقرؤه وجدتُني قد أضعت أيامي هباء؛ لأنه لو كان في يدي قبل ذلك، لأغناني عن بحث طويل، وتنقيب مضنٍ.

فلم أستحلَّ لنفسي أن أعود إلى قضية الأكاذيب الملفقة، حتى أنصف صاحِبتَه ما استطعتُ، جاء هذا الكتاب كأنه تقريع لي، ولكل مَن نصب نفسه لعلاج المسائل العامة في حياة الشعب العربي والإسلامي؛ لأننا عشنا دهرًا في موج متلاطم، ثم لم يكن لنا من الحكمة والعقل، ما يدفعنا إلى تقييد ما يجري في زماننا على ترتيب تاريخي متصل، فيكون ذلك معوانًا لنا على جلاء الصورة التي عشناها أو التي نعيشها، في ضوء مبين عن حقيقتها، وتلافيفها، وتعاريجها، وخفاياها، وهذه هي النكبة التي نُكبنا بها، وأنا أشهد على نفسي – على الأقل – أني قصرت في ذلك تقصيرًا معيبًا؛ إذ شغلتْني نفسي عن تتبع كثير من الحقائق وتقييدها، فلما جئتُ أطلبها وقعتُ في المآزق، حتى جاء كتاب “تاريخ الدعوة إلى اللغة العامية وآثارها في مصر”، فأنقذني مما تورطت فيه.

وهذا الكتاب النفيس من تأليف الدكتورة/ نفوسة زكريا سعيد، المدرسة بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية (الطبعة الأولى 1384هـ/ 1964م)، والجهد المبذول في جمع مادة هذا الكتاب، جهدٌ يدل على التجرُّد الصحيح السليم في طلب المعرفة، وعلى الصدق في السعي إلى الحقيقة، وعلى النفاذ في إدراك الحقائق، وعلى الصبر في معاناة التنقيب بلا كلال ولا ملل، ولا أظنني قرأتُ منذ سنوات طوال كتابًا يتناول المسائل العامة في حياتنا الحديثة بذَلَ فيه صاحبُه من الوقت والجهد والأناة ما بذلَتِ الدكتورة نفوسة في كتابها هذا، ولا أظنني قرأت أيضًا في هذا الدهر كتابًا ينبغي لكل عربي وكل مسلم أن

[الصفحة 125]

يقرأه مِن ألِفه إلى يائه، يضارع هذا الكتاب، وحسبها أنها استطاعتْ أن تجلوَ للناس صورةً صحيحة صادقة مؤيدة بالأسانيد، بلا تزيُّد ولا كذب ولا ادعاء، عن أكبر معركة تدور في العالم العربي والإسلامي، وهي معركة البناء أو الهدم، معركة الحياة أو الموت، معركة الحرية أو الاستعباد، معركة وحدة العرب والمسلمين بلغة عربية واحدة، هي الفصحى، أو تفرق العرب والمسلمين أشتاتًا بلغات متنابذة، هي العامية.

ولو كان لي من الأمر شيء، لأمرت أن يطبع هذا الكتاب؛ ليكون في يد كل شاب وشابة، وكل رجل وامرأة، ويكون له مختصر ميسر لكل من مكَّنه الله من القراءة، ولستُ أريد الإغراق في الثناء، وإخلاء الكتاب من كل عيب، ولكني أراه كتابًا صالحًا لكل مثقف، يجد فيه مادةً صحيحة لتاريخ معركة قاسية خبيثة، إذا وقانا الله شرَّها باليقظة، فقد نجونا من المحنة الساحقة، وإذا أسأنا فابتُلينا بتمام الغفلة، فذلك ذلُّ الأبد، ولا حول ولا قوة إلا بالله وحده.

وهذا أوان العودة إلى قضية هذا الداعية الجديد وأكاذيبه الملفقة، وقد كشفتُ النقاب عن وجه لويس عوض في مقالتي السالفة، فعرَضته كما هو في حقيقته، لا أديبًا ولا متأدِّبًا، ولا مفكرًا ولا دكتورًا ذا طيلسان وجلاجل؛ بل حاقدًا على العربية وكتَّابها وأهلها، يستخدمه قومٌ لأغراض بعيدةِ الأثر في حياة الأمة التي تتخذ العربية لغتَها والقرآن كتابها، بلا مواربة ولا استخفاء، ويريد الله أن يرسل إليَّ دليلاً جديدًا على أنه لم يزل كما كان في صدر حياته، داعيةً للعامية، ولا شيء غير ذلك، ولا همَّ له إلا ذلك.

ففي العدد الأخير من مجلة الإذاعة (29 شعبان سنة 1384) بعنوان: “هل صحيح: الرواية والقصة القصيرة في محنة؟”، والذي أثار الموضوع هو قول توفيق الحكيم: “لقد انصرف الكُتاب عن الرواية والقصة القصيرة، إلى المسرح والتليفزيون والسينما”، فهل يعني هذا أن الرواية والقصة القصيرة تمرَّان بمحنة؟ فأجاب نجيب محفوظ جوابَ عارف خبير، وأجاب يوسف الشاروني جواب متتبع، وكلاهما لم يتعرض لما تعرض له لويس عوض؛ لأن المسرح والتليفزيون والسينما، أكثر ما فيه الآن بالعامية المحضة، وهذا بلاء مخوف العواقب، فالمنصرف عن الرواية والقصة القصيرة إليها، إنما ينصرف إلى محض

[الصفحة 126]

العامية، أما لويس عوض، فبالذي يعتمل في صدره من الحقد على العربية، أجاب ولم يفهم السؤال الذي وجِّه إليه؛ بل تسرَّع وحاول أن يتفلسف بغير فلسفة، كما تأدَّب في هامش الغفران بلا أدب، فزعم أن محنة الرواية التي تجمدتْ، والقصة القصيرة التي ذبلتْ، يعود إلى جملة أسباب، “أهمها ذلك القرار الذي اتَّخذه المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب منذ سنوات، بضرورة استعمال اللغة العربية في حوار القصة، وقصر الجوائز على القصص الخالية من الحوار العامي”، ثم جاء بكلام كثير ملفف في الغموض والتحكم، نابع من عقيدته التي بُني عليها كيانُه كله، وهي الدعوة إلى العامية، وبُغض اللغة العربية.

ولا يعنيني هنا أن أنقده، ولكن يعنيني أن أكشف اللثام عن وجهٍ غريب في تاريخ الحياة الأدبية المعاصرة، وأنه حين عرَّف بنفسه في سنة 1954، فقال عن نفسه: “عُرف بدعوته للأدب العامي في صدر حياته الأدبية، وللأدب في سبيل الحياة في طوره الحالي”، لم يعنِ بهاتين المقولتين سوى شيء واحد، هو أنه لم يزل داعية للعامية، لا غير، وأنه لا يعنيه الأدب ولا غير الأدب؛ لأنه ليس بأديب ولا شبه أديب، وإنما يعنيه أن تسُودَ العامية على العربية؛ لأنه داعية، كما بينت في المقالة السالفة.

وبذلك يتبيَّن أن المخرقة التي اتَّخذها بإساءة الكتابة في آداب العربية، حين وظَّفتْه صحيفة الأهرام مستشارًا ثقافيًّا بها، إنما كانت ستارًا يحجب به نفسَه؛ ليدع آخرين يعبِّرون عما يريد، ومِن المسلمين خاصة، كما قال في كلامه الذي نقلتُه عن “بلوتولند”، فمِن أجل ذلك رأينا صحيفة الأهرام تكادُ تنفردُ من الصحف كلها بالإغراق في السخرية من العربية بالكلمة وبالصورة(1)، وبكل ما فيه تحقير للتراث العربي، بلا رعاية أحيانًا لبعض ما ينبغي أن يراعيَه ذو عقل سليم، أو ذوقٍ صحيح.

وسأثبت بالبرهان القاطع: أن موضع هذا الداعية الجديد في الحياة الأدبية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- مضت بضع سنوات ولا يزال هذا حادثًا إلى اليوم (أغسطس 1971)، وأقرب ذلك ما نشره من يسمى “عبدالحميد عبدالغني” مدير إدارة القضاء بالأمم المتحدة، في أهرام الجمعة 13 أغسطس 1971، بعنوان: “قوانين التعليم، وعودة المغتربين”، فأتى فيه بكلام لا يعقله عاقل عن تعلم اللغة العربية. ثم انٍ ص: 133، التعليق رقم: 1.

[الصفحة 127]

المعاصرة موضعٌ مريب جدًّا، لا بما أعلمه خبرًا؛ بل بالاستدلال التاريخي على ألفاظه التي أودعها ما سماه “التجربة رقم 1″، وهي تجربته في اللغة العامية، ولن أعيد ألفاظها هنا؛ لأني أثبتُّها في المقالة السالفة، وقد زعم أنه في سنة 1937:
1- كان يتعلم مبادئ اللغة الإيطالية، ووقف عند المبادئ، فاسترعى انتباهَه أن البُعد بين اللغة اللاتينية المقدسة، ولهجتها المنحطة الإيطالية، أقل من البعد بين اللغة العربية المقدسة، ولهجتها المنحطة المصرية.
2- وأنه ظل إلى سنة 1940 يدعو إلى ذلك، ثم أفهمه بعض مَن يفهم أن المسألة حساسة؛ لأنها تتَّصل بالدين رأسًا؛ لأن الأمر قد ينتهي بعد قرن أو قرنين إلى ترجمة القرآن إلى اللغة المصرية، كما حدث للإنجيل من اللاتينية إلى اللغات الأوربية الحديثة.
3- ثم زعم أنه يفهم أن الاعتراف باللغة المصرية (أي: العامية) لا يتبعه بالضرورة موتُ اللغة العربية، إذا احتاط الناس لذلك، وأنه ليس عنده ما يمنع من قيام الأدبَيْنِ جنبًا إلى جنب، اللهم إلا إذا شككنا في جدارة اللغة العربية والأدب العربي وقدرتهما على الحياة (انتهت التجربة مختصرة).

وسأريك أن هذا – كما قلتُ – كذبٌ كلُّه، فهو لم يفكر في شيء، وإنما لُقِّن أشياء، كما يُلقَّن سائر الدعاة الصغار، الذين يرددون ما يلقى إليهم ترديد الببغاوات، هذه هي القضية، وهذا هو تاريخها، ولكنه تاريخ طويل جدًّا، ومتقادم جدًّا، ويؤسفني أن أكون مضطرًّا للإيجاز، فمنذ استيقظ العالم الأوربي لنهضته الحديثة، وهو يرى عجبًا من حوله، أممٌ مختلفة الأجناس والألوان والألسنة، من قلب روسيا، إلى الصين، إلى الهند، إلى جزائر الهند، إلى فارس، إلى تركيا، إلى بلاد العرب، إلى شمال إفريقية، إلى قلب القارة الإفريقية وسواحلها، إلى قلب أوربا نفسها، تتلو كتابًا واحدًا يجمعها، يقرؤه مَن لسانُه العربيةُ، ومن لسانه غير العربية، وتحفظه جمهرة كبيرة منهم عن ظهر قلب، عرَفتْ لغةَ العرب أم لم تعرفها، ومن لم يحفظ جميعَه حفظ

[الصفحة 128]

بعضه؛ ليقيم به صلاته، وتداخلتْ لغتُه في اللغات، وتحوَّلت خطوط الأمم إلى الخط الذي يكتب به هذا الكتاب، كالهند، وجزائر الهند، وفارس، وسائر من دان بالإسلام، فكان عجبًا ألاّ يكون في الأرض كتابٌ كانت له هذه القوة الخارقة في تحويل البشر إلى اتجاه واحد متَّسق، على اختلاف الأجناس والألوان والألسنة.

فمنذ ذلك العهد ظهر “الاستشراق”؛ لدراسة أحوال هذا العالم الفسيح، الذي سوف تتصدَّى له أوربا المسيحية بعد يقظتها، وعلى حين غفوة رانتْ على هذا العالم الإسلامي، فكان من أول همِّ “الاستشراق” أن يبحث لأوربا الناهضة عن سلاح غير أسلحة القتال؛ لتخوض المعركة مع هذا الكتاب الذي سيطر على الأمم المختلفة الأجناس والألوان والألسنة، وجعلها أمة واحدة، تعدُّ العربية لسانَها، وتعد تاريخ العرب تاريخَها، وبدأ الغزو المسلح، وسار الاستشراق تحت رايته، وزادت الخبرة بهذه الأمم، فمن كان منها له لسان غير اللسان العربي، أعدتْ له سياسة جديدة؛ لإغراقه في لسان الغازي الأوربي؛ حتى يسيطر عليه، ومن كان لسانه عربيًّا أعدتْ له سياسة أخرى؛ لإغراقه في تخلف مميت، لخصها (وليم جيفورد بلجراف) في كلمته المشهورة:
“متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا أن نرى العربيَّ يتدرج في سبيل الحضارة (يعني: الحضارة المسيحية)، التي لم يبعده عنها إلا محمدٌ وكتابه”، فكان بيِّنًا أنه لا يمكن أن يتوارى القرآن، حتى تتوارى لغته.

وتبيَّن لهم أنْ لا وسيلة إلى إقصاء القرآن في الأرض، إلا بالسيطرة على وسائل التعليم شيئًا فشيئًا؛ حتى لا تتمكن الأمَّة من السيطرة عليه، فتقيمه على طريق سويٍّ يفضي إلى نهضة صحيحة، وكان مِن قَدَرِ الله أن منارة العالم الإسلامي كله كانت في مصر، وهي الأزهر، فصار من الحتم المقطوع به أن تكون سياسة الغزو الأوربي موجَّهةً إلى مصر قبل كل مكان في هذا العالم الإسلامي، فمن أجل ذلك كانت حملة نابليون 1213 من الهجرة (1798م)، ولكنه لم يلبث بها إلا قليلاً ثم رحل، وبعد قليل أيضًا صار أمر مصر إلى محمد علي سنة 1220 من الهجرة (1805م)، فمن خلال حُكمه سيطرَتِ القناصل الأوربية على مرافق البلاد، ومنها

[الصفحة 129]

التعليم، فحال جهل محمد علي وحبُّه للعظمة بينه وبين إدراك مقاصد هؤلاء الغزاة المتربصين في توجيه التعليم إلى جهة غير صحيحة ولا نافعة، فلم يكن للغة البلاد نصيبٌ مما ظنَّه محمد علي ارتقاءً بالبلاد وبتعليمها، وكذلك حدثت أول فجوة بين التعليم، ولغة التعليم.

ثم أُرسلت البعثات إلى فرنسا سنة 1242هـ (1826م)، فكان ممَّن رافق هذه البعثاتِ العلمية شابٌّ في الخامسة والعشرين من عمره، كان ممن تلقى علومَه في الأزهر؛ ليكون لهم إمامًا، فبجدِّه واجتهاده تعلَّم الفرنسية، وقرأ بها ما شاء الله من الكتب، وكان الرجل – كما يظهر من كتبه – ذكيًّا سليم الطويَّة، وفيه غفلة يسيرة أو شديدة، جعلتْه أحيانًا يقف كالحائر فاغرًا فاه مِن عظمة ما رأى في بلاد الفرنسيس، فلما عاد إلى مصر ألَّف وترجم، فكان مما ألف كتابٌ سماه: “أنوار توفيق الجليل، في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل” (سنة 1285هـ – 1868م)، فعقد فصلاً ذكر فيه فضل العربية ووجوب إحيائها، ولكنه ضمَّنه دعوة إلى استعمال العامية، فقال: “نعم، إن اللغة المتداولة في بلدة من البلاد، المسماة باللغة الدارجة، التي يقع بها التفاهم في المعاملات السائرة – لا مانع أن يكون لها قواعد قريبة المأخذ تضبطها، وأصول على حسب الإمكان تربطها؛ ليتعارفها أهل الإقليم، حيث نفعها بالنسبة إليهم عميم، وتصنف فيها كتب المنافع العمومية، والمصالح البلدية”.

ولكني لا أكاد أشك أن هذا الرأي الذي وقع فيه رفاعة الطهطاوي لم يكن رأيًا استحدثه هو؛ بل جاءه أيامَ كان مقيمًا مع البعثة بفرنسا، غرَّه به داهيةٌ من دهاة القوم، عرف ما يكنُّ رفاعة لبلاده من حبِّ التقدم، فلم يزل به حتى أراه الباطل حقًّا، وإلا كيف غاب عن رفاعة أنه كان أولى به أن يدعوَ إلى تعميم التعليم في كل بلدة من البلاد، كما كان ذلك في البلاد الغربية التي أعجبتْه حضارتُها واستخرجتْ دهشتَه؟! فهل رأى هو في فرنسا أن أهل كل إقليم أو قرية يعلِّمون أبناءهم اللغةَ الدارجة، ويكتبون بها: “كتب المنافع العمومية والمصالح البلدية”؟! هذا عجب؛ بَيْدَ أن هذه الدعوة من رجل عربي مسلم لم تلقَ سميعًا ولا مجيبًا، وذهبت أدراج الرياح.

[الصفحة 130]

ولكن لم يمضِ غيرُ قليل حتى أنشئت المدارس الابتدائية، التي كانت قد ألغيت في عهد محمد علي، فصارت نحو ثلاثين مدرسة (فيما بين سنة 1863 – 1879)، فاحتاجت إلى عدد وافر من أساتذة اللغة والأدب، هذا فضلاً عن المدارس الثانوية على قلتها يومئذٍ، ولكنها مقبلة على الزيادة، فأنشئت مدرسة دار العلوم سنة 1872؛ أي: قبل وفاة رفاعة الطهطاوي بعام واحد، فتولى التدريس فيها رجلٌ من عظماء رجال الإحياء، هو الشيخ حسين المرصفي، فكان له أثر عظيم في إحياء اللغة وآدابها، وألَّف كتابه “الوسيلة الأدبية”، فكان له فضل عظيم جدًّا على كل مَن تخرج في دار العلوم، واقترن وجود المرصفي بظهور شاعر فذ، نقل اللغة يومئذٍ من حال إلى حال، فأسقط عن الهمم تلك الأغلالَ التي كانت تُمسكها إلى الأرض، وتُقعدها بالعجز عن توهم إدراك الأوائل في نصاعة العبارة وتجويد الشعر، وهو الإمام الأول محمود سامي البارودي، المولود سنة (1840)، وظهر اسمه وشعره في نحو هذا الوقت؛ أي: (1870)، وبدأت العربية من يومئذٍ تستعيد شبابها وقوَّتها، وانطلقت الألسنةُ من عقال العجز بفضل هذين الرجلين.

ولكن أنَّى للعين الساهرة أن تغفل عن عواقب ما ترى من حركة الإحياء؟! كان كثير من أهل الحلِّ والعقد منذ عهد محمد علي، ممن درس بغير اللسان العربي، وله أصل غير عربي، ونمو في بيئة غير عربية – يزدري العربية، أو لا يلقي لها بالاً، ولأنهم أصحاب سلطان؛ كان كثير من صغار الموظفين وأشباههم يحاكيهم ويتشبَّه بهم، ويتراطن كتراطنهم، فرأى أحد رجال الحرب الثقافية الخفية أن الوقت قد حان، وأن لا بد من الإسراع في بث الدعوة التي تعوق حركة الإحياء، أو تشتِّت بعض الجهود، وعسى ولعل أن يكون لها أثر، هذا مع ظهور بوادر الثورة على حكم أسرة محمد علي، وتجمُّع القوى تحت قيادة أحمد عرابي؛ لنفض هذا الكابوس المطبق على صدر مصر وأهلها، فإذا زال حكم هذه الأسرة وأتباعها، وأفضى الأمر إلى أهل البلاد، فربما اشتعلت حركة الإحياء في كل قرية وبلد ومدينة، وعندئذٍ يذهب أيضًا كل ما يُدبَّر أدراجَ الرياح.

كان يقبع بين جدران دار الكتب المصرية ماكرٌ خبيث، يقال له: “ولهلم سبيتا”،

[الصفحة 131]

نزل مصر، وعاش في الأحياء المصرية، ودرس اللغة العامية، ووجد أنها تختلف من بلد إلى بلد، ومن حي إلى حي، فلما رأى هو ومَن يهدف إلى تحطيم حركة الإحياء مِن أهل الاستعمار الأوربي أن الأمر يوشك أن يخرج إلى ما لا يحمدون عقباه، مِن سيادة اللغة العربية ونهضتها مرة أخرى، سارع إلى تأليف كتاب سماه: “قواعد اللغة العامية في مصر”، ولكنه لم يقتصر فيه على الدراسة؛ بل كشف في مقدمته عن الغرض الذي يرمي إليه، فقال:
“وأخيرًا سأجازف بالتصريح عن الأمل الذي راودني على الدوام طول مدة جمع هذا الكتاب، وهو أمل يتعلَّق بمصر نفسها (ما أشدَّ حبَّك لمصر!)، ويمس أمرًا هو بالنسبة لها وإلى شعبها يكاد يكون مسألة حياة أو موت (بلا شك يا ولهلم!)، فكل من عاش فترة طويلة في بلاد تتكلم العربية، يعرف إلى أي حد كبير تتأثر كل نواحي النشاط فيها؛ بسبب الاختلاف الواسع بين لغة الحديث، ولغة الكتابة”.

وبيِّنٌ جدًّا أن ولهلم هذا مخادع عظيم؛ لأن نشر التعليم الصحيح كافٍ في إزالة هذه الصعوبة بلا أدنى ريب، كما حدث في جميع لغات الدنيا، ولا يزال يحدث إلى اليوم.

ثم يقول: “ففي مثل تلك الظروف، لا يمكن مطلقًا التفكير في ثقافة شعبية؛ إذ كيف يمكن في فترة التعليم الابتدائي القصير أن يحصل المرء حتى على نصف معرفة، بلغة صعبة جدًّا كاللغة العربية الفصحى؟!”.

ولا شك أن “ولهلم” هذا أقدر الناس على معرفة صعوبة الفصحى؛ لأنه أدرى الناس بها! ثم يتجه إلى ناحية أخرى، فيقول:
“وطريقة الكتابة العقيمة – أي: بحروف الهجاء المعقدة – يقع عليها بالطبع أكبر قسط من اللوم في كل هذا، ومع ذلك فلم يكن الأمر سهلاً لو أتيح للطالب أن يكتب بلغة، إن لم تكن هي لغة الحديث الشائعة، فهي على كل حال ليست العربية الكلاسيكية القديمة، بدلاً من أن يجبر على الكتابة بلغة هي من الغرابة بالنسبة إلى

[الصفحة 132]

الجيل الحالي من المصريين، مثل غرابة اللاتينية بالنسبة إلى الإيطاليين، وبالتزام الكتابة العربية الكلاسيكية القديمة، لا يمكن أن ينمو أدب حقيقي ويتطور”(1).

وظاهر أن جميع التالفين قديمهم وحديثهم – كسلامة ولويس عوض – إنما يكرِّرون هذه المقالة بلا تغيير ولا تبديل[3]، وتشبيههم هو نفس التشبيه، ثم انظر ما يقول “ولهلم سبيتا” في شأن القرآن، وقارِن بينه وبين ما يقوله لويس عوض: “فلماذا لا يمكن تغيير هذه الحالة المؤسفة إلى ما هو أحسن؟! ببساطة؛ لأن هناك خوفًا من التعدِّي على حرمة الدِّين، إذا تركنا لغة القرآن كليَّة.

ولكن لغة القرآن لا يكتب بها الآن في أي قطر (انظر ماذا يقولون!)، فأينما وجدت لغة عربية مكتوبة، فهي اللغة العربية الوسطى؛ أي: لغة الدواوين، وحتى ما يدعى بالوحدة بين الشعوب الإسلامية (انظر ما تتضمنه هذه الكلمات!) لا يمكن أن يقلقها تبني لغة الحديث العامية؛ إذ إن لغة الصلاة والطقوس الدينية الأخرى ستظل كما هي في كل مكان”، وهذا مفتٍ آخر جاء يفتي المسلمين في دينهم، كما أفتى لويس عوض بجواز ترجمة القرآن إلى العامية!

ولم يلبث الأمر غير قليل، حتى قام المقتطف – وكان ممالئًا للإنجليز – فاقترح (سنة 1881) كتابة العلوم بلغة الحديث، بلا إشارة لما قاله سبيتا (سنة 1880)، واستدل على ضرورة ذلك بما استدل به “سبيتا”، وجاء أيضًا بالتشبيه نفسه؛ أي: “البعد بين اللاتينية والإيطالية”، وأدلته وحججه، فيها نفس الطابع المتسم بالغباوة الاستشراقية التبشيرية، التي تتظاهر بالجدِّ والعلم، وهي في الحقيقة تكشف عن طبيعة عدم الحياء من استغفال السامعين أو القارئين.

وعمل المقتطف سيِّئٌ جدًّا؛ لأنه استغفل الناس مرتين؛ مرة بالحجج السخيفة المختلسة، ومرة بالتظاهر بأن هذا الاقتراح آتٍ من قِبَل قوم عرب اللسان والمولد، هم أصحاب المقتطف، مع أن انكشاف أمرهم قريبٌ كان وميسورٌ، وهذا هو نفس الخداع الذي لجأ إليه لويس عوض، كما ترى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- وهذا أيضًا هو نفس ما ردده مدير إدارة القضاء بالأمم المتحدة “عبدالحميد عبدالغني” في مقالته التي أشرت إليها آنفًا ص: 127 تعليق: 1.

[الصفحة 133]

وبإلقاء المقتطف هذه القنبلة (سنة 1881) بدأت كلمات “سبيتا” تأخذ طريقَها إلى بعض الناس، وقام الشيخ خليل اليازجي – وهو لبناني نصراني – فدفع ما قاله أصحاب المقتطف دفعًا قويًّا شديدًا.

وهو كلام عاقل لا هوى له، ولكن أيَّد رأيَ المقتطف بعضُ الناس، بَيْدَ أن الأمر كله لم يخرج عن هذا النطاق الضيق، وشغل الناس بالنكبة الكبرى، بهزيمة عرابي، ودخول الإنجليز، واستيلائهم على التعليم كله، وجعلوه ملحقًا بوزارة الأشغال العمومية.

ولكن هل هدأ الأمر وانتهى؟ كلاَّ؛ فقد كان أيضًا في مصر “كارل فولرس الألماني” خادم الإنجليز، و”ويلككس” المهندس المبشر الإنجليزي، وبدأ كلٌّ منهما حركة منفصلة، ولكنها متصلة المعاني، فألَّف فولرس كتابًا في “اللهجة العامية الحديثة في مصر” (سنة 1890)، ثم تولى ترجمته في سنة (1895) إلى الإنجليزية “بوركيت”، وألحَّ على ما ألح عليه “سبيتا” من صفة العربية الفصحى بالجمود والصعوبة، وشبهها باللاتينية، وشبه العامية بالإيطالية.

أما “ويلككس”، فألقى محاضرة ونشرها في مجلة الأزهر، التي آلت إليه سنة (1893)، وزعم فيها: أن الذي عاق المصريين عن الاختراع هو كتابتُهم بالفصحى، ودعا إلى التأليف بالعامية، وقال للناس:
“وما أوقفني هذا الموقف إلا حبِّي لخدمة الإنسانية، ورغبتي في انتشار المعارف، وما أجده في نفسي من الميل إليكم، الدال على ميلكم إليَّ”.

وهذا كلام ثقيل الدم جدًّا كوعظ المبشرين – وهو منهم – وهذا الغبي أيضًا جاء بتشبيهات جديدة في مقالته، فشبَّه الفصحى باللاتينية، والعامية بالإنجليزية، وهذه براعة خارقة، وزعم أن اللغة الفصحى ماتتْ؛ لأنها صعبة وجامدة، ودعا إلى اتخاذ العامية لغةً أدبية اقتداءً بالإنجليز، ولا أستطيع أن أكتم اشمئزازي؛ لأني منذ كنتُ صغيرًا إلى هذا اليوم، لا أكاد أقرأ كلام هذا الرجل إلا لحقني الغثيانُ من ثقله الذي

[الصفحة 134]

لا مثيل له في شيء من الأشياء مهما استقذرتْها النفس، ومن أشد غثاثته وثقله في هذا الأمر: أنه نشر في مجلة (الأزهر) حيث نشر محاضرته إعلانًا يغري فيه باتِّخاذ العامية في الكتابة، هذا نصه:
“مَن قدَّم لنا هذه الخطبة باللُّغة الدارجة المصرية، وكانت موافقة جدًّا، يُكافَأ بإعطائه أربعة جنيهات إفرنكية، وإن كثر المتقدمون فيُعطى هذا المبلغ لمن يحوز الأولية”، وأنا أستحلف القارئ، ألم يشعر بالغثيان من هذا المبشر الصفيق الوجه؟!

وكانت هذه الدعوة إلى العامية مؤقَّتة أيضًا، فإن هذا الوقت قد صادف نهضة حسنة في طبع كتب التراث العربي في مصر وفي غير مصر، وأقبل كثيرٌ من المتعلمين عليها، وصادف أيضًا استيلاء “دنلوب” على التعليم في مصر، ووضعه النظامَ الذي أراد به أن يغلِّب اللغة الإنجليزية في التعليم، ويضعف تدريسَ العربية ما استطاع، ويجعلها مبغضة إلى الطلبة، محتقرة بقدر الإمكان، (ومع الأسف هذا هو النظام السائد إلى اليوم في مدارسنا، مع أنه هو نظام دنلوب، ولا نظام لدنلوب سواه(1))، ففرض “دنلوب” تعليم العلوم كلِّها بالإنجليزية، واختصر دراسة العربية وما يتصل بها اختصارًا سوف يؤدِّي بعد قليل إلى وجوب استمرار ضعف تعليم العربية جيلاً بعد جيل، وصادف مرة أخرى بدء ظهور الشعور الوطني في الشبان الذين صدَمَهم الاحتلال الإنجليزي، والذين يمثلهم مصطفى كامل، وبدأت حركات إصلاح مضادة لما يفعله الإنجليز، فآثر هذا المبشر أن يلقي بدعوته؛ ليكون ذلك أوقع لها، وأشد إثارة لبلبلة ضعاف النفوس، وطالبي التقرُّب، وذوي الميل الطبيعي إلى “ويلككس” وأشباهه.

وكانت الحركة الأدبية في ذلك الوقت آخذةً في النمو، برغم جميع العوائق التي تعترض سبيلَها، وكانت المدارس التي يملك “دنلوب” زمامها، ترغم أسلوبَه على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- انظر ما سيأتي في خلال المقالة الحادية عشر، ثم مقالة “ضفادع في ظلماء ليل”، وما معنى “نظام دنلوب” وما هدفه؟

[الصفحة 135]

التقهقر أحيانًا، وزاد عددُ العائدين إلى الفصحى من الكُتاب والشعراء والخطباء والمدرِّسين، وذلك ضرب من مقاومة العدو الباغي الذي يفرض سلطانه على البلاد، والظاهر أن الجهات التي تسيطر على سياسة المنطقة أرادت أن تبعث وجهًا جديدًا ليتولى الدعوة إلى العامية، وتحقير الفصحى، فأخرجتْ من أحد قضاة المحاكم رجلاً يقال له “سلدن ولمور”، فألَّف هو الآخر كتابًا سماه: “العربية المحلية في مصر” (سنة 1901)، دعا فيه إلى اتِّخاذ العامية لغةً أدبية، ويهدِّدنا أننا إذا لم نفعل ذلك: “فإن لغة الحديث ولغة الأدب ستنقرضان، وستحل محلَّهما لغةٌ أجنبية؛ نتيجة لزيادة الاتصال بالأمم الأوربية”(1)، وهذا الإنجليزي – كما ترى – محب لمصر، مشفق على ضياع العامية والفصحى جميعًا، وقال: “ومن الحكمة أن ندع جانبًا كلَّ حكم خاطئ وُجِّه إلى العامية، وأن نقبلها على أنها اللغة الوحيدة للبلاد، على الأقل في الأغراض المدنية، التي ليست لها صبغة دينية”، ولا سيما بعدما ظن “ولمور” أنه قد أثبت أن العامية تختلف عن الفصحى تمام الاختلاف، وأنها أكبر شبهًا بفروع اللغات السامية، منها بلغة القرآن ولغة الأدب العربي القديم، ثم ختم كلامه بأن: “خير الوسائل لتدعيم اللغة القومية (أي: العامية) هي أن تتخذ الصحفُ الخطوة الأولى في هذا السبيل، ولكنها ستكون في حاجة إلى عون قوي من أصحاب النفوذ، فإذا نجحت هذه الحركة، فإن وقتًا قصيرًا في التعليم الإجباري، وليكن سنتين، سيكون كافيًا لنشر القراءة والكتابة في البلاد”.

وبالطبع هذا سُخْف لستُ بصدد مناقشته، ولكن هذا المخادع اتَّخذ حيلةً لطيفة لإقناع حكومة مصطفى فهمي الممالِئة لقومه الإنجليز، فإنه فرغ من مقدِّمة كتابه التي حشاها هذا الخلط، ثم زعم أنه علم بظهور مقالة لعالم أمريكي في فقه اللغة “يهتم اهتمامًا كبيرًا بخير الشعب المصري”! وأنه وافقه هو وسبيتا وويلككس على وجوب اتخاذ العامية لغةً أدبية، وكتابتها بحروف لاتينية! وأن

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- وهذه هي نفس دعوة مفكر آخر، دعا إليها بعد زمان طويل، وهو المفكر، وهو القاضي أيضًا، عبدالعزيز فهمي، أحد الكبار الذين ينبغي أن تدرس حياتهم ونفوسهم ونشأتهم دراسةً صحيحة؛ فلكل شيء خبايا خفية مستورة!

[الصفحة 136]

هذا العالم الأمريكي (يا للكذب!) يناشد الحكومةَ المصرية لتعترف بالعامية وتقرّها، ويناشد الإنجليز لتدعيم هذه العامية؛ ليساعدوا على تقدُّم الشعب الروحي (ما هذا؟!) كما ساعدوا من قبل على تقدمه في الحياة المادية، ويعني بذلك عهد كرومر، كما هو معروف، وهذا العالم الأمريكي الذي ادَّعى ولمور أنه نقل عنه ليس سوى مبشِّر مثله؛ ولذلك أخفى اسمَه ولم يَذكُره، ومما يدل على شخصية ولمور هذا، أنه جعل يشكر رؤساء المصالح الحكومية؛ لاكتتابهم في عدد من نسخ الكتاب، مما مكَّنه من طبعه، هذا ليس قاضيًا؛ إنما هو شحَّاذ، وإلا فكيف عجز عن طبع كتابه في بلاده؟!

فلما ظهر كتاب ولمور سنة (1901)، استجاب المقتطف مرة أخرى لدعوة العامية، فهبَّ يقرظ الكتاب، كأنه جاء تأييدًا لرأيه هو واقتراحه، لا لرأي سبيتا واقتراحه، ولكن محصل كل ذلك لا يخفى؛ لأن الذي كان يبيِّته هؤلاء كان يجري على ألسنتهم وأقلامهم، فيقول المقتطف في تقريظه: “وكثيرًا ما قلنا للأوربيين والأمريكيين الذين ذاكرونا في هذا الموضوع: إنه لو اهتم محمد علي باشا – جد العائلة الخديوية – بكتابة اللغة المحلية في مصر والشام، وجعل الكتابة بها وحدها، لما وجد في ذلك كبير مشقة”، ثم في آخر الكلام تحريض شديد: “إلا إذا تسلَّطتْ على البلاد قوةٌ قاهرة، عضدت الساعِينَ في ضبط اللغة المحلية وكتابتها”، وينبغي لكل عاقل أن يقف قليلاً عند ذكر محرر المقتطف: “وكثيرًا ما قلنا للأوربيين والأمريكيين”، قبل أن يتظاهر المقتطف في سنة 1881 أن له اقتراحًا في شأن العامية والفصحى، ويقول فيها نفس ما قاله سبيتا قبله سنة 1880 مغفلاً ذِكره، وكأنه لم يكتب شيئًا، وكأن سبيتا بعيد الدار لا يستطيع محرر المقتطف أن يلقاه بدار الكتب.

أرجو أن يحدِّثني من يريد عن هذه الدعوة التي تُحاط بكلِّ هذا المكر والرياء والخداع والغش، ما هي؟ أهي صادرة من قلوب خالصة، طالبة للحق، مطالِبة به؟! ثم ما اهتمام الأوربيين والأمريكيين، وليس لسانهم بلساننا، في شأن اتخاذ العامية

[الصفحة 137]

للكتابة الأدبية، أو ترك الكتابة بها إلى الفصحى؟! ثم لماذا يقول هذا للأوربيين والأمريكيين، وكان هو قادرًا تحت سلطانهم يومئذٍ أن يفعل ذلك في مجلته؟! إنها أمور غير مفهومة؛ بل مفهومة، تجعل كل عاقل يرتاب في كل داعية للعامية من هذه الناحية الخبيثة وحدها، فما ظنك بالنواحي الأُخر؟!

وكانت مقالة المقتطف يومئذٍ أعظم أثرًا من رأيها الأول أو اقتراحها؛ لأنها جاءت مؤقتة مع الحركة الوطنية(1)، ومع البعث الثقافي، فنشطت الألسنة، وكثر اللجاج في شأن العامية والفصحى، وكان له عوامل خارجة عما نحن فيه الآن، تزيده لجاجًا، ولكن الشيء الغريب – وهو ليس بغريب في الحقيقة – هو أن مجلة الهلال التي تميل بهواها إلى ناحية الفرنسيس، لم تشهد الجولة الأولى، لا مؤيِّدة ولا منكرة؛ لأنها لم تكن أُنشئتْ بعد، ولكنها شهدت هذه الجولة، فانحازتْ إلى معارضة رأي الدعاة إلى العامية، ولكن ظني أن هذا موقف وحسب، لا يتضمن أي دلالة على الرأي؛ لأسباب كثيرة لا محل لذِكرها هنا، وحسبك أن تعلم أنها أفسحتْ صدرها لكثير من دعاة العامية، بأحقادهم وضغائنهم، في تلك السنة، وظلَّتْ تفعل ذلك حتى استكتبت “سلامة موسى” فيما بعد، فكتب لها شرًّا مما كتبوا جميعًا.

فبعد سنة (1901) ظل الأمر مضطربًا، ولكن ظهر بوضوح للدعاة أن أمرهم قد استوى على وجه يرضَونه، وينبغي أن يغيروا الموقف، ويبدلوا الأماكن، ويخلعوا الملابس، ويتولوا تطرية وجوه الممثلين الجدد بالمساحيق الصالحة، ومع ذلك فأنا لم أكشف اللثام عمَّن وراء هؤلاء الدعاة؛ لأن التلويح فيما قلت يدل عليهم، وعسى أن يأتي ما يدعو إلى بيان أوضح، وهو آتٍ على كل حال.

والشيء الذي لا أظن الدارس يخطئه: هو ارتباط هذه الدعوة فترة بعد فترة بأحداث سياسية واجتماعية ظاهرة أو خفية، تأتي قبل شيء يكون نكبة وقارعة، كما كان “سبيتا” قبل هزيمة عرابي والانتقام منه، أو تأتي بعد النكبة بشكل آخر، كما جاء “ولمور” هذا الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ينبغي أن نتنبه دائمًا إلى أن “الدعوة للعامية” و”الطعن في العربية”، مقترن دائمًا بظهور حركة للنهضة أو للإصلاح، يخشى أن تؤتي ثمرة طيبة، كما سيمر بك كثيرًا.

[الصفحة 138]

ختمْنا به هذا الفصل من البيان عن دعوة العامية، وسأدع الآن هؤلاء الأجانب والعملاء الذين حملوا كِبر الدعوة إلى اللغة العامية، ومن لفَّ لفهم من محرر المقتطف، إلى الأسماء المتخفية بلا شخوص، إلى الأسماء التي ظهرت مرة واختفت فلا يُعرف عنها شيء، وهذا موضع وقوف لا بد منه؛ لأن الأمر سوف يختلف اختلافًا شديدًا فيما بعد.

وقد تبيَّن خلال هذا العرض السريع أن التجربة التي مر بها لويس عوض في مسألة الدعوة إلى العامية، تجربةٌ هو مسبوق إليها، وغير معقول ألاّ يكون عرَف عنها شيئًا، ولا أحب أن أقول: لماذا هو غير معقول؟ لا استنباطًا، ولكن بنصوص كلام أيضًا، وتبين أيضًا أن الأفكار الثلاثة التي دارت في تجربته كلها منقولة نقل مسطرة مِن كُتب، كان يتوهم هو أنها غير موجودة إلا في بعض الخزائن العميقة المظلمة، التي لا تصل إليها الأيدي بسهولة ووضوح، وما دام مسبوقًا إليها حرفًا حرفًا، وخطوة خطوة، وتشبيهًا تشبيهًا، فهو بلا شك مدَّعٍ كاذب في تجربته؛ بل هو يعيش في أحلام وسمادير لا حقيقة لها، فربما قرأ الخبر عن غازٍ من الغزاة، فتراه في اليوم الثاني يمشي في الأرض كأنه لساعته نزل من صَهْوة حصانه، شاهرًا سيفه، يريد أن يطعن، ولكن يحبسه الخوف والذعر، وهذه صورة تلقاها كثيرًا فيما كتب عن “الخلفية التاريخية لرسالة الغفران” – كما سماها، والعياذ بالله! – وسأتابع عرض هذه الدعوة والكشف عن خفاياها وروابطها؛ لكي أضع هذا الداعيةَ الجديد في الموضع الصحيح، الذي سوف يتبين أنه خطر أي خطر، برغم ما تلبس به من أردية الجامعات، وما علق على اسمه من الألقاب، وما أسند إليه من استشارة، وهذا أغرب شيء؛ لأنه كان يقال في المثل: “المستشار مؤتمن”، فجاء هذا فنقض علينا أمثالَنا، كما نقض علينا ألفاظَ لغتنا، ومع ذلك فالعرض مستمر.

• “دنلوب” نشرت صحيفة الأهرام في عددها يوم 17 مارس 1897 ما نصه:
“قضي الأمر، وصدر الأمر العالي بتعيين المستر دنلوب سكرتيرًا عامًّا لنظارة المعارف، وقد شرع المستر دنلوب بعد الاتفاق مع جناب اللورد كرومر، في هدم الدراسة الثانوية التي هي أعظم أركان المعارف”.