هذِهِ هيَ القَضِيَّةُ

هذِهِ هيَ القَضِيَّةُ

كنت أتوقَّع أن تبادر صحيفة الأهرام إلى البراءة مما نُشر في صفحاتها الأدبية، تسعة أسابيع متواليات، بتوقيع لويس عوض، وهو الشيء الذي سماه “بحثًا” يتناول “رسالة الغفران” لشيخ المعرة، وأُحبُّ أن أجعل الأمر واضحًا من جميع نواحيه.

وقبل كل شيء، فمنزلة صحيفة الأهرام في حياة الأمة العربية، ثم الأمة الإسلامية، وهم جميعًا ثمانمائة مليون، منزلةٌ عظيمة جدًّا، وعظيمة الأثر في حياتنا منذ الطفولة، إلى أن نصير رجالاً قادرين على النظر والإدراك وسياسة الأمم، وهذا الأثر يزداد اليوم اتِّساعًا، وسيزداد على مر السنين، يوم تنهار الحواجز التي فُرضتْ علينا في القرون الأخيرة، ففصلت بين شعوب العرب وشعوب الإسلام، وحصرتْ لغةَ العرب في دائرة ضيقة، في داخل الشعوب العربية بالجهل وضعف التعليم، وفي داخل الشعوب الإسلامية بالجهل وضعف التعليم أيضًا، وبالنكبة الكبرى في محاربة لسان العرب، وإحلاله في المحل الثاني أو الثالث أو الرابع، وكان هو اللسانَ الأول فيها، مع احتفاظ كل أمة من هذه الأمم بلغتها الأم في بعض الأحيان.

ولا شك أن ذلك كائن – إن شاء الله – كما كان، وعلى العرب اليوم أن يحملوا العبء كله لإعادة ما كان كما كان، وإلا لم يكن هناك معنى لدعوتنا إلى توحيد العرب أمة واحدة، وليس لها لغة تسود أرضَها، وتسود الأرض التي تشاركها منذ قرون طوال في العقيدة، وكانت أيضًا تشاركها اللسان، وتعده لسانَها الأول بلا ضغينة، ولا تململ، وبلا إنكار، لا؛ بل تعد تاريخ العرب تاريخَها قبل كل تاريخ لها ماضٍ أو حاضر، وتنافح عنه كل المنافحة إلى هذا اليوم الذي نحن فيه، مع ما لحق هذه الشعوبَ من فساد التكوين السياسي، بفعل العدو الماكر المستولي على ثروات الأمم وعقولها وأهوائها، بخداعه وغشه وسيطرته الباغية، ثم بإحلال لسانه محل اللسان العربي، وجعله هو اللسان الأول فيها، بوسائل خبيثة جدًّا، ليس هذا مكان بيانها.

[الصفحة 107]

وصحيفة الأهرام، وغير صحيفة الأهرام، تحمل هذا العبء؛ لأنها هي الناطقة بلسان العرب اليوم، والداعية إلى توحيد أمة العرب أمة واحدة، وهذه تبعة يحتاج حاملُها إلى ترك التساهل في الصغائر، فما ظنك بالكبائر؟! وإلى الدقة والحذر في كل حرف يُنشر في الصحيفة؛ لأن أثره بليغ نافذ في نفوس الآلاف المؤلَّفة في هذه الرقعة من الأرض المتراحبة الأرجاء، وهم بين صغيرٍ يتلقَّف ما يُلقى إليه بتسليم المتعلم لأستاذه، وكبيرٍ ينظر فيحسن النظر أحيانًا، ويسيء النظر أحيانًا أخرى، فيرضى وينكر، فيكون لرضاه أثر حسن ينقله إلى من يتلقى عنه، ولسخطه أثر سيئ يوحي به إلى من يأخذ عنه.

والآثار المترتبة على الرضا والسخط لا تقف عند حد؛ لأنها تنتهي دائمًا إلى تكوين رأي يتناول أدنى العلائق الإنسانية في حياتنا اليومية، إلى أعلى الروابط في حياتنا السياسية، وهذا شيء مخوف العواقب مفزِع؛ لأنا لا ندري أين يقع الرضا وأين يقع السخط، في رقعة ممتدة من شمال بعيد إلى جنوب قصي، ومن شرق نازح إلى غرب متباعد.

ولا ندري أيضًا من الذي يحمل قلبه الرضا، وما منزلته في الناس وأثره فيهم، ومن الذي يطوي جوانحه على سخطٍ، وما مكانه في الناس وتأثيره فيهم؟ ولا ندري أيضًا متى يكون الرضا سببًا من أسباب توثيق علائق هذه الملايين بعضها ببعض؟ ومتى يكون السخط عاملاً في فصم هذه العرى، وتمزيق علائقها شيئًا بعد شيء؟ فكل ما يؤدي إلى هذه البلبلة المخوفة على هذا المستوى، ينبغي أن يتوقاه كلُّ حامل تبعة، وكلنا اليوم حامل تبعة، في وقت تحتاج فيه هذه الأمة إلى إعادة تكوين وحدة شاملة كانت، ثم مزقتها سياسة عدو شديد العداوة بالمكر والبطش في القرنين الأخيرين.

هذه هي التبعة حيال كبيرٍ يحسن النظر أو يسيء، أما الصغير الناشئ، فالأمر فيه أخطر، وهو عليه أشد وبالاً؛ لأنه يتعلق بتكوين نفسه وعقله وإرادته، وبالمرجو فيه إذا كبر واشتد، وصار أهلاً للنظر، وقادرًا على التأثير، والصحيفةُ والمعلم، كلاهما عوض عن ثدي أمه، فإنه يرتضع منهما مادة بنائه العقلي والنفسي، فإذا تلقى سوء النظر، وفساد التفكير، وخطل الرأي، فإنما يتلقى سمومًا لا يكاد يبرأ من عقابيلها ما عاش، فإذا فوجئ في خلال ذلك التكوين – وهذا شيء لا مفر منه – بما يصادم ما تلقاه، اندلعت في كيانه بلبلة أشد من زلازل الأرض، فلا يكاد ينجو من آثار

[الصفحة 108]

التدمير الفظيع الذي يورثه إياه الزلزال الأكبر، هذا؛ مع فقدان القدرة على بناء ما تهدَّم في نفسه، ثم ينطلق على ذلك، فيكبر ويصلب عوده، ولكنه يبقى بناء متهدمًا في داخله، لا يستقيم له رأي، ولا نظر، ولا إدراك، فإذا تولى أمرًا فإنما يتولاه ليتلفه ويدمره من حيث يدري ولا يدرى، وتدور الدائرة!

وتسألني: أكل هذا تقوله من جراء تسع مقالات كتبها كاتب عن “رسالة الغفران” وشيخ المعرة؟! فأقول: نعم، بلا لجلجة ولا ارتياب، وأحب أن أجعل الأمر واضحًا مرة أخرى، وإن كان يؤسفني أن يكون الأمر الواقع قد ألجأني إلى بيان هذه المبادئ، التي تعد من أوائل ما ينبغي أن يعرفه عامةُ الناس، فضلاً عن خاصتهم.

فالأهرام وغير الأهرام، إذا ألحق بابًا للأدب، أو الفن، أو الطب، أو ما شئت، فإن بديهة العقل تقضي بأن يكون مرادها من ذلك أن تيسِّر لأكبر جمهرة من الناس المشاركةَ في بعض ذلك، فيقرؤها الدارس ليجد فيما يقرأ رأيًا حسنًا، أو متاعًا صالحًا، أو دراسة ربما نفعته، أو ذكَّرته، أو زادته قدرة على تبيُّن وجوه اختلاف الرأي كيف تكون، ومن أين تنشأ؟ ثم يقرؤها سائر الناس ليزدادوا معرفة وفهمًا وحسن إدراك، ولتزداد نفوسهم وقلوبهم وعقولهم صقلاً وقدرة على التذوق؛ لأن كل حضارة بالغة تفقد دقة التذوق، تفقد معها أسباب بقائها، والتذوق ليس قوامًا للآداب والفنون وحدها؛ بل هو أيضًا قوام لكل علم وصناعة، على اختلاف بابات ذلك كله، وتباين أنواعه وضروبه.

وكل حضارة نامية تريد أن تفرض وجودها، وتبلغ تمام تكوينها، إذا لم تستقل بتذوق حساس حاد نافذ، تختص به وتنفرد، لم يكن لإرادتها في فرض وجودها معنى يعقل؛ بل تكاد هذه الإرادة أن تكون ضربًا من التوهم والأحلام لا خير فيه، فحسن التذوق يعني سلامة العقل والنفس والقلب من الآفات، فهو لب الحضارة وقوامها؛ لأنه أيضًا قوام الإنسان العاقل المدرك الذي تقوم به الحضارة، وهذا شيء لا يكاد يختلف عليه اثنان – فيما أظن – فإذا اختلَّ هذا الميزان في باب من أبواب الصحيفة، بطَلت الحُجة التي من أجلها أنشئ، وكان إلغاؤه خيرًا من بقائه وأنفع.

ولكي أزيد الأمر وضوحًا وبيانًا، وهذا أمر مؤسف أيضًا، أفترضُ أن الصحيفة

[الصفحة 109]

الملحقة بالأهرام؛ مثلاً صحيفة في طب الأبدان، فمنزلة الأهرام وثقة الناس بها توجب أن تسند أمرها إلى طبيب، تتوهم أنه قادر على تحرير هذا الباب، وهذا واضح بلا ريب، وهذا الطبيب يكتسب من منزلة الأهرام وثقة الناس بها منزلةً عند الناس وثقة؛ فهم يتلقون ما ينشر عندئذٍ بالتسليم، فإذا جاء هذا الرجل فخلَّط في الطب تخليطًا ينكره أصحابُ العلم به، وجاء الناسَ بمعلومات غير مستقيمة ولا صحيحة، تضر بهم في حياطة البدن وعلاجه، فقد أعانت الأهرام عندئذٍ على تدمير سلامة أبدان الناس، فإذا جاء من يبين بوجهٍ ما فسادَ ما يأتي به هذا الرجل، وسوء مَغَبَّته على سلامة جماهير الناس، فواجب الصحيفة عندئذٍ أن تكف عن إيذاء الناس بما تنشره، وأن تبرأ مما نشر فيها، وأن تعلن للناس أن الذي قرؤوه لا يُعتمد عليه ولا يوثق به، بلا غضاضة وبلا تحرج، فإذا فعلتْ علتْ منزلتُها، وزادت ثقة الناس بها، وإذا لم تفعل، فقد أهدرَتِ الثقة بما تنشر، وأهدرتْ منزلتها في الصحف، وأهدرتْ أيضًا حق القُراء الذين وثقوا بها وبما فيها، ولم تجعل لعقولهم وأبدانهم عندها حرمةً، أليس ذلك كذلك؟! هذه أمور كان من غير اللائق عندي أن أسوقها هذا السياق، لولا الاضطرار.

وأدع ضرب الأمثلة؛ لأنه عندي غير لائق هنا، لولا الضرورة، وأنصرف إلى قضية لويس عوض وما كتبه عن “رسالة الغفران” وشيخ المعرة، تاركًا ذكر مقالاته الثلاث الأُوَل من المقالات التسع، فإنما هي لجاجة مضنية من حيث هي دراسة أدبية، يعرف ذلك من يعرفه، ويجهله من يجهله، ولقد بيَّنت في سياق المقالات الخمس السالفة في مجلة الرسالة: أن هذا الرجل أراد أن يوهم الناس بأنه أستاذ جامعي يدرس أثرًا أدبيًّا؛ فباللقب الذي يحمله، ولا أدري كيف جاءه، وبالثقة التي منحتها إياه صحيفة الأهرام، وبالثقة التي يحملها القارئ لهذه الصحيفة، استطاع أن يدخل هذه الدراسة وعليه طَيْلَسان أستاذ جامعي، وإن كان هذا الطيلسان عندي في الحقيقة كلباس الفرزدق حين جاء للقاء جرير في الديباج والخز، وجاءه جرير في لباس المحارب، متقلدًا سيفه وفي كفه الرمح، فوصف ذلك جرير فقال:

[الصفحة 110]

لَبِسْتُ سِلاَحِي وَالفَرَزْدَقُ لُعْبَةٌ    عَلَيْهِ وِشَاحا كُرَّجٍ وَجَلاَجِلهْ

(“والكُرَّج” بضم الكاف وفتح الراء المشددة: دُمْية يلهو بها الصبيان، تُزيَّن بالوشي، وتعلَّق عليها الجلاجل والأجراس)، ومع ذلك فقد رضيت كارهًا أن أعامله معاملة أستاذ جامعي، لا لشيء إلا لأثبت أنه غير مستحق لهذه الصفة بوجه من الوجوه، فلم أتعلق في بحثي بصغير أو كبير ليس له مدخل في منهج الدراسة الأدبية، معرضًا عن أمور كثيرة حبست القلم عن إثارتها في هذا الموضع.

فمن أجل ذلك سلكت طريق البيان، فبيَّنت للناس ولصحيفة الأهرام: أن هذا الرجل الذي طلع علينا في طيلسان وجلاجل قد ادَّعى منهجًا كمناهج الأساتذة الجامعيين، سلكه في دراسة “رسالة الغفران” وتاريخ شيخ المعرة، فحاكمتُه إلى أوائل ما يعرف الطلاب الصغار عن المنهج، فاتَّضح أنه يجهل منهج الدراسات الأدبية جهلاً تامًّا، وكان هذا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.

ولكني لم أقنع بذلك؛ حتى أبرئ ذمتي، فكشفت عن أكبر خطيئة لا تغتفر لطالب صغير مبتدئ، وهي العجلة في قراءة النصوص، فأثبتُّ أنه نقل نصًّا من كتاب واحد، هو كتاب الدكتور طه حسين، ولم يقرأه قط في غير هذا الكتاب، ومع ذلك فهو إنما قرأ أسطرًا كالملهوف، وترك ما بعدها من الأسطر، وهي التي فيها نقد الدكتور طه لهذا النص نفسه، وكان من الغثاثة والادِّعاء أنه استخرج من هذا النص الفاسد المستحيل المعنى أحكامًا ألقاها للناس كأنها حقيقة مفروغ منها، وهذا غش فاضح وعبث، وكان هذا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.

ولكني لم أقنع بذلك، فأبرأت ذمتي أيضًا ببرهان قاطع على أن هذا الرجل قد ادَّعى في كلامه أنه قرأ كتبًا بأعيانها، وهو في الحقيقة خطاف جريء، يتَّكئ على كتاب الدكتور طه وحده، بلا بصر ولا فهم، فمن أجل ذلك أخذته بادِّعائه ومَخْرَقته؛ حتى أكشف للناس أنه لم يقرأ شيئًا قط مما ذكر من الكتب، ولا رآها، ولا عرف ما هي، ولا مَن أصحابُها، وصدَّقتُه في ادعائه الكاذب؛ ليكون ذلك أشنعَ له؛ لأنه يكون عندئذٍ قد قرأ نصًّا لم يعرف معناه، ولم يعرف كيف يدرسه دراسةَ طالب جامعي مبتدئ ضعيف، وكان هذا أيضًا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.

[الصفحة 111]

ولكني لم أقنع بذلك؛ فأبرأت ذمتي مرة ثالثة، بالدلالة الحاسمة على أن هذا الذي كتب ما كتب عن شيخ المعرة، لم يقرأ شيئًا قط من آثار شيخ المعرة، وبخاصة شعر “سقط الزند”، وهو الشعر الذي يتعلق بالخبر الذي ادَّعى متنفخًا أنه قرأه ووقف على نصه في غير كتاب الدكتور طه، وإذا سلمنا أنه قرأه، فهو لم يفهم إذًا منه حرفًا واحدًا على وجه يليق بمبتدئ جامعي، وكان هذا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.

ولكني لم أقنع بذلك؛ حتى أبرأت ذمتي مرة رابعة، وذلك حيث زعم بمخرقته أنه جاء يعرِّف الناس بحقيقة شيخ المعرة وحقيقة تاريخه، فذكر أكاذيبَ وأوهامًا لا أصل لها إلا في خيالاته وسماديره، فكشفت بلا ريبة عن أن هذا الدعيَّ لم يقرأ قط كتابًا واحدًا في ترجمة شيخ المعرة، ومع ذلك فهو يأتي بلا خجل ولا حياء، فيذكر كذبًا صراحًا مناقضًا للمعقول من حياة الشيخ، ومن حياة أسرته، ومن حياة أمته التي عاش فيها، وكان هذا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.

ولكني لم أقنع؛ حتى أبرأت ذمتي مرة خامسة، بدلائل قاطعة على أن هذا الرجل الذي يدارس نصًّا عربيًّا من أعظم النصوص، لا يملك أي إحساس أدبي، بأي نص يقرؤه، ولو ظل يكتب في الأدب عشرات المجلدات، وكان هذا حسبي وحسب صحيفة الأهرام.

ولكني لم أقنع بذلك؛ حتى أبرأت ذمتي مرة سادسة، فبيَّنت جهل هذا الرجل وادعاءه ببرهان فاصل من نص كلامه هو في صفة نفسه؛ إذ قال: “إن إحساس لويس عوض باللغة ضعيف جدًّا، وأجنبي جدًّا”، ومع ذلك فهو يعمد إلى النصوص الأدبية في لغة العرب، فيدرسها بمخرقة شنيعة، وبلا حياء، ولا يقنع بهذا؛ بل ينتهي به ما أطبق عليه من الهوس والجرأة، فيعمد إلى آية من القرآن العظيم، فيفسرها بغباوة وجهل راسخ، ثم لا يستحي فيدَّعي نسبة ذلك إلى كتب المفسرين المسلمين، موهمًا أنه قد قرأها وأثبتها معرفة، بلا ظلٍّ من حياء يردع، أو عقلٍ يكف، ولا يقنع بهذا، فيأتي بكلام لا يُفهم، ويزعم أن الرجل الذي يدرسه قد جاء في شعره بألفاظ هذه الآية، بالمعنى الذي فسره هو!!

[الصفحة 112]

ولتعلم صحيفة الأهرام أن هذا البلاء كله استخرجتُه من أقل من عمود واحد، من اثنين وسبعين عمودًا نشرها في تسعة أعداد من صحيفتها الأدبية، وأني التزمت فيه غاية الحذر؛ حتى لا أخرج عن حد الدراسة الأدبية، أفليس هذا كافيًا في أن يحمل صحيفة الأهرام على البراءة من هذا العبث بالأدب، ومن هذه المخرقة باسم الدراسة الأدبية، ومن هذه (اللغوصة) في اللغة والبيان، وهما أشرف ما أوتي الإنسان؟! وإذا لم تفعل ذلك احترامًا لمنزلتها عند الناس، ألم يكن حقًّا عليها أن تفعله من أجل قرائها، الذين خدعهم هذا الرجلُ باللقب الذي يحمله، وبمعونة صحيفة الأهرام حين اختارتْه مستشارًا ثقافيًّا لمؤسساتها، ورفعته من مغمور مجهول، لا يبالي به أحد، إلى شهرة تسري حيث سارتْ صحيفة الأهرام؟! أليس من حق القراء عليها أن تحميَهم من هذا التضليل المؤذي؟!

وليت أمر الرجل قد اقتصر على هذا الفساد في الدراسة الأدبية المجردة؛ بل أبنت أيضًا في خلال كلامي أن الرجل مضطرب الذهن جدًّا، إما خِلقةً، وإما داء حادثًا، وإما هما معًا، يدل على ذلك صريح كلامه الذي اختلط وتداخل وترنح، بلا رباط من منطق سويٍّ، فهل كان من حق صحيفة الأهرام على الناس أن تنشر عليهم هذا السيل الضار من الوباء، بلا رحمة بالصغير الناشئ الذي يخدعه اللقب، وتسرع في إصابته بالعدوى ثقتُه باسم صحيفة الأهرام ومنزلتها في كل بيت، حيث تدخل عليه مع الإفطار، كأنها جزء من غذاء الناس؟! أكُلُّ من حمل قلمًا بقرش صاغ، وأوتي لسانًا طويلاً بلا عقل، قادر أن يجعل صحيفة الأدب موضعًا لإذاعة آرائه بلا حسيب ولا رقيب، ويصبح بذلك كاتبًا مرموقًا، ما دام موظفًا بشكل ما، في صحيفة الأهرام؟!

وإذا كانت سلامة عقول الناس لا قيمة لها، أفتاريخ الأمة، وتاريخ رجالها لا قيمة له أيضًا، حتى يتمكن هذا الرجل من الدخول إلى تاريخ الأمة العربية المسلمة في القرن الرابع الهجري، فيلعب فيه لعب الأطفال العابثين غير المسؤولين؛ لكي يجعل للصليبية الغلبة على ديار أهل الإسلام، ويجعل لعقائدها السيادة على

[الصفحة 113]

عقائد أمة كاملة، ويستعمل في خلال ذلك ألفاظًا تنم عن الغطرسة وسُوء الخُلق، ويَحكُم علينا منذ القرن الرابع بأننا نعيش تحت بطش بيزنطة العسكري، وتحت الخوف منها والرعب، ويأتي في خلال ذلك بأكاذيبَ مستشنعة، لا مصدر لها إلا الحقدُ الكامن على حضارة العرب، مما سأتولى بيانه فيما بعد، وإن كان ظاهرًا لا شك فيه لكل قارئ مبتدئ، فضلاً عن عاقل بالغ؟!

أهو شيء هين أن يأتي هذا الدعي فيزعم أن الإسلام – هكذا بغير حرج ولا حياء – قد ارتعدتْ فرائصه من “مانيفستو” الباسيل فوكاس الرومي، فخرسَتِ الألسنة في العالم الإسلامي، إلا لسان فقيهٍ بطَشْقَنْدَ يقال له: “القفال”؟! أفي الدنيا إنسان يعقل هو أصلب من هذا الجريء الجاهل وجهًا؟! أبهذا التحقير الكامل لتاريخ أمة، وبهذا التنكير البشع لأئمة الإسلام الأفذاذ كما فعل بالقفال، وبالإشادة بمجهول مغمور لا يُعرف عنه شيء كأبي الفرج الزهرجي؛ إذ يجعله من قادة المثقفين وأعيانهم، يتثقف الفتى العربي المسلم الناشئ، وغير العربي، وغير المسلم، عن طريق صحيفة الأدب في الأهرام؟! (وقد بين ذلك بعض الأدباء في مجلة الرسالة، وسنستوفيه فيما بعد).

وأحب أن أُعلم صحيفةَ الأهرام أن لويس عوض لا قيمة له عندي من حيث هو كاتب، والقيمة كلها لها هي، وإذًا فبأي حق تنشر صحيفة الأهرام عبثَ عابثٍ لا يحسن شيئًا؟! يتناول بعبثه لغة العرب، وكتاب الله، وهو لا يفهم منهما حرفًا واحدًا، ثم يعمد إلى آية من آيات الله لنبيِّه – صلى الله عليه وسلم – وهي الإسراء والمعراج، فينطلق يخبط خبطًا شنيعًا بسخف لا يدري أحد من أين جاء به، وهو في خلال ذلك يرسل جملاً مضطربة كأنها عربدة مخمور، بلا رعاية لحق ثمانمائة مليون من البشر، وبلا حذر من أن يهيج أحدًا إلى ما لا تحمد عقباه!

بأي حق تفعل ذلك صحيفة الأهرام؟! بحق أن لويس عوض قد عيِّن فيها مستشارًا ثقافيًّا! إن للويس عوض أن يلعب كما يشاء، وأن يقول ما يشاء، وأن يكتب ما يشاء، وأن يعتقد ما يشاء، فنحن لا نبالي به، ولكن ليس أن ينشر ذلك في صحيفة الأهرام؛ لأن الأمر يخرج عندئذٍ من حد حريته الخاصة، إلى العدوان

[الصفحة 114]

المخوف العواقب على عقائد الناس وآدابهم ولغتهم ودينهم وتاريخهم، وليس من حق صحيفة الأهرام أن تضمن له هذا العدوان، بحق اكتسبه عن طريق وظيفته فيها، وليس من حقها أن تشوه معارف الناس وعلومهم وتاريخهم، بفعل إنسان مشوه القلم والعقل، وأن تطرح هذا الخبث على الناس باسم حرية الرأي؛ لأن حرية الرأي مكفولة لذوي العقول السليمة، لا لكل من كسر القيد وأفلت من وراء الأسوار.

ولكي أزيد الأمر كله وضوحًا – وسأزيده من كل وجه وضوحًا في المقالات التالية – أتتبع لها تاريخ لويس عوض، لا من الأخبار التي أعرفها عنه؛ بل من لسانه هو، وأكشف لها أنه اتَّخذ صحيفة الأهرام بهذا المنصب الذي أسند إليه وسيلة يبلغ بها مآربه بطرق غير قويمة، وأستغفر الله؛ بل ليبلغ بها مآرب قوم آخرين، قد استخدموه لغايات على جانب عظيم جدًّا من الخطر على مستقبل هذه الأمم، ولكن ينبغي أن تعلم قبل كل شيء أن لويس عوض ظل مغمورًا غير معروف إلى أن دخل صحيفة الأهرام، وتولى الإشراف على الثقافة فيها، وتولى تحرير صحيفة الأدب والفن، فمِن الأهرام وحدها جاءتْه الشهرة، وذلك أنه منذ نال إجازة الليسانس من جامعة القاهرة سنة 1937، متخصصًا في اللغة الإنجليزية، ثم أوفده أساتذته الإنجليز يومئذٍ إلى جامعة كمبردج، وعاد بالماجستير سنة 1940، بقي مدرسًا بالجامعة إلى سنة 1954، لا يعرفه أحد سوى تلامذته الذين يروون عنه شيئًا كثيرًا، لا أريد أن أذكره.

وفي خلال هذه الفترة نكبتْ مصر بمجلة صدرت بأموال يهودية، خُدع فيها كثيرٌ من الناس، كان مرادها أن تستولي على مصدر الثقافة في بلاد العرب، وتكون أداة توجيه لأغراض بعينها، قبل غزو فلسطين في سنة 1948، وهذه المجلة هي التي يسميها لويس عوض بعد موتها بسنين سنة 1954 “المجلة الزهراء الكاتب المصري”، وذلك بعد أن انكشف أمرها للناس، ففي سنة (1946) و(1947) جرَّه إلى هذه المجلة أستاذُه الروحي – كما يسميه – سلامة موسى، فكتب خمس مقالات أو نحوها عن أدباء الإنجليز كأسكار وايلد، وإليوت، وشو، وهي على ضعفها،

[الصفحة 115]

وعلى سقم الترجمة فيها، وعلى ما فيها من الخطف الجريء من الكتب، كانت لا تعد شيئًا يُذكر.

ولكن يظهر أن سلامة موسى ظل ينفخ في تلميذه، حتى انفجر في سنة 1947 عن كتاب طبعه سماه “بلوتولند، وقصائد أخرى، من شعر الخاصة”، مع أنه يقول في ترجمته التي كتبها لنفسه بقلمه: “فمن أجل هؤلاء؛ قال لويس عوض الشعر، وهو ليس بشاعر، وهو يعد بألاّ يكرر هذه الغلطة، ولو نفي إلى بلاد الخيال”، ويقول أيضًا: “وما من شك في أن شعر لويس عوض شعر ركيك”، ومع ذلك فقد سماه “من شعر الخاصة”! وبالطبع هذا كلام إنسان عاقل، غاية في العقل لا تلحق! أليس كذلك؟!

وما علينا، فالمهم أنه في هذه الترجمة قد حدَّد اتجاهه تحديدًا واضحًا، فمنذ الصفحة الأولى بدأ فقال: “حطِّموا عمود الشعر، لقد مات الشعر العربي، مات عام 1933، مات بموت أحمد شوقي، مات ميتة الأبد، مات”، صرخات مفلت من الأسوار بلا شك، وفي قلبه حقد دفين أهوج، ويظل يذم الشعر العربي، ويهزأ بلغة العرب، ويعرض بالقرآن كل بضعة أسطر، فيسمي اللغة العربية “اللغة القرشية”، ويفضل على كل ما قاله الشعراء العرب المصريون (الذين سماهم “المستعربين”): “منذ الفتح العربي عام 640، إلى الفتح الإنجليزي عام 1882، قول من قال: “ورمش عين الحبيب، يفرش على فدان”، هل في الدنيا أسخف من هذا العاقل؟! لا أظن.

ثم يظل يضرب يمينًا وشمالاً بلا وعي، وبسوء خلق، بألفاظ مهتاجة غير مترابطة، كأنه محموم لم يفق من بِرْسام الحمَّى، حتى يفضي إلى شيء سماه تجارب لويس عوض، وسأنقل هنا التجربة الأولى بنصها، مع اختصار قليل غير مخلٍّ – إن شاء الله – وإن كان الكلام كله خلل! وهي تجربته في مسألة اللغة العامية:
“كان لويس عوض عام 1937 يتعلم مبادئ اللغة الإيطالية (وقد وقف عند المبادئ)، بين الحشائش السحرية التي تملأ الفلاة بين كامبريدج وجرانشستر، واسترعى انتباهَه أن البُعد بين اللغة اللاتينية المقدسة ولهجتها المنحطة الإيطالية، أقل من البعد بين اللغة العربية المقدسة، ولهجتها المنحطة المصرية، من حيث المورفولوجيا والفونوطيقا والنحو والصرف، فعجب لإصرار المصريين على اللغة

[الصفحة 116]

المقدسة!! وكان يحدِّث أصدقاءه بخلاصة تفكيره، فوجد منهم إعراضًا رقيقًا مؤدبًا، فعجب، فلما عاد إلى مصر عام 1940، جاهر برأيه، فلم يصادف إعراضًا، وإنما صادف غلظة، فازداد عجبه، ولكن سرعان ما أفهمه بعض أصدقائه أن المسألة حساسة؛ لأنها تتَّصل بالدين رأسًا (يعني أن لويس ظل ثلاث سنوات لم يخطر له هذا الأمر ببال، ما أَكذبَك أيها الغلام!)؛ لأن استخدام اللغة المصرية أداة للكتابة قد ينتهي بعد قرن أو قرنين بترجمة القرآن إلى اللغة المصرية (بهذه البساطة!) كما حدث للإنجيل أن ترجم من اللغة اللاتينية إلى اللغات الأوربية الحديثة، فزال عجبه (شيء عجيب!)”.

وبمهارة أمثاله من الأذكياء، كسلامة موسى مثلاً، ولويس عوض نسخة منقحة منه (كما سترى)، انتقل فجأة دون أن يفتينا فتوى صريحة في جواز ترجمة القرآن إلى العامية المصرية، فقال بعد ذلك مباشرة:
“وعقلية لويس عوض عقلية زمنية حقًّا، فهو يفهم أن هذا الانقلاب اللغوي لم يقوِّض أركانَ الدين في أوربا، وإنما قوض أركان الكنيسة، التي خشيتْ أن يقرأ الشعب الساذج كلامَ السماء بلغة يفهمها، فتسقط عن بصره الغشاوة، (وبالطبع نحن نقرأ القرآن بلغة لا نفهمها!)، ويدرك أن رجال الدِّين إنما يزيفون عليه من عندهم دينًا (وكذلك أهل الإسلام بالطبع!)؛ ليسلس قياده، ويبقى راكعًا أمام الأشراف، وهو يفهم (أي: لويس عوض يفهم!) أن أبسط بنت تبيع الكرافتات في شيكوريل، تعرف عن المسيحية أكثر مما كان يعرف البابا الذي شن الحروب الصليبية، أو البابا الذي أعدم الأحرار على الخازوق، أو البابا الذي كان يضاجع أخته، أو البابا الذي أحرق جيودانو برونو حيًّا؛ لأنه قال: إن الأرض في ركن مهمل من الكون، أو البابا الذي كان يبيع المؤمنين مربعاتٍ وقصورًا في الجنة، أو البابا الذي أهدر دم مارتن لوثر؛ لأنه طالب بإلغاء القسيس، وإزالة كل حاجز أو وسيط بين الله والناس”.

وظاهرٌ إلى هنا أنه يريد أن يفتي فتوى على استحياء، فضرب هذه الأمثلة كلها؛ لأن أهل الإسلام كانوا كمثل من ذكر، إلى أن جاء لويس عوض، فبإخلاص وعَظَنا

[الصفحة 117]

أن نسلك هذا المسلك، فنترجم القرآن إلى العامية؛ لننجو بديننا من غش رجال الدين منذ عهد الأئمة إلى اليوم!

وبمهارة الأذكياء ذوي العقول الراجحة، يقول بعد ذلك مباشرة: “وهو يفهم كذلك (أي: لويس عوض) أن الاعتراف باللغة المصرية، لا يَتْبَعه بالضرورة موتُ اللغة العربية، إذا احتاط الناس لذلك (وأكبر احتياط هو وجود لويس عوض بالطبع!)، فليس هناك ما يمنع من قيام الأدبَينِ جنبًا إلى جنب، اللهم إلا إذا شككنا في جدارة اللغة العربية والأدب العربي وقدرتهما على الحياة (يا سلام، ما أعقلَك!)، ولكن لويس عوض رغم كل ذلك (ما هو “كل ذلك”؟!) قد سكت مُؤثِرًا أن يتولى الدفاع عن رأيه مسلمٌ لا مجال للطعن في نزاهته”؛ يعني أن لويس عوض سيظل هو الداعية، ويَدَع المسلمين يتكلمون بلسانه، أليس كذلك؟

ثم يختم هذه التجربة بتصريح غريب جدًّا، أرجو أن يقرأه القارئ بدقة؛ لأن وراءه معانيَ لا تخفى على مَن يعرف تاريخ الدعوة إلى العامية، فيقول بعد ذلك مباشرة: “وإني لأعلم أنه قد عاهد الثلوج الغزيرة المنشورة على حديقة مدسمر، في خلوة مشهودة بين أشجار الدردار، عند الشلال بكامبريدج: ألا يخط كلمة واحدة إلا باللغة المصرية (يعني: العامية)، وقد برَّ بعهده في العام الأول بعد عودته، فكتب شيئًا بالمصرية سماه “مذكرات طالب بعثة”، ولكنه استسلم بعد ذلك وخان العهد، فلتغفر له الثلوج الطاهرة التي لم تدنسها حتى أقدام البشر”! (انتهت التجربة).

وتسأل نفسك: ما هذه “الخلوة المشهودة” التي عاد إلى ذكرها، بعد أن ذكر أنه عاد إلى مصر؟ وما الداعي كان يومئذٍ إلى هذه الحرارة في العهد؟ أهي حرارة تعاهد بها ثلوج باردة، أم شيء آخر كان في “الخلوة المشهودة”؟ وما هذا الاستغفار الضارع من ذنب موبق؟ أكتابته بالعربية الركيكة التي وصفها هو نفسه تستدعي كل هذه الضراعة في التوبة!!

[الصفحة 118]

من هو لويس عوض هذا؟ ومن شهد خلوته تلك؟ وأي متتبع لتاريخ الحركة الداعية إلى استقلال كل بلد عربي بلغته العامية، في الوقت الذي كانت تحارب فيه اللغة العربية في كل بلد مسلم غير عربي – يعرف أن هذا الكاذب المخادع الذي ادَّعى أن تعلُّمه الإيطالية، (ولم يكن عرف منها غير المبادئ)، قد استرعى انتباهه إلى أن البعد بين اللاتينية المقدسة ولهجتها الإيطالية المنحطة، أقل من البعد بين العربية المقدسة(!) ولهجتها المصرية المنحطة – إنما يقص قصة مختلقة؛ لأنه قبل أن يولد هو على هذه الأرض البائسة، كان الاهتمام بهذا الرأي ونشره قائمًا على قدم وساق في جميع الأمم الأوربية، التي غزت بلاد العرب والمسلمين في كل مكان، وأقرب ذلك عهدًا تقرير لندبرج الإسوجي في مجمع اللغويين في ليدن سنة 1883، وتقرير دوفرين اللورد الإنجليزي المحترق، الذي رفعه إلى وزارة الخارجية البريطانية في شأن اللهجة العامية المصرية، وأمين دار الكتب الألماني بمصر، وولمور القاضي الإنجليزي بالمحكمة المختلطة، ومترجم الإنجيل إلى العامية لأقباط مصر، وليم ولككس، المهندس المبشر الذي كان مقيمًا بمصر، والذي وصفه التالف القديم سلامةُ موسى، في كتابه الذي ملأه بذاءة على العرب والمسلمين، وسماه “اليوم والغد”، قال: “والهم الكبير الذي يشغل بال السير ولككس – بل يقلقه – هو هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها، فهو يرغب في أن نهجرها ونعود إلى لغتنا العامية، فنؤلف فيها، وندوِّن بها آدابنا وعلومنا”.

فهذه الدعوة كانت قائمة في إنجلترا في الجامعات التي تدرس المشرقيات، وفي مراكز التبشير، قبل أن يولد هذا الداعية الجديد، وهو بلا شك لم يفكر، ولم ينتبه إلا بمنبه شديد في جامعة كمبردج، أو أحد مراكز التبشير هناك، وأخذ العهد والميثاق على نفسه أن يكون داعية، في هذه الحرب الخالصة لوجه السيادة الأوربية على بلاد العرب والإسلام.

وكأنهم اختاروه ليكون بديلاً من ذلك المتسرع الجريء الوقح السليط اللسان، سلامة موسى، أيام كان شابًّا مندفعًا يقول منذ ثمانٍ وثلاثين سنة في كتابه “اليوم والغد”: “ينبغي ألاّ يغرس في أذهان المصري (كذا) أنه شرقي، فإنه لا يلبث أن ينشأ على احترام الشرق وكراهة الغرب، وينمو في كبرياء شرقي، ويحس بكرامة لا يطيق أن يجرحها أحد الغربيين بكلمة”، ثم يقول بلا عقل: “الرابطة الشرقية

[الصفحة 119]

سخافة، الرابطة الدينية وقاحة، والرابطة الحقيقية هي رابطتنا بأوربا”، وقائل هذا هو الأستاذ الروحي للويس عوض، كما قال هو بلسانه، وأنا أدع للقارئ تأمل حقيقة هذا الأستاذ الروحي للويس عوض، وأي داعية هو إلى الذل والمهانة والخضوع، لأوربا المستعمِرة المتعصبة الخالية من كل أدب في معاملة أهل الشرق عامة، والعرب والمسلمين منهم خاصة، إلى هذا اليوم الذي نحن فيه.

فإذا عرفت هذا، بلا إطالة، وعرفت لويس عوض الذي قال بنفسه في تقديم نفسه 1954 أنه: “عُرف بدعوته للأدب العامي في صدر حياته الأدبية”، ورأيتُه منذ دخل صحيفة الأهرام يجمع حول نفسه، وتجمع له بعض المراكز الثقافية القائمة في مصر، والتابعة مباشرة لمراكز التبشير العالمي، من يصلح أن يكون معبرًا عن رأي لويس عوض، ويكون متسمًا بالنزاهة، ولا مطعن في نزاهته من المصريين المسلمين الذين خدعوا بشكلٍ ما بما يسمى كسر عمود الشعر العربي، وباستعمال اللغة العامية، والدعوة إلى إحلالها محل الفصحى، ثم من يجتمع حوله ممن يحقر شأن العرب وتاريخهم، وثقافتهم ودينهم، ويزدري كل ذلك ازدراء ظاهرًا، ويعدّ الثقافات الأوربية كلها هي المصدر الذي ينبغي أن نستقي منه مادة تكويننا الحديث بلا تردد أو تمحيص – إذا عرفت هذا، عرفت لماذا لبس هذا الممخرق طيلسان أستاذ جامعي، تاركًا الأدب الإنجليزي وراءه، وعامدًا إلى التاريخ العربي والأدب العربي، ليقرن ابن خلدون بأورسيوس، ويجعله منه أخذ، والمعري براهب دير الفاروس، ويجعله على يديه تعلم، وإلى القرآن ليجعله استمد ما فيه من صفة الجنة والنار من خطرفة اليونان، وإلى زعماء الكفاح في سبيل الحرية منذ غزو نابليون إلى أن جاء جمال عبدالناصر، ليجعلهم مقتدين بالمعلم يعقوب، الذي ظاهر الفرنسيس على إذلال الشعب العربي في مصر، وادَّعى لويس عوض أنه معبر عن إرادتنا في تحقيق استقلال البلاد، وسائر المَخْرَقات التي يكتبها عن تفسير آثار الأدباء المصريين وغيرهم، كتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وصلاح عبدالصبور.

وإذا عرفت هذا، عرفت لِمَ امتلأت صحيفة الأهرام، منذ عُيِّن هذا الرجل مستشارًا ثقافيًّا في مؤسستها، بالهجوم اللاذع في أبواب كثيرة تخضع للمستشار

[الصفحة 120]

الثقافي، على اللغة العربية الفصحى، التي كسر هو رقبتها، وعلى الشعر العربي، الذي كسر هو عموده، وعلى كل تراثنا، الذي نحن به عرب لنا ماضٍ عشناه، ولا نزال نعيشه، وسوف نعيشه برغم هذا المحترق الذي استخدم كل أداة في هذه الحرب، من كلمة مكتوبة، إلى صورة مرسومة، وبنفس الأسلوب الخفي الذي يعمل به أشباهه وأمثاله في سائر الميادين.

وإذا عرفت هذا، عرفت لِمَ جاءت هذه الحملات المختلفة الأشكال والأنواع؟ ولم اتخذتْ صورًا متباينة في أكبر صحيفة في العالم العربي والإسلامي؟ بعد أن اتَّضح لهم أن جمال عبدالناصر قد استطاع أن ينقذ كرامة العرب بدعوته إلى وحدة العرب، ووقوفه في وجه كل إرهاب أوربي متغطرس بالغزو أحيانًا، وبالحصار الاقتصادي أحيانًا أخرى، وبغير هذه الوسائل الظاهرة البادية للعيان، فلم يبقَ أمام هؤلاء إلا ميدان واحد، هو بلبلة العقل العربي وتشكيكه في نفسه، وإلا تحطيم الرابطة الأولى والأخيرة في حياة العرب، وهي اللغة، بتمزيقها إلى لغات، وإلى تدمير الجسر الذي عاش أربعة عشر قرنًا يجمع قلوب الأمم الممتدة من الشمال البعيد إلى الجنوب القصي، ومن الشرق النازح إلى الغرب المتباعد، على كلمة واحدة، وعاطفة واحدة، ورأي عام واحد، مع شدة بطش العدو الماكر الخبيث المدرب، وعمله المتواصل في فصم هذه الرابطة على امتداد ثلاثة قرون أو أكثر.

وهذا هو التوقيت الذي أعد له لويس عوض، بأسلوب لا ندري كيف كان على وجه التحديد؛ ليدخل أكبر مؤسسة انتزعت من أيديهم، لتكون في أيد عربية مخلصة صادقة.

هذه هي القضية، كتبتها بكل ما استطعت من الوضوح؛ لتعرف صحيفة الأهرام أن براءتها مما كتب لويس عوض عن “رسالة الغفران” وشيخ المعرة، ليس فيه غضاضة؛ بل هو أمر توجب الأمانة، ويوجب الإخلاص لأبناء البلاد العربية والإسلامية، أن تفعله بلا تردد(1)؛ لأن المراد منه هو إحداث تدمير شامل في وحدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-لم تفعل جريدة الأهرام شيئًا إلى هذه الساعة (سنة 1971)؛ بل لعلها فعلتْ عكسه، وكيف نرجو شيئًا إذا كانت أمور الأمة العربية متروكة للأهواء؟!

[الصفحة 121]

الأمة العربية شيئًا بعد شيء، حتى يأتي يوم نقول: “أيها العرب” فلا نجد سميعًا ولا مصيخًا يستجيب للدعاء.

أما دراسة ما كتبه هذا الرجل عن “رسالة الغفران” وشيخ المعرة، وإظهار ما يخفي من خبائث التضليل والعبث، فالعرض له مستمر – إن شاء الله.