مولده – أعيادنا – التعليم – تعليم العربية – مشروع

مولده

سكن الكون وأصغى، وتعبَّأت كل القوى الأبدية لحشدها، وعبَّ التيار الإلهي الذي يموج به الكون، وسعت الملائكة بالبشرى بين خوافق السماء والأرض، وتهللتْ أجيال النبوّة بأفراح خاتمها الذي أتم الله به نعمته على الناس، وسَرَتْ في الكائنات أسرار الحياة الجديدة فاهتزت وربت واستشرفت إلى النور الخالد الذي ينبع من أفق الإنسانية العالي البعيد، ووسوست رمال الصحراء بتسبيحة المجد لله، تستقبل الأقدام التي تطؤها بالنور الذي سيمشي أولَ ما يمشي على حصبائها، ثم يمشي بأصحابه في أرجاء الأرض يحييها بعد موت، ويطهرها بعد دنَس
سكن السكون وأصغى، وسكنت نأمةُ[1] الشياطين في مخارمها ومهاويها وآفاقها[2]، وخشعت وساوس إبليس بالرعب والفزع، وثبتت في مساربها جائلات الجِبتِ والطاغوت، وتحيَّرت في مستقرها أباطيل الأوثان وهام الالوهة المزيفة على الناس ثم اهتز الكون كله بالفرح، فتداعت أبنية الأجيال الوثنية الباطلة، ثم أخذت تتداعى تحت الأشعة النبوية التي نشرت على الدنيا نورها بالحق والعدل والتوحيد والسلام…

سكن الكون وأصغى، ثم اهتز بنوره وتطهر، صلى الله عليه وسلم. والسلام عليك يا رسول الله، سلاما من كل قلب، وفي كل زمن، والحمد لله الذي أرسلك بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

أعيادنا

أعياد الأمم هي الأيام التي تستعلن فيها خصائص الشعوب وذخائرها

[الصفحة 149]

وخلائقها الأدبية والعقلية والنفسية والسياسية. هي الأيام المبتهجة التي تنبض بالحياة وأسبابها في الأمة، لتدل على السر الحيوي الساري في أعصاب الحياة العملية اليومية المتتابعة على نظام من الجد لا يكاد يختلف.

واحتفال الشعب بأعياده أمر ضروري لإعطائه المثل الأعلى وإمداده بالروح التي تدفعه إلى مجده، أو إلى المحافظة عليه. فهو من ناحيتيه يظهر ما في الشعب من خصائصه ومحامده وعيوبه؛ ويبقى على المثل الأعلى بالتجديد والبهجة والزينة.

فأعياد الأجانب الأوربيين مثلاً تكتشف عن قوتهم واعتدادهم بأنفسهم، وتعشقهم لجمال الحياة الدنيا إدماناً وإغراقاً، وعن جعلهم المجاملة أصلاً أخلاقياً في أنفسهم وأهليهم، وعن غرورهم واستهتارهم واستهانتهم بأكثر الفضائل الإنسانية حين تجري في دمائهم عربدة الطغيان الإنساني المتوحش الذي يرتد إلى الغرائز الحيوانية المستأثرة باللذة، المجردة من الورع والتقوى.

وأعيادنا نحن تهتك الحجاب عن ضعفنا وذلتنا، واستكانتنا لما نشعر به من الضعف والذلة، وتبين عن ذهول الشعب عن نفسه وعن تاريخه، وعن مجده، وتعلقه بترهات الحياة، وقلة مبالاته بجمالها، وانصرافه عن معرفة الأحزان الخالدة في طبقاته بخلود الفقر والجهل والبلادة.

فهل يزدلف[3] إلينا ذلك اليوم الذي تتمثل فيه أعياد الشعب الإسلامي صورة السيطرة والسيادة والقوة، وتتبدى عليه أفراح الحياة الراضية المؤمنة المطمئنة، وتعود إليه الأخوة الإسلامية التي ساوت بين الناس غنيهم وفقيرهم وعالمهم وجاهلهم، وجعلتهم سواء لا فضل لأحد على أحد إلا بالخلق والتقوى؟ هل يأتي ذلك اليوم السعيد الذي يجعل أعيادنا صورة من مدنية دين الله التي تبدأ بالرحمة والحنان والتعاطف، وتنتهي بالعمل والجد والصبر والتعاون؟ يومئذ تكون السيادة العليا للمدنية المستقبلة، مدنية الحرية التي لا تشتهي أن تفجر، والعلم الذي لا ينبغي أن يكفر.

[الصفحة 150]

التعليم

فاز الأسبوع الماضي في مجلس النواب بإثارة انتباه الناس إلى شأن التعليم وسياسته التي درجت عليها وزارة المعارف من سنين تطاولت، وقد قدمت اللجنة المالية تقريرها عن ميزانية المعارف، وتناولت في هذا التقرير سياسة التعليم وأغراضه، وعيوبه وما ترجو به له الإصلاح، وناقش المجلس بعض هذه الآراء، وعرض حضرات النواب بعض آرائهم وملاحظاتهم. ونحن – على أننا لم نحضر هذه الجلسة بل قرأنا ما اختصر مما جرى فيها – نظن أن حديث النواب كان يدل دلالة قاطعة على أن وزارة المعارف التي انقضى على قيامها بهذه المهمة ما يربو على قرن من الدهر لم تقرر فيها أصولٌ صحيحةٌ للتعليم، ولم تجر سياستها على منهج يستمر بها إلى غاية تريدها على تدبير وحياطة.

أفلا ترى أن الوزارة لا تزال تسمع من الناس ومن النواب ومن أصحاب الرأي ما يجب عليها للتعليم الديني في مدارسها، وما ينبغي في مناهج تعليم البنات، وما تتطلَّبه أنظمة التعليم الإلزامي، وهل أدى الغرض منه إلى يوم أو لم يؤده؟ وما تفرضه الوطنية من النظر الصادق في ترقية التعليم الحر حتى يصل إلى الدرجة التي تليق به وبالأمة التي تتولى هو بعض الرعاية على بعض أبنائها، وغير ذلك من الشؤون الابتدائية في سياسة التعليم.

فهذا عجيب أن تبقى وزارة المعارف إلى هذا اليوم، ولم تتقرر لها سياسة كاملة تتناول حياة الأمة العلمية والأدبية والخلقية والبدنية بأدق النظر وأحسن الرأي، فلا ينبغُ لها نابغ يسددها إلى هذه الآراء الأولية التي يفرض كل أحد أن الوزارة قد انتهت من إقرارها والسير عليها والتدبير لها بكل الوسائل التي تكفل للشعب تربية أبنائه تربية تامة كاملة مهيَّأة لتحمُّل الأعباء المثقلة التي سيحملها جيلهم من بعد هذا الجيل.

وقد سارت وزارة المعارف في السنين الأخيرة على سنة لا يمكن إلا أن تفضي إلى توهين الروابط الثقافية التي تربط الشعب كله بعضه إلى بعض؛ وذلك

[الصفحة 151]

كثرة تبديل المناهج وتغييرها عاماً بعد عام غير ضرورة ملجئة في أكثر هذا التبديل والتغيير. ولا بد أن تحزم وزارة المعارف أمرها على خطة واسعة متراحبة ترمي إلى أبعد مدى على أنم حذر، ليتسنى لها أن تمحو كل أخطاء الماضي التي لعبت فيها الأيدي الاستعمارية والسياسية بكل ما من شأنه أن يسلب الشعب قدرته على التحفز والتوثب والتجمع، وما ينشئه على الحرية العقلية والنفسية، التي ترفعه إلى درجات السامية التي يجب أن يرقى إليها كل شعب يريد أن يتحرر ويسود ويفرض مدنيته على الأرض التي يعيش عليها.

وإذا أرادت وزارة المعارف ذلك الآن، فإن في همة وزيرها لذي لا يَمَلَ ولا يتأخر عن دواعي الوطن، إنفاذاً لهذه الإرادة. فوزير المعارف رجل معروف بالجد والإخلاص والمثابرة وقوة العزيمة، فلو اجتمع له كل أصحاب الرأي ممن يحب أن يساهم في شأن التعليم مساهمة الدرس والكفاح للمستقبل، لأمكنهم أن تنقذوا وزارة المعارف من البلبلة التي لا زالت تتساقط بها من ذلك العهد القديم المعروف بأغراضه في تحطيم قوى الشعب استعبادياًّ مستبداً. فنرجو أن يضمَّ وزير المعارف إلى رأيه جماعة من أصحاب التدبير السياسي للتعليم غير متقيِّد بشيء من الرسوم القديمة – وهو الرجل الحر – فإن القيود هي التي جعلتنا إلى هذا اليوم نسري في ظلام دامس من الأهواء التي غلبت على شأن التعليم فيما مض.

تعليم العربية

وبهذه المناسبة أذكر أني قرأتُ في الأسبوع الماضي أيضاً كلمة عن أسباب ضعف الناشئة في اللغة العربية، وأن الكاتب ردَّ هذا إلى أسباب من المعلم والكتب وغير ذلك، وزعم أن أكثر كتُبنا لا يصلح لتعليم الناشئة لسان أمتهم. وإن يكن في هذا بعضُ الحقِّ فليس هو كلُّ الحقِّ، فان أسبابَ ضعفِ النشء في العربية ليس يُردُّ إلى المعلم والكتاب، بل مردُّه إلى المنهجِ الذي يُقيد المعلم بقيود كثيرة ترفع عنه التبعة في نتيجة التعليم، ويقيد الكتاب بمثلها، ويُعطى النشء ما لا يَصْلُح عليه لسانٌ ولا يستقيم به تعليم لغة.

فلو أنت نظرت لما رأيت شعباً من شعوب الأرض المتعلمة، يفعَل بلغته

[الصفحة 152]

ما نفعل نحنُ، من التجاهل للآثار الأدبيةِ وقلة الاحتفال بتزويد الناشئ بمادتها التي تحفظها لتكون أبداً على مدِّ الذاكرة وفي طلب اللسان. ولو أنت سألت أي مُتعلِّم من أهل الأمم الأخرى أن يُسمعك من روائع شعر أُمته ونثرها وحديث بلغائها لاحتفَلَ لك بالكثير الذي تظن مَعَه أنه إنما أعدَّ لك الجواب لعِلمه أنك قد أعددتَ له السؤال. فلو أنتَ جئت بعدَ ذلك إلى أحد المثَّقفين المكثرين المتنفخين من المتعلمين عندنا وسألته مثل ذلك لَنحا إليك بَصرَه فأتأرَ[4] النَّظَر فابتسمَ فضَحك فستهزأ بك فولاّك ظهره فمضى يعجب من غفْلتك وحماقتك وقلّة عقلك.
وإن بعضهم ليقول: ليس لنا ما لهم، أين للطالب المصري أو العربي ما يغريه بالقراءة كما يغري شكسبير وملتون وبيرون وشيللي وفلانٌ وفلانٌ من الشعراء والكتاب؟ بَلى أين؟ وإن يكن هذا كله حقاً فافترضناه كذلك، فليس يكون لنا مثل شكسبير وأصحابه إلا باستيعاب قديم كتابنا وشعرائنا، والحرص على آثار محدثيهم، فإذا كان ذلك أخرج الشّعْبُ يوماً أمثالَ هؤلاء لمن يلينا من أهل أمتنا. وإلا فإننا سائرون إلى ضعف أبداً ما دُمنا نرىَ الطالب لا يطيقُ أن يستوعبَ من شعر البحتري إلا قصيدة واحدة ومن المتنبي مثلها، ثم يكون ذلك آخر عهده وأوله بدراسة الآثار الأدبية العربية.

إن الحفظ الأول للآثار الأدبية الرائعة قديمها وحديثها هو الذي يخرج الأديب والكاتب والشاعر. أنظر إلى المنفلوطي والرافعي وشوقي وحافظ والبارودي والزيات وطه حسين، كل هؤلاء لم يكونوا كذلك إلاّ لأنهم نشأوا وقد حفظوا القرآن أطفالاً فحملهم ذلك على متابعة حفظ الآثار الأدبية الجليلة، ثم حفز هذا المحفوظ ما انطووا عليه من الطبيعة الأدبية التي استقرَّت في أنفسهم وأعصابهم، فلما استحكموا استحكمت لهم طريقتهم في الأدب والشعر والإنشاء، ولولا ذلك لما استطاعوا أن يكونوا اليوم إلا كما نرى من سائر من تخرجهم دور التعليم بالآلاف في كل عام ينقضي من أعوام الدراسة.

[الصفحة 153]

مشروع

كتب الأستاذ (محمد خلف الله) كلمة جليلة الغرض تحت عنوان (مشروع) في المجلة الثقافة العد (68) الماضي، وخلاصة هذا المشروع: أن تؤلف جماعة من الباحثين يمثلون اللغة والأدب وعلم النفس والاجتماع يكون من أغراضها أن تدرس النواحي المختلفة للاجتماع المصري الحاضر وما يكون فيه من الظواهر المختلفة التي يخشى أن تدرج وتبيد ولم نستفد من الحرص عليها إن كانت نافعة، أو الاستعانة بها في درء الأمراض الاجتماعية عن الشعب فيما يستقبل إن كانت من السوء بحيث تكون كذلك.

وقد عَدّ الأستاذ خلف الله بعض الأمثلة فيما يجب أن تتوجه إلى دراسته هذه الجماعة كمخارج الحروف وأصواتها في كل الأقاليم المصرية، ورد ذلك إلى أصوله الأولى التي انحدر عنها من تاريخ القبائل، وكذلك اللهجات الكثيرة في الوجه البحري والقبلي مما هو – ولاشك – نتيجة لإقامة بعض العرب في هذه الجهات، ثم دراسة الأدب الشعبي من قصيد وموال ومثل وفكاهة وسمر، ودراسة الخلق المصري؛ وعيوبه وفضائله، وما يتعاوره من الغلو والضعف , ويكون ذلك كله إعداداً لمعرفة حقيقة هذا الشعب معرفة صحيحة، ثم نشر كل ذلك على التتابع في رسائل قد استوفت شروط المنهج العلمي للدراسة الاجتماعية واللسانية والفني.

وكلما يرحب بهذا المشروع الذي نستطيع معه أن نخدم الشعب خدمة عظيمة باستظهار ما يستسر من قوته، وما يستعلن من ضعفه، فيكون ذلك أحرى بأن يهدينا إلى إصابة الدواء الذي يحسم مادة الداء التي تلتهم أسباب رقيه سبباً بعد سبب. وهذه الدراسات المفصلة للشعوب على طبيعتها التي تتعامل بها في السوق والحقل والمصنع والمدرسة والبيت، وهي النجاة لنا من شر كبير قد أوقعنا فيه الاضطراب وقلة الخبرة. ولو علمت أن أكثر الأمم المستعمرة تلجأ إلى هذا الطريق نفسه في دراسة الشعب الذي تريد أن تستبد به، ليتسنى لها أن تعمل على إضعافه وقتله بتقوية ضعفه وإضعاف قوته دون أن يشعر أو يتألم بل يحسب أنه

[الصفحة 154]

يسير إلى غايته على تدريج طبيعي – لو علمت ذلك علمت ما نستطيع أن نستفيده من نتائج هذا المشروع الجيد إذا أُحكم تنفيذه، ولم تَغْلبْ على اختيار رجاله محاباة، ولم تتحكم في هؤلاء لرجال شهوةٌ أو هوىً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الرسالة، السنة الثامنة (العدد 355)، 1940، ص: 701-703.

[1]– النأمة: الصوت الضعيف الخفيّ.

[2]– المخارم: جمع مخرم، وهو منقطع أنف الجبل.

[3]– يزدلف: يقترب، وأصله المشْي البطيء إلى غاية الشيء.

[4]– أتأر النَّظَرَ: أحَدَّه.