ليس حسنا

ليس حسنًا

ليس حسنًا أن يعزل كاتبٌ قلمَه، ولكن هكذا قدَّر الله عليَّ أن أفعل، فنحَّيتُه عن أناملي؛ لكي أفرغ للقراءة والتفكُّر، حتى تصرَّم على ذلك أكثر من ثلاثَ عشرةَ سنةً، فلما عدتُ إليه أحمله، ثقل محملُه، وقد صدئ سنُّه، ورسف في قيود الإهمال خَطْوُه، وإذا هوة سحيقة القرارِ قد انخسفت بيني وبينه، كهوة بين حبيبين تمادى بينهما جفاء مستحدث من ملال.

ولكني – على ذلك كله – اليوم مرغم، مرغم على حمله، ومرغم على استحياء ما كان بيني وبينه من حبٍّ متضرم، ومرغم على أن يكون اعتذاري إليه صادقًا، مهما تكبدتُ في سبيل ذلك من مشقة وعنت، ويشاء الله الذي قدَّر وقضى أن يكون الرجل الذي جعلتُ كلامَه حجتي على مَن لامني، يوم عزمت على تعطيل هذا القلم، هو نفسه الرجل الذي أحمل القلمَ من أجله، وخبر ذلك أني كنتُ أقول يومئذٍ لمن يلومني:

إِذَا كَانَ عِلْمُ النَّاسِ لَيْسَ بِنَافِعٍ      وَلاَ دَافِعٍ فَالخُسْرُ لِلعُلَمَاءِ
قَضَى اللَّهُ فِينَا بِالَّذِي هُوَ كَائِنٌ  فَتَمَّ وَضَاعَتْ حِكْمَةُ الحُكَمَاءِ

يقوله شيخ المعرة أبو العلاء، أحمد بن عبدالله بن سليمان المَعَرِّي – رحمة الله عليه.
فمنذ أسابيع نشرتْ صحيفة الأهرام مقالةً ضافية، تبشِّر بجديد في رسالة شيخ المعرة، المعروفة بـ”رسالة الغفران”، كاتب هذه المقالة هو الدكتور لويس عوض، فإذا به يحملني إلى ماضٍ سحيقِ البعدِ، مكفوفٍ بالظلمات، فهو يريد أن يجلوَه لعيني مشرقًا، مسرفًا في الإشراق، ثم تتابع ذلك مِن فعله، حتى انتهى منذ أسبوعين أو ثلاثة، إلى الكلام في صميم “رسالة الغفران”، وإن كان هو قد آثر أن يسمي فعله هذا: “على هامش الغفران: شيء من التاريخ”، فقال بعد مقدمة قصيرة:

[الصفحة 17]

“ولعل أسلم منهجٍ في الانتقال إلى المعري، والحديث عن “رسالة الغفران” – هو أن نبدأ بعرض الخلفية التاريخية لهذا العمل العظيم، فنوضح طبيعةَ العصر الذي كان يعيش فيه المعري، فتتضح بذلك أهمُّ مشاكله، وأهم معتقداته، ومحاور الصراع المادي والفكري فيه؛ عسى أن يلقي كل ذلك ضوءًا على مرامي المعرى وغاياته من “رسالة الغفران”، وعسى أن نجد بعض المفاتيح التي تساعدنا على معرفة موقف هذا الرجل العظيم، كما تجلَّت في أدبه، من أفكار عصره، ومن أحداثه، ومن رجالاته، ومن أحواله بوجه عام”.

وهذا كلام حسن جدًّا، ليس فيه ما يعاب، وليس بمستنكَر صدوره عن الدكتور لويس عوض؛ لأنه كان أولاً طالبًا قديمًا لآداب اللغة الإنجليزية، درسها حتى نال – فيما أظن – إجازة الليسانس، ثم الماجستير، ثم الدكتوراه، ومعنى ذلك أنه – بلا شك – يحسن أن يقيم الدراسة على المنهج؛ ولأنه ثانيًا – ولا بد – كان – فيما أظن أيضًا – معيدًا بالجامعة، ثم مدرسًا، ثم أستاذًا يتولى مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، والإشراف على أصحابها قبل ذلك؛ ولأنه – ثالثًا – خرج على الناس كاتبًا، فمارس الكتابة زمنًا، فهو خليق أن يعالج دراسة “رسالة الغفران” على منهجٍ محكمِ الأصول، وبأسلوب يرضى عنه أستاذ الجامعة، ولا يجفو على قارئ الصحيفة ممن لم يُقدَّر له أن يتحمل دراسة الآداب على المنهج.

هكذا كان ظني، وإن كان ما أعرفه من قراءة كتب الدكتور لويس عوض ومقالاته وغيرها، قد يحملني على الشك في قدرته على تحقيق هذا الظن، فما كدت أفرغ من مقاله الذي افتتحه بذِكر منهجه هذا، ثم مقاله الذي يتلوه بعنوان: “كلمة عن ابن القارح”؛ (الأهرام: يوم الجمعة 9 رجب سنة 1384/ 13، نوفمبر سنة 1964)، حتى عجبت وتخوَّفت، إذا كانت كلمة “المنهج” لم تزل محفوفةً بكل هذا القدر العجيب من الغموض والظلمة في عيني الدكتور لويس عوض أستاذ الأدب الإنجليزي، وهو مَن هو، فهي بلا ريب في أعين سائر الناس أشدُّ غموضًا وإبهامًا، وعندئذٍ عجبت، ثم إن الدكتور لويس عوض أستاذ قديم، يقتدى به في دراسة الآداب، فيما أرجح، فمِن هنا تخوفت على مصير دراسة الآداب، مع كثرة

[الصفحة 18]

ما يحف بهذه الدراسة من المخاوف؛ من جراء ما استشرى أمره من أبحاث تنشر في الصحف، والمجلات، والكتب أيضًا.

وعادت بي الذكرى إلى ماضٍ بعيد، إذ كنت طالبًا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، منذ نحوٍ من تسع وثلاثين سنة، يوم وقع الصراع بيني وبين أستاذنا الكبير الدكتور طه حسين، على مفهوم كلمة “المنهج”، وعلى الأدوات التي يمارس بها هذا “المنهج”.

ثم ظل هذا الصراع قائمًا على أشدِّه في نفسي، منذ فارقت الجامعة، حتى أخرجت كتابي عن “المتنبي” في يناير سنة 1936، ثم أخرج أستاذنا بعد ذلك بعام أو أكثر كتابه “مع المتنبي”، فكتبت يومئذٍ مقالاتٍ طوالاً – مع الأسف – في نقد كتاب الدكتور طه حسين، زادتني معالجةُ نقدِه يقينًا على يقين، في أن الغموض إذا أحاط بلفظ “المنهج” أدَّى إلى خلط كثير في فهم الآداب، وفي تفسيرها، وفي شرحها، ثم في تصوير أحداث العصر، وأفكاره، ورجالاته، وأحواله بوجه عام، كما يقول الدكتور لويس عوض، واليوم، وبعد هذا الدهر المتطاول، أجد هذا اللفظ قد ازداد إبهامًا وغموضًا، وازداد تطبيق ما يقتضيه تخليطًا على يد الدكتور لويس عوض.

فمن أجل ذلك؛ أجدني مضطرًّا لالتماس معذرة القارئ المتعجل؛ لأني إنما أخاطب بهذه الكلمة أستاذًا جامعيًّا، أو هذا هو المفروض، وإن كان ما كتَبَه لا يحمل طابع الأستاذية؛ بل طابع المقالة الصحفية، إذا كان من المفروض أيضًا أن المقالة الصحفية لا تزال إلى اليوم قائمةً على الاستثارة المبهمة عند بعض الناس، وكنت أتوهم أن هذا أسلوبٌ قد انقضى عهدُه، وباد أهله، أو كان هذا هو المفروضَ عندي أنا على الأقل.

ولفظ “المنهج” يحتاج مني هنا إلى بعض الإبانة، وإن كنت لا أريد به الآن ما اصطلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشأن؛ بل أريد به “ما قبل المنهج”؛ أي: الأساس الذي لا يقوم المنهج إلا عليه، فهذا الذي سميتُه هنا “منهجًا”، ينقسم إلى شطرين: شطرٍ في تناول المادة، وشطرٍ في معالجة التطبيق، ويؤسفني أن أكتب هذا في مخاطبة أستاذ جامعي.

[الصفحة 19]

فشطر المادة يتطلب – قبل كل شيء – جمعَها من مظانها على وجه الاستيعاب المتيسر، ثم تصنيفَ هذا المجموع، ثم تمحيص مفرداته تمحيصًا دقيقًا، وذلك بتحليل أجزائها بدقة متناهية، وبمهارة وحذر؛ حتى يتيسر للدارس أن يرى ما هو زيف جليًّا واضحًا، وما هو صحيح مستبينًا ظاهرًا، بلا غفلة، وبلا هوى، وبلا تسرُّع.

أما شطر التطبيق، فيقتضي إعادةَ تركيب المادة بعد نفي زيفها، وتمحيص جيدها، باستيعاب أيضًا لكل احتمال للخطأ، أو الهوى، أو التسرع، ثم على الدارس أن يتحرَّى لكل حقيقة من الحقائق موضعًا هو حق موضعها؛ لأن أخفى إساءة في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها، خليقٌ أن يشوه عمودَ الصورة تشويهًا بالغَ القبحِ والشناعة.

وهذا شيء واضح – فيما أظن – ما كان أغناني عن ترداده على مسمع أستاذ جامعي، ولكن يبقى شيء هو مفروض ابتداء، لا يصلح شيء مما قلته إلا به، بَيْدَ أن الناس قد يُخدعون عنه أو يتجاهلونه؛ لهوى غالب على النفس، ألا وهو الدارس الذي يعالج “المنهج” بشطريه، فالدارس ينبغي أن يكون قد ملك الأسباب التي تجعله أهلاً لمعاناة “المنهج”، وهذا شيء يحسن ضرب المثل عليه؛ لتوضيحه.

فإذا اتخذنا شيخ المعرة مثلاً موضِّحًا، فدارسه ينبغي أن يكون مطيقًا لقراءة نصوصه جميعًا من نثر وشعر، لا مِن حيث هما لفظان مبهمان غامضان: “نثر” أو “شعر”؛ بل من حيث تضمنهما ألفاظًا دالة على المعاني، وألفاظًا قد اختَزنت على مر الدهور في استعمالها وتطورها قدرًا كبيرًا من نبض اللغة، ونمائها الأدبي والفكري والعقلي، إلى كثير من الدلالات التي يعرفها الدارسون، ثم من حيث هي ألفاظ قد حملتْ سماتٍ مميزةً من ضمير قائلها بالضرورة الملزمة؛ لأنه إنسان مبين عن نفسه في هذه اللغة بما يسمى “شعرًا”، أو بما يسمى “نثرًا”، وواضح جدًّا بعد ذلك – لمن يحسن أن يتأمل بعض التأمل – أن هذا كله يقتضي أن يكون الدارس قد رحل رحلة طويلة في آداب اللغة السابقة لعهد شيخ المعرة، فدارَسَ فيها الماضِين من شعراء هذه اللغة، وكُتابها، مدارسةً متقنة، جادة غير هازلة، مشخوذة بالذكاء والتنبه، مصقولة بحسن التمييز والتدبُّر؛ ليكون في مأمن من اختلاط شيء منها بشيء

[الصفحة 20]

مخالف له أو مناقض، وذلك لأن تراث كل لغة من اللغات، وإن كان وحدة لا تكاد تتجزأ، إلا أن اختلاف الأزمنة والأمكنة يمنح كل نصٍّ وسمًا بائنًا من سواه، ويفيض عليه لونًا متفردًا من غيره، فهذا أمر – كما ترى – شديد المراس لمن لم يملك ناصيته، فلا يهجم عليه بلا أداة، وبلا روية، وبلا استعداد، وبلا فهم إلا كل مَن ظن في نفسه الظنون، إما جهلاً، وإما رعونة.

وليت الأمر في دراسة الآداب يقف بنا عند هذا الحد، فإنه لأهول من ذلك في كل زمان ومكان، وفي كل لغة ذات بيان، إنه لأمر مفروغ منه، أمر ارتباط الآداب بتاريخ الأمة، وعاداتها، وأخلاقها، ودياناتها، وما شئت من شيء تُعَدُّ به الأمة ذات كيان قائم متميز.

فدارس الآداب إذا لم يكن مطيقًا لذلك كله، بصيرًا به، حَسَنَ التصرفِ في جليله ودقيقه، جيد الفهم لغوامضه ومبهماته، فهو حري أن يشوه الصورة عند تركيبها تشويهًا فيه من الشناعة ما يجعل دراستَه مُثْلَة بمن يدرسه، كما يمثِّل المحاربُ المحترق بجثة عدوِّه، وقد أطارت لبَّه حدةُ العداوة والحقد، وإتقان دراسة هذه المادة كلها، تعد دراسةً أدبية محضة، فلا يستطيع دارس أن يقول للناس: إنها ليست من صميم اختصاصي، فإذا قالها، فذلك إيذان منه بأنه فقَدَ التمييز، وجهل أساس كل منهج، واستحق أن يطرح الناسُ ما يقوله، إذا هو لم يجد عند نفسه القدرةَ على أن يستحِيَ، فيستر ما يكتب، ويغيِّبه في التراب عن أعين الناس.

وظني أن هذا الذي قلتُه عن “المنهج” كافٍ في تمثل التبعة التي يتحملها دارس الآداب، وفي إدراك التبعة التي يحملها القارئ حين يعرض عليه دارسٌ ما دَرَسَ، فالأمر من أي نواحيه أخذته إذًا جد لا هزل فيه، وما دام الدكتور لويس عوض قد تخير لنا “أسلم منهج” في دراسة “رسالة الغفران”، فقد رأيته حسنًا أن أبدأ بالنظر في منهجه، لا من حيث أراد هو أن يبدأ؛ بل من حيث انتهى به الحديث في مقاله: “كلمة عن ابن القارح”؛ لأني وجدت الدكتور لويس عوض قد أخفى عنا “مادة الدراسة”، وهو شيخ المعرة نفسه، على امتداد خمس مقالات طوال، فلم يذكرها إلا في ختام الخامسة منهن، و”شيخ المعرة” هو مادة الدراسة؛ لأنه

[الصفحة 21]

صاحب “رسالة الغفران”، ولأنها أثر من آثاره، ولا أستطيع أن أكتم إعجابي بقدرته على كبحه جماح نفسه خمسة أسابيع من أسابيع الكتابة، مخفيًا مادة دراسته، فلا يكاد يعرضها لأعيننا إلا في ختام خامستهن، ويلقيها إلينا بلمحة خاطفة، توحي بأن هذه المادة الملقاة قد فُرغ من تمحيصها على يده، أو على يد غيره، حتى صارت إحدى المسلَّمات التي لا تملك البداهةُ إلا الإذعان لها، كما يقول القائل: “رجُل ورجلٌ” “رجلان”، بلا فرق بينهما، فانظر إذًا كيف ساقها، ولم أسقط من كلامه شيئًا غير طرح التاريخ الميلادي المُعَوِّق:
“هذا هو الجو السياسي المعقد الذي عاش فيه المعري، حتى اعتكف في معرة النعمان حول (401هـ)، ومنذ أن اعتكف فيها حتى مات عام (449هـ)، فحلب – وهي على بعد أميال قليلة من المعرة – يتبادلها أولاً الحمدانيون، تُظاهِرُهم عسكر الروم والفاطميون، ثم يتبادلها ثانيًا المرداسيون، تظاهرهم عسكر الروم والفاطميون، ولم تكن أنطاكية أحسن حالاً، فقد ظلت مائة وعشرين سنة كاملة في يد الروم، من سنة 353 إلى 477هـ، ولد وهي لهم، ومات وهي لهم، وتعلَّم بها وهو صبي وهي لهم، فقد كان يختلف إلى مكتبتها مع أسامة بن منقذ فيما روت كتب القدماء، وكانت فيها يومئذٍ حضارة زاهرة، حسب ما روى ياقوت الحموي.

وقد كان حكم اللاذقية حكم أنطاكية، كانت في يد الروم زمن المعري، وقد تعلم المعري في اللاذقية، كما تعلم في أنطاكية، ففيما روى القفطي والذهبي أنه نزل بديرٍ فيها، “ولقي بهذا الدير راهبًا قد درس الفلسفة وعلوم الأوائل”، بلغة طه حسين، أو باختصار: أخذ عنه اليونانيات، فما علوم الأوائل هذه التي كانت تُقرأ في الأديرة تحت حكم الروم، إلا آداب اليونان وفلسفتهم في لغتها الأصلية، والحق أنه لا يُعرف شيء عن تعليمه الرسمي حتى سن العشرين، وهي سن التكوين، إلا أنه تعلم في حلب، ثم في أنطاكية، ثم في اللاذقية، ثم في طرابلس، ومثل هذا الغموض الذي أحاط بتكوينه العقلي حتى سن العشرين، يحيط أيضًا بحياته كلها فيما بين العشرين والخامسة والثلاثين، حين نجده يقيم في المعرة خمس عشرة سنة بين (383هـ) و(398هـ)، وبها عاش تحت الحمدانية، والفاطمية، والمرداسية، والروم”.

[الصفحة 22]

نقلتُ كل هذا مضطرًّا، على ما فيه من الركاكة والسقم، ولكنهما لا يحولان دون إدراك حقيقة ظاهرة، هي أن الأخبار المذكورة كلها حقائق مفروغ من دراستها، وظاهرٌ أن الدكتور لويس عوض لم يطلع على شيء قط مما كُتب عن المعرى، إلا على كتاب الدكتور طه حسين وحده، لا في العربية، ولا في غيرها من الألسنة التي يقول عن نفسه: إنه درسها، وسأدع خلطًا كثيرًا معقدًا كتعقيد “الجو السياسي” الذي أعاش فيه شيخَ المعرة؛ لأكشف عن هذه الحقائق التي أراد أن يجعلها من البديهيات المسلَّمة، فهو يزعم أن المعري تعلم بأنطاكية وهو صبي، وأنه كان يختلف إلى مكتبتها مع أسامة بن منقذ، وهذه هي القصة كما ذكرها الدكتور طه في كتابه “ذكرى أبي العلاء”، في شأن رحلته إلى أنطاكية، قال:
“نعم، إن التاريخ لا يوقت لنا هذه الرحلة، ولكن رواية تُؤثَر عن أسامة بن منقذ خبرتْنا أنه لقي بأنطاكية صبيًّا مجدورًا، ذاهبَ البصرِ، يتردد على مكتبتها، فامتحنه، فبهره حفظُه واستظهاره، ثم سأل عنه فقيل: هو أبو العلاء أحمد بن عبدالله بن سليمان المعري، ولا شك في أن هذه الرواية، إما أن تكون منتحلة، وإما أن يكون اسم أسامة قد وقع فيها خطأ، موقع اسم أحد آبائه من أبناء منقذ، فإن أسامة ولد سنة 488؛ أي: بعد موت أبي العلاء بنحو أربعين سنة”.
وهذه بلية من البلايا؛ فأستاذ جامعي ينقل من كتاب، يعترف هو بلسانه أن صاحبه كان هو مفتاحه الأول – ويا للعجب! – إلى أدب المعري في حداثته، وفي شبابه، وفي كهولته (أي هو مشغول بالمعري طول حياته)، ثم لا يقرأ إلا أسطرًا، ثم يقفز فلا يرى ما قاله صاحب الكتاب في نقد هذا الخبر، أيُّ بلية أكبر من هذه البلية على صاحب المنهج؟! وليته اقتصر على هذه البلية؛ بل زادها بليةً أخرى، فنصُّ الخبر – كما ذكره الدكتور طه – يقول: إن أسامة بن منقذ لقي صبيًّا مجدورًا، يتردد على مكتبه أنطاكية، فيأتي هو فيزعم أنه كان يختلف إلى مكتبتها مع أسامة بن منقذ؛ حتى يوهمك أنهما قرينان أو صديقان، ثم يتمم البلايا بادعاء وتظاهر، فيقول: “فيما روت كتب القدماء”، كأنه عرف ما هذه الكتب، وكأنه زاد على الدكتور طه، فاطلع على ما لم يطلع عليه.

[الصفحة 23]

وهذا بالطبع تنفخ غث، يؤذي كل دارس، لا سيما إذا عرفت أن ذكر “أسامة بن منقذ” لم يرد إلا في كتاب واحد، هو كتاب “الصبح المنبي”، وهو كتاب مطبوع للشيخ يوسف البديعي، المتوفى سنة 1073 من الهجرة، والبديعي نفسه يذكر القصة في كتاب له آخر، وهو مطبوع، اسمه: “أوج التحري”، فيقول: “نقل عن ابن منقذ” بإسقاط “أسامة”، والبديعي متأخر جدًّا، وهو – وإن لم يصرح – قد نقل ذلك عن ابن العديم (588 – 660هـ)، وهو من أعيان حلب، في كتابه “الإنصاف والتحري، في دفع الظلم والتجري، عن أبي العلاء المعري”، وهو كتاب مطبوع أيضًا، وفيه الخبر مسندًا إلى صاحبه الأول:
“حدثني والدي – رضي الله عنه وأرضاه – يرفعه إلى ابن منقذ، قال: كان بأنطاكية…”، وساق الخبر بطوله، فلما فرغ منه قال: “وهذه الحكاية فيها من الوهم ما لا يخفى، وذلك أنه قال: كان بأنطاكية خزانة كتب، إلى آخر ما ذكره، وهذا شيء لا يصح؛ فإن أنطاكية أخذها الروم من أيدي المسلمين في ذي الحجة سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمائة، وولد أبو العلاء بعد ذلك بأربع سنين وثلاثة أشهر، في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وبقيت أنطاكية في أيدي الروم إلى أن فتحها سليمان بن قطلمش، في سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وكان أبو العلاء قد مات قبل ذلك في سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وأخلاها الروم من المسلمين حين استولوا عليها، فلا يتصور أن يكون بها خزائن كتب، وخازن، وتُقصد للاشتعال بالعلم.

ويحتمل عندي أن يكون هذا بكفر طاب، فقد كانت كفر طاب مشحونة بأهل العلم، وكان بها مَن يقرأ الأدب ويشتغل به، قبل أن يهجُمَها الفرنج، وهجمها الفرنج في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وكانت لأبي المتوج مقلد بن نصر بن منقذ في أيام أبي العلاء، فلعله تصحف كفرطاب بأنطاكية، وتصحيفها غير مستبعد، فإن كان كذلك، فابن منقذ الحاكي لهذه الحكاية هو أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ، أو أبوه نصر، وكفر طاب قريبة من معرة النعمان”، ثم ذكر احتمالاً آخر: أن يكون ذلك بحلب، واستدل عليه.

وقد أطلتُ بنقل هذا؛ لترى أي منهج كان يسير عليه علماؤنا في نقد الأخبار منذ أكثر من سبعة قرون ونصف، على عهد ابن العديم، أقول: لو عرفت هذا، فأنت بالخيار في وصف عمل الدكتور لويس عوض وقوله؛ أن تصفه بأنه تنفخ غث، أو بأنه علم مستحدث!!

[الصفحة 24]

هذا، وابن العديم يستنكر أن تُقصد أنطاكية للاشتغال بالعلم، والدكتور لويس عوض يريد الناسَ على أن يسلِّموا له أن أبا العلاء “تعلم بها وهو صبي”، وهذا لا يصح بالطبع، ولو ادعى أنه ممن كشف عنه الحجاب، فعلم علم الماضي والحاضر والمستقبل، وصدر “دكريتو” بأنه من القديسين؛ لأن هذا شيء لا يعرف إلا بالخبر المسند، لا بالتكهن والتنبؤ، ولو اطلع الدكتور على ما كتبه بعضُ المحدَثين في نقد هذا الخبر وأشباهه في شأن رحلة أبي العلاء، لعرف – إن كان بقي له شيء من حسن الحفاظ على الأمانة – أن إلقاء هذا القول بهذه الصورة أمر مستشنع، ومع ذلك فإني لم أتناول نقد هذا الكلام إلا مِن وجه واحد، أما الوجوه الأخرى، فسأدعها إلى حينها.

ثم تجيء بليَّة أخرى أكبر من أختها، إذ يقول: “وقد تعلم المعري في اللاذقية، كما تعلم في أنطاكية، ففيما روى القفطي والذهبي أنه نزل بدير فيها…” إلى آخر ما نقلته آنفًا، وهو بلا شك أيضًا لم يعرف هذا إلا في كتاب الدكتور طه حسين، وكتاب الدكتور طه ألف منذ أكثر من خمسين سنة؛ أي: في نحو سنة 1913، ونشرت بعد ذلك كتب كثيرة من أصول المراجع لترجمة أبي العلاء، لم يطلع عليها الدكتور يومئذٍ، هذا فضلاً عن أنه كتب كتابه وهو دون الخامسة والعشرين من عمره، أطال الله بقاءه، وعسى أن يكون الدكتور اليوم لا يرضى عن كثير مما كتب يومئذٍ، ويرى – وهذا هو العهد به – أن لو أطاق لأعاد كتابة ما مضى على الوجه الذي يرتضيه، بعد أن استحكمت قوَّته، واتسع علمه، وسأقص قصة ذلك بإيجاز.

فبين أيدينا اليوم من الكتب التي ترجمت لأبي العلاء أكثرُ من ثلاثين كتابًا، من بينهم القفطي والذهبي اللذان ذكرهما الدكتور طه، واتكأ عليهما الدكتور لويس عوض، وأي دارس جامعي مبتدئ، مفروض فيه أن يضع هذه التراجم جميعًا بين يديه، ويرتبها ترتيبًا تاريخيًّا؛ ليعرف مصادر الأخبار التي جاءت فيها، وإليك بيانَها مختصرًا:

[الصفحة 25]

1- الثعالبي (350 – 429هـ).
2- الخطيب البغدادي (392 – 463هـ).
3- الباخزري (… – 467هـ).
وهؤلاء الثلاثة معاصرون لأبي العلاء.
4- ثم السمعاني (506 – 562هـ).
5- وابن الأنباري (513 – 577هـ).
6- وابن الجوزي (510 – 597هـ).
7- والقفطي (568 – 646هـ).
8- وياقوت الحموي (574 – 626هـ).
9- وابن الأثير (555 – 630هـ).
10- وسبط ابن الجوزي (581 – 654هـ).
11- وابن العديم (588 – 660هـ).
12- وابن خلكان (608 – 681هـ).
13- وأبو الفداء (672 – 732هـ).
14- والذهبي (673 – 748هـ).
15- وابن الوردي (… – 749هـ).
16- وابن فضل الله العمري (700 – 749هـ).
17- والصفدي (696 – 764هـ).
18- واليافعي (700 – 768هـ).
19- وابن كثير (701 – 774هـ).

[الصفحة 26]

20- وابن الشحنة (749 – 815هـ).
21- وابن حجر (773 – 852هـ).
22- والعيني (762 – 855هـ).
23- وابن تغري بردي (813 – 874هـ).
24- والسيوطي (849 – 911هـ).
25- وعبدالرحيم العباسي (867 – 963هـ).
26- وابن العماد الحنبلي (1032 – 1089هـ).
27- ويوسف البديعي (… – 1073هـ).
28- والعباسي الموسوي (الثاني عشر الهجري).

فأي أستاذ جامعي – حقيق بأن يُسمى أستاذًا – يستطيع أن يغفل الاطلاعَ على هذا كله، ويقتصر على نقلٍ من كتاب محدَث، أُلِّف منذ أكثر من خمسين سنة، ويتجاهل كل ما كتبه المحدثون بعد هذا الكتاب؟! إلا أن يكون في دراسته ملفقًا، متعجلاً، طياشًا، لا يرعى لشيء حرمة، وأنا لا أستعمل هذه الكلمات إلا لأن الأمر خرج عن طوره، وهدد مستقبل الفكر الأدبي تهديدًا مفزعًا، لا يعلم عواقبه إلا الله، وسأريك مكان هذه القصة التي ألقاها الدكتور لويس عوض ملقى البديهيات التي فُرغ من التسليم بها.

فالثلاثة الأول الذين عاصروا شيخ المعرة، ومنهم الخطيب البغدادي الحافظ المؤرخ – لم يذكروا هذه القصة، مع أنهم أشاروا إلى مقالة بعض الناس في إلحاده، ثم الثلاثة الذين يلونهم (4، 5، 6)، فقد أساؤوا القالة في دِين أبي العلاء بتحامل شديد، ومع ذلك لم يذكروا هذه القصة، وآخرهم ابن الجوزي المتوفى سنة 597، وبين وفاته ووفاة المعري 148 سنة، ثم يجيء سابعهم، وهو القفطي، الذي ذكره الدكتور لويس، نقلاً عن الدكتور طه بلا ريب، وبين مولده ووفاة أبي العلاء مائة وعشرون سنة، فهو أول مَن يعقد في كتابه “إنباه الرواة” (1/ 46 –

[الصفحة 27]

83) فصلاً طويلاً في ترجمة أبي العلاء، وأكثر أخباره فيها مسندة إلى قائل أو راوٍ، إلا هذا الخبر، الذي أسوقه بنصه:
“ولما كبر أبو العلاء، ووصل إلى سن الطلب، أخذ العربية عن قوم من بلده، كبني كوثر، ومَن يجري مجراهم من أصحاب ابن خالويه وطبقته، وقيد اللغة عن أصحاب ابن خالويه أيضًا، وطمحت نفسه إلى الاستكثار من ذلك، فرحل إلى طرابلس الشأم، وكانت بها خزائن كتب قد وقفها ذوو اليسار من أهلها، فاجتاز باللاذقية، ونزل دير الفاروس، وكان به راهب يشدو شيئًا من علوم الأوائل، فسمع منه أبو العلاء كلامًا من أوائل أقوال الفلاسفة، حصل له به شكوك لم يكن عنده ما يدفعها به، فعلق بخاطره ما حصل به بعض الانحلال، وضاق عطنه عن كتمان ما تحمله من ذلك، حتى فاه به في أول عمره، وأودعه أشعارًا له، ثم ارعوى ورجع، واستغفر واعتذر، ووجه الأقوال وجوهًا احتملها التأويل.

فهذا خبر يحمل في خلاله تكذيبَه، وسياقه مضطرب مناقض للواقع، كما سأبين ذلك فيما بعد، وقد انفرد به القفطي، وهو مصري، وبين مولدِه ووفاة أبي العلاء مائة وعشرون سنة، ولم يذكره أحد من معاصري شيخ المعرة، مع تحاملهم عليه، وذكرهم إلحاده، ولا أحد ممن جاء بعدهم إلى وفاة القفطي سنة (646هـ).

ويأتي مع القفطي المصري ياقوت الحموي معاصرًا له (574 – 626هـ)، وهو مؤرخ متمكن، شديد التحري، وهو شامي، حموي، قريب من ديار شيخ المعرة(1)، خبير بأخبار أهل الشام، فيعقد في كتابه “إرشاد الأريب” ترجمة لأبي العلاء مطولة جدًّا (1/ 162 – 216)، فلا يذكر هذا الخبر، مع درايته التامة بأحوال أهل الشام، ومع ما كتبه من أخبار كثيرة في إلحاد أبي العلاء، ويتمادى الزمن بالمؤرخين لشيخ المعرة، وهم من كبار المشتغلين بالتاريخ، من ابن الأثير المتوفى سنة (630هـ)، إلى سبط ابن الجوزي، إلى ابن خلكان، إلى أبي الفداء المتوفى (732هـ)، فيذكرونه بالسوء، حتى رماه بعضهم بالكفر، ثم لا يذكر أحد منهم هذه الحكاية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- انظر: التعليق على وصف ياقوت بأنه “شامي” في حاشية أثبتها في آخر المقالة الثانية.

[الصفحة 28]

حتى إذا جاء الذهبي، وهو من كبار مؤرخي الإسلام، فيذكر ترجمة أبي العلاء في كتابه “تاريخ الإسلام”، ويسوقها بهذا اللفظ:
“أخذ العربية عن أهل بلده، كبني كوثر، وأصحاب ابن خالويه، ثم رحل إلى طرابلس وكانت بها خزائن كتبٍ موقوفة، فاجتاز باللاذقية، ونزل ديرًا بها كان به راهب له علم بأقاويل الفلاسفة، وسمع أبو العلاء كلامه، فحصل له به شكوك، ولم يكن عنده ما يدفع به ذلك، فحصل له بعض انحلال، وأودع ذلك بعض شعره، ومنهم مَن يقول: ارعوى وتاب واستغفر”.

وواضح جدًّا أن “الذهبي” إنما نقل عن “القفطي” الذي انفرد إلى سنة 646هـ برواية هذا الخبر، ولكنه اختصره وغيَّر بعض ألفاظه، ومهم للدارس الجامعي – بل لكل ذي عقل لم تتلفْه رعونةٌ أو إدمان – أن ينظر فيما فعله الذهبي، فإن “القفطي” يقول: “وكان به راهب يشدو شيئًا من علوم الأوائل، فسمع منه أبو العلاء كلامًا من أوائل أقوال الفلاسفة”، وفي هذا بيان واضح على أنه راهب مبتدئ قليل البضاعة، قد تخطف كلمات من أوائل (أي: من مبادئ) أقوال الفلاسفة، فجاء الذهبي، فقال في صفة هذا الراهب: “كان به راهب له علم بأقاويل الفلاسفة”، فرفع باختصاره شأن هذا الراهب المبتدئ الشادي، بما يوهم أن له علمًا بأقاويل الفلاسفة، وهذا عمل غير مرضي، وإساءة من الذهبي.

وخبر القفطي مبِين أشد الإبانة عن أن أبا العلاء كان يومئذٍ في سن الطلب، وأنه “حصل له به شكوك لم يكن عنده ما يدفعها، فعلق بخاطره ما حصل له به بعض الانحلال، وضاق عطنه عن كتمان ما تحمله من ذلك، حتى فاه به في أول عمره، وأودعه أشعارًا له”، فحذف الذهبي ذِكر السن، وأنه فاه به في أول عمره، فأوهم أن ذلك كان في وقت متأخر، وهذه إساءة أخرى من جراء الاختصار، سيظهر أثرها فيما بعد.

ثم يأتي ابن الوردي، وهو مؤرخ معاصر للذهبي، ومن معرة النعمان نفسها، فلا

[الصفحة 29]

يذكر هذه القصةَ، وكذلك لم يذكرها ابن فضل الله العمري، وهو معاصر لهما، ولكن يأتي الصفدي، وهو معاصر لهما، فيذكرها باختصار أشد، يقول في كتابه “الوافي بالوفيات”، وكتابه “نَكت الهِمْيان” (ص: 103):
“وكان رحل أولاً إلى طرابلس، وكانت بها خزائن كتب موقوفة، فأخذ منها ما أخذ من العلم، واجتاز باللاذقية، ونزل ديرًا كان به راهب له علم بأقوال الفلاسفة، سمع كلامه فحصل له بذلك شكوك”، فاختصر كلام الذهبي كما هو واضح، ونقل عنه بلا ريب.

ويجيء اليافعي، وهو معاصر لهم، فلا يذكر شيئًا، ويذكره معاصر لهم آخر، هو ابن كثير، فيسوق العبارة هكذا:
“ويقال: إنه اجتمع براهب في بعض الصوامع، في مجيئه من بعض السواحل، أواه الليلَ عنده، فشككه في دين الإسلام”.
فجاء بلفظ آخر مخالف، وأغفل ذكر علم الراهب بأقوال الفلاسفة، وجعل نزوله بالراهب ليلة واحدة، وذكر ذلك كله بلفظ التمريض والارتياب: “ويقال”.

وينقضي الزمن منذ ابن كثير المتوفى سنة (774)، حتى يأتي ابن الشحنة وابن حجر، فلا يذكران شيئًا، إلا العيني، وهو معاصر لهما، فينقل ما قاله ابن كثير بلفظه؛ أي: إلى سنة (855هـ)، ثم يغفله ابن تغري بردي، ويذكره السيوطي المتوفى سنة (911هـ) نقلاً عن الصفدي، ثم عبدالرحيم العباسي (توفي 963هـ)، فيردد كلام الصفدي، ثم يغفله ابن العماد الحنبلي (1089هـ)، ولا يذكره إلا العباسي الموسوي (المتوفى في القرن الثاني عشر).

وبيِّن جدًّا من هذا السياق المختصر لتسلسل القصة التاريخي، أنه لم يذكره ممن ترجم لأبي العلاء سوى تسعة من ثمانية وعشرين، وأنه قد انقضى ما بين الثعالبي إلى ابن الجوزي؛ أي: إلى سنة (597هـ)، ما بين معاصرين لشيخ المعرة وغير معاصرين، وإلى ما بعد وفاة أبي العلاء بأكثر من مائة وخمسين سنة، والخبر غير معروف، مع إغراق بعض هؤلاء في النيل من شيخ المعرة ودِينه.

[الصفحة 20]

حتى إذا جاء القفطي (568 – 646هـ) انفرد وحده برواية الخبر، بلا إسناد إلى أحد، وفيه علل قادحة في صدقه، سأبينها فيما بعد هذه المقالة، ومن أشد ما يشكِّك فيها بعد ذلك، أن ابن العديم المعاصر للقفطي المصري (588 – 660هـ)، وهو مؤرخ شامي مستوعب لأخبار الشام وأهله، يؤلف كتابًا في “دفع الظلم والتجري، عن أبي العلاء المعري”، ويحشد فيه كل قدحٍ قِيلَ في الرجل أشد من هذا الخبر، فلا يكون له علم به ولا معرفة.

فبأي وجه بعد ذلك، يأتي أستاذ جامعي يتبجح بذكر الأسماء، ويحشدها من كل أوب وصوب؛ ليوهم أنه قد قرأ ودرس، واستوعب ومحص واستخلص، فيعمد إلى خبر انفرد بروايته القفطي، والثمانية الباقون نقلوا عنه نقلاً مع بعض التصرف؟! وإذًا فهو خبر غريب لا يسلم، فيأتي هو بالخبر ملقى على ما يوجب التسليم به، وهو مع كل ذلك منقول من كتاب محدَث، ألفه صاحبه منذ أكثر من خمسين سنة، وهو في نحو الخامسة والعشرين من عمره، وقبل أن تطبع الكتب التي ذكرناها آنفًا، فلم يطلع على شيء منها، ومع كل ذلك أيضًا، فهو ينقله باختصار موهم مفسد؛ لأن صاحب “ذكري أبي العلاء” يقول:
“قال القفطي والذهبي: فمر في طريقه باللاذقية، فنزل بدير فيها، ولقي بهذا الدير راهبًا قد درس الفلسفة وعلوم الأوائل، فأخذ عنه ما شككه في دينه وفي غيره من الديانات، قال: ونم عليه بذلك شعر الصبا، ثم استغفر وتاب، والتمس لكلامه وجوهًا من التأويل قُبلت منه، ولكنهما لم يرويا شيئًا من هذا الشعر”، هذا نص كلامه، وواضح أنه لا القفطي ولا الذهبي قال ذلك؛ بل وصف القفطي الراهب بما يشعر بأنه شادٍ مبتدئ، يتخطف نبذًا من علوم الأوائل؛ أي: من مبادئ أقوال الفلاسفة، وأنه لا درس، ولا فقه، ولا علم، كما قال الدكتور طه، حين غيَّر لفظ القفطي ولفظ الذهبي، إلى لفظه هو، وهذا أمر غير حسن، لا أظن الدكتور طه يرضى عنه اليوم؛ لعلمي بما هو عليه من حب الأوبة إلى مقالة الحق.

أما فعل الدكتور لويس عوض، فليس فعل دارس جامعي؛ لأنه نقل صدر كلام الدكتور طه، فقال: “ولقي بهذا الدير راهبًا قد درس الفلسفة وعلوم الأوائل”،

[الصفحة 31]

واقتصر على هذا، وأتبعه تفسيرًا جديدًا، وكأنه أنكر لغة الدكتور طه؛ لقدمها، وغموضًا، وطولها، فقال: “أو باختصار أخذ عنه اليونانيات، فما علوم الأوائل هذه التي كانت تقرأ في الأديرة تحت حكم الروم، إلا آداب اليونان وفلسفتهم في لغتها الأصلية”، هكذا “خبطًا لزقًا” يا دكتور لويس، ما أجرأك على تاريخ الروم واليونان وتاريخ الأديرة! وإذا كنت على هذه جريئًا كل هذه الجرأة، فليس بمستغرب أن تكون على تاريخ أهل الإسلام أجرأ.

وإذًا باختصار، كما يقول الدكتور لويس، فهو في هذه الأسطر القلائل التي كتبها، لم يفعل فعل أستاذ جامعي؛ بل ذكر “المنهج” في أول كلامه إبهامًا، إن لم أقل ترديدًا لشيء سمعه قديمًا، أيام كان يشدو آداب اللغة الإنجليزية، ولكنه بقي إلى اليوم لا يدري ما هو؟ ولا كيف يكون؟ سأتابع القول فيما بعد لأن العرض مستمر.

المصدر: أباطيل وأسمار، الجزء الأول، 17-32.