لاَ تَنْقَضِي

لاَ تَنْقَضِي

الآن نطرحه جانبًا؛ أعني: لويس عوض، فإنَّه لا خير فيه، لا، لا، فأنا أكره الظلم، ولا أحبُّ أن أظلمَ الرجل، فإنَّ له فضيلةً وفضلاً، أمَّا فضيلته فإنَّه مريح جدًّا لِمَن يُحسن أن يستخدمه، أرأيتَ إلى الدُّمية التي تدير مِفتاحها لتملأها، فإذا هي تحرِّك يديها وتمشي برجليها، وتترنَّح أحيانًا وتعتدل، وتختال أحيانًا وتستقيم، وتبتسم حينًا، وتوشك تبكي حينًا آخر، وتفتح عينيها تارة، وتُغمض جَفْنيها تارة أخرى، ولولا قضاءُ الله على الجماد لنطقت، ولولا قضاؤه لظلَّت تأتي من ذلك ما تأتي إلى غير انقطاع، ومحرِّكها في خلال ذلك ساكنٌ قارٌّ لا يبالي، ولا عليه أن لا يتدخل في أعمالها؛ لأنَّها قلَّما تُخطئ في عمل؟!

إن تكن هذه عجيبة، فلويس عوض أعجب منها، فقد ملأه مالئه منذ دهر ثم تَرَكه، وضبطه إلى أهداف بعينها، ثم أطلقه فانطلق يجوس خلالَ الآداب عامَّة، ثم الآداب العربية خاصَّة، وهو لا يكاد يرى إلاَّ ما رُكِّب لأجله: لا يكاد يَرَى إلاَّ اليونان، والروم، والقرون الوُسطى، والمثقَّفين والحضارة الحديثة، والحروب الصليبيَّة والصلبان، والخلاص والفِداء، والخطيئة وكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشِّعر العربي، واللُّغة العامية، والفتح الإنجليزي لمصر سنة (1882)، وما شئتَ من أمثال ذلك ممَّا ضمَّنه كُتبَه ومقالاتِه قديمًا وحديثًا، فهذا التركيب الموجَّه (!!) لا يكاد يرى ابنَ خلدون إلاَّ مقرونًا بأورسيوس، ولا المعريَّ إلاَّ مقرونًا براهب دير الفاروس وبالحروب الصليبيَّة، وبالصلبان التي غصَّت بها حلب (!!) ولا ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَان ﴾، وهي من آيات العذاب يومَ القيامة، إلاَّ مقرونة بروزا مستيكا (مريم العذراء)، ومعاذ الله، وبرَّأها ممَّا في عقله من السمادير، ولا يكاد يرى عمر مكرم، وعرابي وجمال عبدالناصر إلاَّ مقرونين بالمعلِّم يعقوب رئيس الخونة المظاهرين للفرنسيس الغُزاة أيَّام نابليون، ولا توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ،

[الصفحة 89]

وصلاح عبدالصبور، إلاَّ مقرونين بعقائد الخلاص والفِداء والخَطيئة، ثم تأتي الطامَّة الكبرى، فلا يكاد يرى القرآن العظيم إلاَّ مقرونًا بترجمته إلى اللغة العامية.

كما ترجم الإنجيل إلى اللُّغات الحديثة، وهي عامية اللاَّتينية، وإلاَّ مقرونًا بكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشِّعر العربي، وهنا وهناك تراه طائشًا، زائغَ العينين، خفيف العقل، سليط اللِّسان، قد استرختْ مفاصلُ عقله، وانحلَّت تلافيفُه، هذا والذي أطلقه واقفٌ من بعيد ينظر، وفي عينيه الدَّهشة، ويَحُكُّ ذقنه بيده، ويفترُّ ثغره عن ابتسام، إعجابًا باختراعه المُدهش الذي ركَّبه وأطلقه، ولم يكن يظنُّ ظنًّا أنَّه قادر على أن يتحرَّك في عمود واحد من إحدى الصُّحف السِّرية!! فإذا به (يبرطع) في ثمانية أعمدة، في أكبر صحيفة في العالَم العربيِّ والإسلامي، هي الأهرام، وعلى أشرف منصَّة في معهد الدِّراسات العليا التابع للجامعة العربية، ويأتي في خلال برطعته (وهي البَلْتَعة بالفُصحى) بالعجائب التي لا تنقضي، وقد ارتدى طيلسان أستاذ جامعي، بلا حسيب ولا رقيب.

وهذا نجاح مُدهِش ولا شكَّ، وحُقَّ لمالئه أن يَميد به الغرور وتستخفَّه الخيلاء باختراعه هذا العجيب، فهذه هي الفضيلة التي لا تُنكر للاختراع المسجَّل (لويس عوض).

وأمَّا فضل هذا الاختراع المذهل (لويس عوض) فإنَّه جَمَع في كل ما كتب عامَّة، وفي مقالاته التِّسع عن شيخ المعرة ورسالة الغفران خاصَّة، ضروبًا من الخَطَل، والتُّرهات، والسمادير، والألاعيب، والنزق، واللكاعة والهوج، والخُباط (بضم الخاء، وهو التخبُّط بلا عقل) ما يعجزك أن تجمعَه من كلام المستشرقين والمستغربين برُمَّتهم، من أقصى الشَّمال إلى أقصى الجنوب، ففاق في ذلك أمثالَ لامنس (المعروف بالأب لامنس)، ولويس شيخو (المعروف بالأب لويس شيخو، وإن كانا في الحقيقة أخفَّ منه ظلاًّ على كلِّ حال، وأعقل (ولا أدري هل يجوز هنا أن يأتي أفعل التفضيل من “العقل”، ولكن هكذا كتبته ولا حرج)، فبهذا الحشدِ الهائل ممَّا ذكرتُ آنفًا، أتاح لي لويس عوض أن أجعله محورَ المقالات التي أردتُ أن أكشف بها الغطاء عن ضروب من الهوس والمَخْرقة،

[الصفحة 90]

لم تزل منتشرة في كلام مَن سَبَقه ولحقه مِن قديم الآباد، فهذا أيضًا فضلٌ له لا أجحده، وإلاَّ ظلمته ظلمًا مبينًا، وأنا أكره الظلم، ولا أرضاه، ولا أُعين عليه.

أمَا وقد برئتُ من ظلم المطروح جانبًا لويس عوض، فإنِّي أعود إلى ما قطعني عنه انتهاؤه ممَّا سمَّاه (بحثًا)، وهذه إحدى الأعاجيب: لا أدري كيف تُطيق اللغات أحيانًا أن تخادع عقول الناس؟! فاللَّعب ربما سُمِّي “اختراعًا”، والجنون ربَّما سمِّي “ذكاء”، والفجور ربَّما سُمِّي “جرأة”، والعبث ربما سمِّي “بحثًا”! بعض ما يُحيِّرني في أمر اللغات اليوم، نعم، قد كان قديمًا شيءٌ يقال له: “العقل”، يحول بين الناس وإساءةِ استعمال اللُّغة، أَمَا وقد ذهب “العقل” فمَن لنا باختراع جديد يَحمي لغات البشر من إساءة استعمالها؟ هذا ما يُحيِّرني، ولزم التنويه، كما قال لويس عوض.

وبعد، فأهلاً وسهلاً براهب دير الفاروس، فحديثُه كله تفاريح، ولكنِّي أحبُّ ألاَّ أغادر هذا الحديث حتى أستصفيَ مادته، وأجعله مثلاً لِمَن يريد أن يدارس الآداب على وجه صحيح، لا تسوقه إليه حماقةٌ أو تسرُّع، فعلى أنَّ خبر القفطي عن راهب دير الفاروس ليس سوى خبر لقيط، سقط في كتابه لغير رشدة؛ (أي: كالولد الذي ليس له أبٌ ينتمي إليه مع تناقض أجزائه واضطراب سياقه، ومباينته للمعلوم بالضَّرورة من حياة شيخ المعرَّة، ومن شعره أيضًا، ومع تبين بطلانه من وجوه كثيرة ذكرتها آنفًا فهو أيضًا خبرٌ عليه توقيع ظاهر لمخمورٍ تالِف من علوج الشام، وزواقيل الجزيرة (وهم بقايا أغتام الرُّوم بالشام بعدَ الإسلام)، وذلك التوقيع هو ما في بعض عبارته من رطانةٍ وطُمطُمانيَّة غير عربيَّة، ومع كلِّ ذلك فنصُّ الخبر يحمل الدليلَ القاطع، على أنَّ هذا المخمورَ التالفَ أذكى عقلاً، وأشدُّ فِطنة، وأحسن خُلقًا ممَّن جعل هذا الخبر برهانًا على تعلُّم شيخ المعرَّة من راهب دير الفاروس.

فهذا التالف يذكر أنَّ أبا العلاء لَمَّا كَبِر وخرج من معرَّة النعمان قصد طرابلس “فاجتاز باللاَّذقية، ونزل ديل الفاروس” فهذه ألفاظ قليلة واضحة، مَن أخذها بغير حقِّها غمضت عليه، وأوقعته في الدهاريس (وهي الدواهي)!!

[الصفحة 91]

فأنت تقول: “جُزت الطريق” إذا سِرْت في جَوْزه؛ أي: وسطه، وسلكته نافذًا إلى غايتك، ثم تقول: “أجزت الموضع” إذا سِرت في جَوْزه وقطعته وخلَّفته وراءَك، فزيادة الألف زادتْ في معناه شيئًا، فإذا زدت في بِناء الكلمة، فقلت: “خرجت من داري فاجتزت بدار فلان”، فمعنى ذلك أنَّك مررت بها، وخلَّفتها وراءَك غير متوقِّف، ولا يكون معناها أبدًا أنَّك نزلتَ داره وأقمت فيها؛ لأنَّه مناقِض لاشتقاق اللُّغة، فإذا جئت إلى مسافر طويل الرِّحلة فقلت: “اجتاز بالبلدة”، فأنت بالخيار في استعمالها أن تريد: مرَّ بها وتخطَّاها غير متوقف، أو تريد: مرَّ بها ثم توقَّف ساعة أو ساعتين، أو ليلة أو ليلتين، فتقول: “اجتاز بالبلدة، فنزل دار فلان”، ولكن لا بدَّ من هذه الإضافة: “فنزل بدار فلان”، ولكن هذه الزِّيادة في معنى “اجتاز” لا تأتي من أصْل الاشتقاق، ولكن من شيء خارج، وهي أنَّ المسافر الطويل الرِّحلة لا بدَّ له من وَقْعة ونزول عن راحلته ليستجمَّ هو، وليريح راحلتَه، ويُصلح رَحلَه وإداوته، ويتزوَّد لسفره بطعام وماء، ثم ينطلق، فهذه فترة استجمام لا فترة إقامة، وهي قليلةٌ معدودةُ الساعات أو اللَّيالي، لا تزيد عن ليلتين أو ثلاث، وهذا صريح استعمالها، كالذي يجيء في العهود بينَنَا وبين أهل الذِّمة، ففي كتاب حبيب بن مَسْلَمة الفِهْرِي في فتح أَرْمِينية على عهد عثمان- رضي الله عنه- يقول: (الأموال: 209، فتوح البلدان 209):

“ولنا نصيحتكم وضَلْعكم (أي: الميل والمعونة) على عدوِّ الله ورسوله والذين آمنوا فيما استطعتُم، وقري المسلم المجتاز ليلةً بالمعروف من حلال طعام أهلِ الكتاب وحلالِ شرابهم.

فالمجتاز في هذا الخبر هو المسافر الذي يقطع طريقًا طويلاً إلى غايته، فيجتاز بمكان، فيحتاج إلى الرَّاحة والزاد، فينزل ساعة أو ساعات، أو ليلةً إلى ثلاث ليال، ثم يرحل عنه مخلِّفًا وراءَه ذلك المكان، فقول صاحب خبر الرَّاهب حين قال: “فاجتاز باللاذقية” لم يَعنِ سوى أنَّه مرَّ بها وخلَّفها وراءَه غير متوقِّف، وسنرى أنَّه لا يمكن أن يكون دَخَل اللاَّذقية أو أقام بها، هذه واحدة.

أمَّا قوله: “ونزل بدير الفاروس”، فمعنى “نزل بالمكان” هو أنَّه أقام به قليلاً

[الصفحة 92]

ثم رَحَل، فإنَّ أصل “النزول” في لغة العرب هو الهُبوط والانحدار من عُلو إلى سُفل، تقول: “نزل الراكب عن دابته”، و”نزل المطر”، و”نزل في بئر” وأمثال ذلك، ولَمَّا كان المسافِر البعيد الشُّقَّة أكثر ما يكون راكبًا، قالوا له إذا مرَّ بمكان، فأراد أن يريح دابَّته ويتزوَّد لرحيله، فحطَّ به ساعة، أو ليلة، أو ثلاث ليال على الأكثر: “نزل بالمكان”؛ أي: نزل عن دابته ليريحَها، ثم يُقيم للراحة قليلاً، ثم يرتحل، وذلك الموضع الذي نَزَل به هو “المنزل”، ومن أجْلِ ذلك سَمَّوا الضيفَ الذي يمرُّ بك، ثم يرحل عنك غير مقيم: “النَّزيل”، وسَمَّوا ما تُهيِّئه له من القِرى: “النُّزُل” (بضم النون، وضم الزاي أو سكونها)؛ لأنَّه يُقدَّم لِمَن ينزل بهم، وأمَّا الذي نسميه اليوم “المنزل” حيث نُقيم نحن، فإنَّما هو في العربية: “البيت”، و”الدار”، هذه ثانية.

فهذان اللَّفظان: “اجتاز”، و”نزل” مجتمعَين في جملة بالعطف، أو منفردين، لا يدلاَّن البتةَ على إقامة طويلة بمكان، إلاَّ كحُسْوة الطائر في مسافة السَّفر، فهي إقامةُ ساعة أو ساعات، أو ليلة إلى ثلاث ليال على الأكثر، هذا كلُّ ما تستطيع أن تُطيقه اللُّغة، وما يؤدِّيه أصل الاشتقاق، فمن فهم منهما غيرَ ذلك فقد أساء وأهدر معانيَ الألفاظ، وجَهِل حدود الكلام، وخلط خصائصَ المفردات وجعلَها مترادفاتٍ لا خير فيها، ولا حدَّ لها.

فمن قرأ كلام القفطي والذهبي وقوله: “فاجتاز باللاَّذقية، ونزل دير الفاروس”، فقال كما قال الدكتور طه حسين: “فمرَّ في طريقه باللاَّذقية، فنزل بدير فيها، ولقي بهذا الدير راهبًا قد درس الفلسفة وعلومَ الأوائل، فأخذ عنه ما شكَّكه في دِينه، وفي غيره من الدِّيانات”، ثم قوله بعد ذلك: “فلا شكَّ أنَّه درس هاتين الديانتين (يعني اليهودية والنصرانية) في أسفاره الأولى، فإمَّا أن يكون ذلك في أنطاكية، وإمَّا أن يكون في اللاَّذقية، مَن قال ذلك فقد جاوز الحدَّ، وأساء غايةَ الإساءة؛ لأنَّ صدر الكلام عن الرِّحلة يدلُّ على اجتياز مسافر باللاَّذقية ونزوله بدير، ولا يزيد ذلك عن ساعات أو أيَّام ثلاثة، وأيَّام ثلاثة ليست تُعين على معرفة نبذ يسيرة فضلاً عن دراسة.

ومَن قرأ ذلك، فقال كما قال لويس عوض: “وقد تعلَّم المعريُّ في اللاذقية”،

[الصفحة 93]

فقد بالغ في الإساءة، وخَرَج أيضًا عن حدِّ المعقول، وكلا الرَّجلين- طه ولويس- أهدرَ معنى “اجتاز”، و”نزل”، وأصحُّ منهما إدراكًا لحقائق الألفاظ وما تُوجبه من المعاني: اختصارُ ابن كثير لخبر الرَّاهب، فإنَّه تصرَّف في لفظ القفطي كلَّ التصرف؛ ولكنَّه أصاب حقيقةَ المعنى، فقال: “ويقال: إنه اجتمع براهب في بعض الصوامع، في مجيئِه من بعض السَّواحل، أواه الليلَ عندَه فشكَّكه في دِين الإسلام”، فاستخرج من لفظ القفطيِّ أنَّه نزل عندَ الراهب ليلة واحدة، فهذا اختصار فاهم ومُبين أيضًا، مع دقَّة في الاستنباط، وفي حديث القفطي نفسِه ما يدلُّ دلالة قاطعة على أنَّ الأمر لم يكن “دراسة”، ولا “تعلُّمًا”؛ لأنَّه قال: “فسمع منه أبو العلاء (أي: من الراهب) من أوائل كلام الفلاسفة”، و”السماع” لا يكون دِراسة، ولا تعلُّمًا، بل هي كلمات قلائل سمعها لا غير، وإذًا فالاجتياز باللاَّذقية، ثم النزول بالدير، ثم سماع كلمات قلائل مشككة- كلام متَّسق متناسب، ومطابق لمفهوم اللُّغة، ولا يعقل عاقل أن يجعل هذا المعنى الواضح إقامةً باللاَّذقية والدير، ودرسًا أو تعلُّمًا!! إلاَّ إذا فهمنا اللُّغة على أسلوب ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَان﴾ أنَّها هي “روزا مستيكا”، وسائر العجائب التي لا تنقضي.

وفي هذه الجملة لفظٌ آخرُ هو “دير الفاروس”، فلفظ “الدير” في العربية يدلُّ على بيت النَّصارى الذي يتعبَّد فيه رُهبانُهم، قال ياقوت: “والدير لا يكاد يكون في المِصر؛ (أي: المدينة) إنَّما هو في الصحاري، ورؤوس الجبال، فإن كان في المصر، كانت كنيسةً أو بِيعة، وربَّما فُرِّق بينهما، فجعلوا الكنيسة لليهود، والبِيعة للنصارى” (والبِيعة بكسر الباء)، وإذًا فدير الفاروس- كما تدلُّ عليه اللُّغة، وكما هو معروف إلى اليوم – ليس في مدينة اللاَّذقية نفسها، بل هو بعيدٌ عنها في ظاهرها (ظاهر المدينة خارجها)، وهذا يُطابق صِفة هذا الدير، فإنَّ ابن بطوطة (703 – 779 هـ) مرَّ به في رحلته فوصَفَه، فقال: “وبخارج اللاَّذقية، الدير المعروف بدير الفاروس، وهو أعظم دير بالشام ومصر، يسكنه الرُّهبان، ويقصده النَّصارى من الآفاق، وكلُّ مَن نزل به من المسلمين، فالنصارى يضيفونه”، ومثل ذلك قال ابن

[الصفحة 94]

فضل الله العمري (700 – 749 هـ): “دير الفاروس على جانب اللاَّذقية من شمالها في أرض مستوية، وبناؤه مربع، وهو حسن البقعة”.

فإذْ كان “دير الفاروس” بيقين خارجَ مدينة اللاَّذقية، فمعنى قول صاحب الخبر: “فاجتاز باللاَّذقية، ونزل دير الفاروس”؛ أي: مرَّ باللاَّذقية وخلَّفها وراءَه، ولم يدخلها حتى بلغَ دير الفاروس خارج اللاَّذقية، فنزل به ضيفًا على ما جرى عليه أمرُ أهل الذِّمة مع أهل الإسلام، فأضافه رُهبان الدير، كما قال ابن بطوطة، فمَن زعم أنَّ أبا العلاء “درس اليهوديَّة والنصرانيَّة باللاَّذقيَّة”، ومَن زعم أنَّه تعلَّم باللاَّذقية استخراجًا من هذا الخبر – فهو مبطِل أشدَّ البطلان؛ لأنَّ الدرس والتعلُّم كلاهما يقتضي طولَ الإقامة باللاذقية، والخبرُ بجميعه يدلُّ – كما أسلفت – على أنَّه مرَّ باللاَّذقية وخلَّفها وراءَه ولم يدخلها، وهذا ظاهر فيما أظن؛ لأنَّه مطابقٌ لمعنى اللُّغة ومقتضى اشتقاقها، أليس كذلك؟! وعلى أيِّ وجه قَلَّبتَ كلماتِه، فإنَّه لا ينتهي إلاَّ إلى ما قلت.

وهذا الذي كان يجري بيننا وبين أهل ذِمَّتنا من النَّصارى، مبيَّنٌ في الأحاديث والأخبار؛ ففي حديث أبي الحويرث: “أن النبي- صلَّى الله عليه وسلَّم- ضَرَب على نصارَى أيْلَة ثلاثَمائة دينار كلَّ سَنَة، وأن يُضيفوا من مرَّ بهم من المسلمين ثلاثًا، وألاَّ يَغشُّوا مسلمًا”؛ سنن البيهقي (9: 159).

وفي كتاب عمر – رضي الله عنه – إلى أُمراء أهل الجِزية: “ألاَّ يَضعُوا الجزيةَ إلاَّ على مَن جرت عليه المواسي؛ (أي: مَن بلغ الحُلم)، ويُضيفون مَن نزل بهم من أهل الإسلام ثلاثة أيام”؛ سنن البيهقي (9: 195).

وكتب عمر أيضًا إلى أمراء الأجناد: “أيُّما رُفْقة من المهاجرين آواهم اللَّيلُ إلى قرية مِن قرى المعاهدين من مسافرين، فلم يأتوهم بالقِرى، فقدْ برئِت منهم الذِّمة”؛ سنن البيهقي (9: 198).

فالذي ذَكَره ابن بطوطة من إضافة نصارى دير الفاروس للمسلمين، إنَّما هو حقٌّ واجب بالعهد الذي بيننا وبينهم، ظلُّوا يعملون به منذُ جاء الإسلام، فالمسلمون في

[الصفحة 95]

أسفارهم يمرُّون بالأديرة فينزلون بها، ويُريحون أنفسَهم ودوابَّهم، ويُقدِّم النصارى إليهم القِرى ليلة أو ليلتين أو ثلاث ليال، وليس عليهم بعد ذلك شيء، ثم يَرحلون عنهم، وفي الأخبار السَّالفة لفظ “مرَّ بهم”، و”نزل بهم”، وهي بالمعنى الذي أسلفتُ شرحَه، فأبو العلاء إن كان قد نَزَل بدير الفاروس، فإنَّما نَزل به على العادة الجارية بلا زيادة في طريقه إلى طرابلس- كما زعم صاحبُ هذا الخبر- وليس فيه ما يدلُّ على إقامة، وإذ لا إقامةَ فلا دَرْسَ ولا تعلُّم، أليس ذلك واضحًا أيضًا؟!

هكذا كان شأن الأديرة فيما سَلَف في أوَّل الإسلام، ولكن يبقى شيء لا بدَّ من ذِكْره، فبعد العهد الأول صار لهذه الأديرة شأنٌ آخَرُ، فهي بطبيعة بنائها كانت خارجَ المدن، في بقاع حَسَنة، وأماكنَ نَزِهَة، وكان النَّصارى في سلطان الإسلام متروكِين على عادتهم وأحوالهم لا يعترضهم أحد، لهم خَمَّارتهم على مَقرُبة من أديرتهم، ويقصدها النِّساء والرِّجال على جاري عاداتهم؛ لأنَّهم خارج مدن الإسلام، فصارتْ لها شهرة أخرى، ومَن قرأ كتب الديارات (أي الأديرة) رأى عجبًا، ولن أُثقل على أحد بنقل الأخبار عن دَيْر دَيْر منها، ولكنَّك إذا أخذتَ كتاب “الديارات” للشابشتي (.. – 388 هـ) وهو قريب العهد برحلة أبي العلاء التي زعمها صاحبُ الخبر، رأيتَ منذ أوَّل صفحة فيه:

“دير درمالس، عيده أحسن عيد، يجتمع نصارى بغداد إليه، ولا يَبقى أحد ممَّن يحبُّ اللَّهو والخلاعة إلاَّ تبعهم”، ثم يذكر أشعارًا وأخبارًا في هذا الدَّير وسكَّانه من الرهبان، وقُصَّاده من أهل اللَّهو والخلاعة.

ثم يليه: “دير سَمَالو فيه منظر عجب؛ لأنَّه لا يبقى نصراني حضره وتقرَّب فيه (أي: تناول القربان)، ولا أحد من أهل التطرُّب واللَّهو من المسلمين إلاَّ قَصَده للتنزُّه فيه”، ثم ذكر الأشعار فيه كذلك.

ثم يليه: “دير الثعالب، أعمر موضع وأنزهه؛ لِمَا فيه من البساتين والشَّجر والنخل والرَّياحين، ولتوسُّطه البلد، وقربه من كلِّ أحد، فليس يخلو من أهل

[الصفحة 96]

البطالات، ولا يخل به أهل التطرُّب واللذاذات…”، ثم ذكر الأشعارَ فيه وفي رُهبانه وقصَّاده.

وتظلُّ تقرأ مثل هذه الأخبار، حتى تنتهيَ من الكتاب، وفيه أخبار شنيعة أُعرِضُ عن ذِكْرها، وكذلك ما جاء في كتاب مسالك الأبصار في ذِكْر الديارات والحانات، لا يكاد ينقضي عجبُك من كثرة ما قيل فيها، وفي رهبانها وقسوسها من الشِّعر، أكره أن أذكرَه لقبح ما فيه، ولكنَّه يدلُّ دارسَ العصر على أنَّ أمر هذه الأديرة كان قد خرج عن الحدِّ المستحسَن؛ لما شاع فيها من التبطُّل باللهو والخمور، أمَّا “دير الفاروس” الذي يَعنينا هنا، فحسبُك أن تقرأ ما قاله أبو علي الحسن بن علي الغزي فيه، وفي بعض رهبانه:

لَمْ أَنْسَ فِي الْفَارُوسِ يَوْمًا أَبْيَضًا    مِثْلَ الْجَبِينِ يَزِينُهُ فَرْعُ الدُّجَى

ثم يقول:

وَلَدَيَّ مِنْ رُهْبَانِهِ مُتَنَمِّسٌ     أَضْحَى لِفَرْطِ جَمَالِهِ مُتَبَرِّجَا
أَحْوى أَغَنُّ إِذَا تَرَدَّدَ صَوْتُهُ    فِي مِسْمَعٍ رَدَّ احْتِجَاجَ ذَوِي الحِجَى
لاَ شَيْءَ أَلْطَفُ مِنْ شَمَائِلِهِ   إِذَا حَثَّ الشَّمُولَ وَلَفْظُهُ قَدْ لَجْلَجَا
فَلَهُ وَلِلْيَوْمِ الَّذِي قَضَّيْتُهُ  مَعَهُ بُكَائِي لاَ لِرَبْعٍ قَدْ شَجَا

فهذه حالة سيِّئة جدًّا، من ناحية الأخلاق على الأقلِّ، كانت عليها الأديرة في القرن الرابع الهجري وما بعدَه؛ لأنها كانت مأوى أهل البطالة، والعبث والمجون والخمر، وكان لرهبانها أخبارٌ لا يُستحبُّ ذِكْرها، وعجائب من اللَّهو لا تنقضي.

وأمَّا “اللاَّذقية” نفسُها- وكانت تحتَ سلطان الروم- فكان أمرُها أشنعَ، فإنَّ أحد معاصري أبي العلاء، وهو أبو الحسن ابن بُطْلان الطبيب النَّصراني المشهور، (واسمه: المُخْتار بن الحسن بن عَبْدُون بن سَعْدُون بن بُطْلان) كان خَرَج في رحلته فكتب في رسالة رحلته ما نصُّه:
“وخرجتُ من أنطاكية إلى اللاَّذقية، وهي مدينة يونانيَّة لها ميناء وملعب للخيل مدوَّر، وبها بيتٌ كان للأصنام، وهو اليوم كنيسة، وكان في أوَّل الإسلام

[الصفحة 97]

مسجدًا، وهي راكبة البحر، وفيها قاضٍ للمسلمين، وجامع يُصلُّون فيه، وأذان في أوقات الصَّلوات الخمس، وعادة الرُّوم إذا سمعوا الأذان أن يضربوا الناقوس، وقاضي المسلمين الذي بها من قِبَل الرُّوم، ومن عجائب هذا البلد: المحتسبُ يجمع القِحَاب والغُرباءَ والمؤثرين للفساد من الرُّوم في حَلَقة ويُنادي على كل واحدة منهنَّ، وتَتزايد الفَسَقة فيها لليلتها تلك، ويُؤخذنَ إلى الفنادق التي هي سَكنُ الغُرباء بعد أن تأخذَ كلُّ واحدة منهن خاتمًا، هو خاتم المطران، حُجَّة بيدها من تعقُّب الوالي لها، فإنَّه متى وجد خاطئًا مع خاطئة بغير خاتم المطران، ألزمه جباية”؛ (أي: غرامة)، (تاريخ الحكماء للقفطي: 296، وغيره)، وهذا بالطبع قبيح جدًّا، والعجب منه لا ينقضي، ولا أحبُّ أن أُكثرَ من أمثال هذه الأخبار، وحسبُك من القلادة ما أحاط بالعُنق!!

فإذا كانت هذه هي حالَ الأديرة، وحال رُهْبانها على عهد أبي العلاء، وإن كنتُ قد استحييتُ أن أعطيك صورتها واضحة، وكانت هذه هي حالَ اللاَّذقية على وجه الخُصوص، ولم يكن أبو العلاء من أهل ذلك الشأن، لا هو ولا أحد من أهلِه، قُضاةِ المعرَّة وشيوخِها، فهل تظنُّه كان معقولاً أن يتركه أهلُه يخرج وحيدًا، أو مع رفيق لا يَعقل ولا يُحسن الرِّعاية، فيمرَّ به على اللاَّذقية ويقيم بها، وبدير الفاروس ويُقيم به؛ لكي يتعلَّم في هذه أو ذاك، وعلى هؤلاءِ الرُّهبان أيضًا؟!

هذا عجبٌ، أنْ يبلغ أهل الفتى الأعمى ذلك المبلغ من الجهل بأحوال ثُغُورِهم، فيتركوا فتاهم في أيدي هؤلاءِ يُعلِّمونه ويثقِّفونه! هذا سوء تصوُّر للماضي أسوأَ التصوُّر، وأسوأ منه أن تظنَّ أنَّ هؤلاء كان لديهم من الفَراغ ما يتدارسون فيه آدابَ اليونان وفلسفتَهم في لغتها الأصلية، كما يقول لويس عوض في عجائبه التي لا تنقضي.

ثم نعود فننظر نظرةً خاطفة في أمرٍ سأشرحه مفصَّلاً يومًا ما، أصحيح أنَّ إضلال أبي العلاء- الفتى الضرير- عن دِينه كان يحتاج إلى “راهب يَشدو شيئًا من علوم الأوائل، فيسمع منه كلامًا من أوائل كلام الفلاسفة، فتحصل له شُكوك ليس عنده

[الصفحة 98]

ما يدفعُها به، ويحصل له بعضُ الانحلال؟ أصحيح هذا؟! وإذًا فأين ما كان من ترجمة كُتب الفلسفة من قبل عهد المأمون، إلى أن كان أبو العلاء؟! وهي مئات الكتب يَكفي أيسرُ النَّظر في مثل فهرس ابن النديم، حتى تعرفَ كثرتَها، لا، بل أين ما كَتَبه مثلُ الكندي؛ فيلسوف العرب وابن ملوكها (185 – 252 هـ) قبلَ أن يُولد أبو العلاء بأكثرَ من قرن كامل؟! وأين ما كتبه الفارابي “المعلِّم الثاني” ضريع أرسطو (257 – 339 هـ)، وهو قريب العهد والدَّار من أبي العلاء، وكان آخِرَ أمرِه مقيمًا بحلب مع سيف الدولة وصاحبه المتنبي؟!

وأين ما كتبه إخوانُ الصَّفا، الذين اشتُهر أمرُ رسائلهم قبلَ أن يُولد أبو العلاء بزمان؟!

لا بل أين ما كَتبه مَن هو أضلُّ ضلالاً من كلِّ هؤلاء، كابن الراوندي وأشباهه منذ قديم؟!

وأين الزَّنادقة القُدماء من شعراء وكتَّاب؟!

أترى معرَّة النعمان لم يَدخلْها كتاب واحد من هذه الكتب، ولا قرأه قارئ، ولا ضلَّ به ضالٌّ، إلى أن وُلِد أبو العلاء، ثم “كَبِر ووصل إلى سنِّ الطلب، وطمحتْ نفسه إلى الاستكثار من ذلك، كما في خبر الراهب؟!

أتُراه إلى أن بلغ سِنَّ الطلب، لم يسمع بخبر ولا شِعر، ولا قُرِئ له كتاب فيه زَندقةٌ أو ضلالة ليس عندَه ما يدفعها به، حتى يحتاج إلى رِحلة في صِباه، إلى اللاَّذقية ودير الفاروس، فيجد هناك راهبًا شاديًا لشيء من علوم الأوائل فيضلِّله؟ أهذا كلام يُعقَل؟!

ولو شئت أن أسوق ما يُذْهل من دواعي الضلالات من فلسفة وغير فلسفة، وما كان متفشيًا من المذاهب والنِّحل والأهواء في الشام وغير الشام، قبل أن يُولد أبو العلاء بأزمنة طِوال- لبلغ منك العجبُ مبلغًا، ولكنِّي اكتفيتُ بهذا التساؤل؛ لأنَّ أدنى معرفة أو بصيرة تُوجِب على المرء أن يقطع ببُطلان خبرِ هذا الراهب، من هذا الوجه وحدَه، دون سواه من الوجوه التي دارستُها فيما سلف.

فمِن أعجب العجب بعد ذلك أن يأتيَ إنسانٌ يظن في نفسه أنَّ له عقلاً يفكِّر به، فيصدق مثل هذا الخبر اللَّقيط المتداعي من نواحيه جميعًا! وأعجب مِن تصديقه أن يستخرجَ مِن سياقه أنَّ لقاء مثل هذا الراهب المذكور في الخبر، وسماعَ كلمات منه، كان تعلُّّمًا! وأعجبُ من هذا الاستخراج أن يَستولد منه أن “علوم الأوائل” التي كانت تُقرأ في الأديرة تحتَ حُكم الروم، هي “آداب اليونان وفلسفتهم في

[الصفحة 99]

لغتها الأصلية”! وأعجب من هذا التوليد في مقاله الخامس أن يَنتهي لويس عوض هذا، في مقاله السابع، إلى تساؤل ذكي جدًّا، بعد غُثَاء كثير جدًّا، فيقول: أليس مِن حقِّنا بعد هذا كلِّه أن نفترض أنَّ المعرِّيَّ كان مثقَّفًا في تراث اليونان القديمة، شأنه في ذلك شأن الكثيرين من أُدباء عصره؛ (أي وجه هذا؟!) وأنَّه قرأ هوميروس، وأرسطوفانيس، ولوسيان على أقلِّ تقدير (بالطبع ما دمت أنت تريد ذلك)، سواء في تَرْجمات عربيَّة ضاعت، أو في نصوصها الأصلية؟! بل أليس مِن حقِّنا أن نشتبه في أنَّ المعريَّ كان عارفًا بلغة اليونان، يقرأ فيها أدب اليونان، بعد كلِّ ما رأيناه من وصْف البيئة المحيطة به، ومن وصف نشأته وتعليمه الرَّسمي؟!”.

كيف لا يكون مِن حقِّ لويس عوض أن يقول ما شاء، فمَن الذي يحاسبه؟!

أنا أحبُّ أن أرى رجلاً واحدًا في الناس جميعًا يستطيع أن يشهد لهذا الإنسان بأنَّه يَحمِل على كتفيه رأسًا كرؤوس النَّاس، ظلَّ يلجُّ في كلام لا يربط بينَه رابط، حتى انتهى إلى أنَّ شيخَ المعرَّة قد أقام في اللاَّذقية ودير الفاروس، حتى تعلَّم اليونانية القديمة (وذلك في سَنَة 380 تقريبًا، يا للعجب!)، وقرأ فيها هوميروس، وأرسطوفانيس، ولوسيان على أقلِّ تقدير (ما أشدَّ تواضعَك!) في ترجمات عربيَّة ضاعت!! (ما هذه النبوءات؟!) أو في نصوصها الأصلية، ثم يختم هذا بالمرسوم الموقَّع عليه باسمه الكريم: أنَّ هذا الذي كان في اللاَّذقية هو “تعليمه الرسمي”!! أمَّا تعليمه في معرَّة النعمان فغير الرَّسمي!! وأنا أدع للقارئ أن يُفكِّر هو لنفسه في صفة جديدة يَصِف بها هذا الإنسان، فقد أعوزتني اللُّغة مُقِرًّا بعجزي عن ملاحقته، بصفات توصف بها كتابته، أو يوصف بها تفكيره.

وإذا أحبَّ القارئ أن أُعينه، فأنا أُعينه بفقرة منقولة بنصِّها من الكتاب النفيس: “بلوتولند وقصائد أخرى” في التجربة الأولى من تجارِبه، يقول لويس عوض في ترجمته للويس عوض: “وعقلية لويس عوض زمنيَّة حقًّا!! فهو يَفْهم أنَّ هذا الانقلابَ اللُّغوي الأدبي، لم يقوِّض أركانَ الدِّين في أوربا، وإنَّما قوَّض أركان الكنيسة التي خَشيت أن يقرأَ الشَّعب الساذجُ كلامَ السَّماء بلغة يَفهمها، فتسقط عن بصره الغشاوة، ويدرك أنَّ رجال الدِّين إنَّما يُزيِّفون عليه مِن عندهم دِينًا ليسلس

[الصفحة 100]

قياده، ويبقى راكعًا أمامَ الأشراف، وهو يَفهم؛ (أي: لويس عوض يفهم) أنَّ أبسط بنت تبيع الكرافتات في شيكوريل، تعرف عن المسيحيَّة أكثرَ ممَّا كان يعرف البابا الذي شنَّ الحروب الصليبيَّة؛ (أي: في زمن أبي العلاء تقريبًا، وفي زَمِن راهب دَير الفاروس)، أو البابا الذي أَعْدم الأحرار على الخازوق، أو البابا الذي كان يُضاجع أختَه…”، (روجع على الأصل فلزم التنويه كما قال لويس عوض)، وأدع للقارئ أن يجمع بين الكلامَين بلا تدخُّل من قِبَلي، وسينتهي أيضًا إلى عجائبَ لا تنقضي.

أمَّا الآن فأحبُّ أن أختم القولَ في حديث راهب دير الفاروس ببيان لا بدَّ منه لكلِّ عاقل يدارس الآداب، في العربيَّة وغير العربيَّة، فمِثل هذا الخبر إذَا جاء، وعُرف بطلانُه من وجوهه الصحيحة التي تقوم بها مناهجُ الدِّراسة، وجبَ على الدارس أن يلتمس العِلةَّ التي من أجلها وضَعَ الخبرَ واضعُه، وقد كنت استنبطت من بعض ألفاظ الخبر أنَّه خبر زَيَّفه عِلج من علوج الشام، أو زاقول من زواقيل الجزيرة، ثم ألْقى به إلى القِفطي (568 – 646 هـ) بعد وفاة أبي العلاء بقرنَين تقريبًا؛ ليُطرِفَه به (على سبيل الفكاهة) لِمَا رأى من حَيْف القفطي على شيخ المعرَّة، وحرصِه على مذمته، فلفَّق له هذا الخبر، مريدًا لتحقير أبي العلاء، ووصفِه بالضلالة وسخف العقل؛ إذ تمكَّن من إضلاله- وهو طالب عِلمٍ صغير- راهبٌ يشدو شيئًا من علوم الأوائل، وكأنَّه أراد أن ينقُضَ به ما كان يُقال ويُذكر من ذَكاء هذا الفتى الأعمى في صِغره، ممَّا رواه القفطي نفسُه في ترجمته لشيخ المعرَّة.

وليس هذا بعجيب، فالمتنبيُّ- وهو أيضًا ممَّن كان يُوصف بالذَّكاء صغيرًا، وقَدَح الناس في عقيدته كما قَدَحوا في عقيدة شيخ المعرَّة- ابتُلي أيضًا مثلَ ابتلائه، فإنَّ أبا القاسم عبدالله بن عبدالرحمن الأصفهاني ألَّف لبهاء الدَّولة البويهيِّ كتابًا في المتنبي؛ ليرضيَه به ويَشفيَ غليلَه في أبي الطيِّب، فكتب فيه ما يلي- ويعني المتنبي -: “وهو في الجملة خبيثُ الاعتقاد، وكان في صِغره وقع إلى واحد يُكنى أبا الفضل بالكوفة من المتفلسِفة فهوَّسَه، وأضلَّه كما ضلَّ”، فهذا شبيه بما قيل

[الصفحة 101]

في أبي العلاء حذوَ النَّعل بالنَّعل، وليس لهذا حقيقة، كما بيَّنتُ ذلك في كتابي عن المتنبي، وإنَّما هو إرادة الاستخفاف لا غير.

أمَّا مسألة “الراهب” فلها عندنا شبيه قديم، ففي كتاب مذكور عندنا، رآه البيروني ونقل عنه، وهي رسالة “عبدالله بن إسماعيل الهاشمي، إلى عبد المسيح بن إسحاق الكندي، وردُّه عليها”، وهي مطبوعة بمصرَ طبعات، وطُبعت أيضًا مرَّات (في لندن المحروسة سَنة 1885 مسيحيَّة)، ذكر عبد المسيح أوَّليَّة أمر رسول الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- فيما زعم: أنَّه كان رجلٌ من رهبان النصارى، يُعرف بسرجيوس، أحدثَ حدثًا أنكره عليه أصحابُه، فحَرَموه وأخرجوه وقطعوه عن الدُّخول إلى الكنيسة، وامتنعوا من كلامه ومخاطبته على ما جرتْ به العادة منهم في مِثل هذا الضرب، فنَدِم على ما كان منه، فأراد أن يفعل فِعلاً يكون له به تمحيص عن ذنبه وحُجَّة عند أصحابه النَّصارى، فصار إلى بلد تِهَامة، فجالها حتى أفضى إلى تُرْبة مكَّة، فنَظر البلدَ غالبًا فيه صِنفان من الدِّيانة، فكان الأكثر دين اليهود، والآخر عِبادة الأصنام، فلم يزل يتلطَّف ويحتالُ بصاحبك (أي: رسول الله، بأبي هو وأمي)، حتى استمالَه وتسمَّى عنده نسطوريوس، وذلك أنَّه أراد بتغيير اسمه إثباتَ رأي نسطوريوس الذي كان يعتقده ويتديَّن به، فلم يزلْ يخلو به ويُكثر مجالستَه ومحادثتَه، ويُلقي إليه الشيءَ بعد الشيء، إلى أن أزاله عن عِبادة الأصنام، ثم صيَّره داعيًا وتلميذًا له يدعو إلى دِين نسطوريوس… إلى آخِر هذه الشنشنة التي يطول الشِّنشنة نقلها (والشِّنْشِنة: الطبيعة والعادة)، والمَخْرَقة السخيفة التي لا تنقضي عجائبها!!

ومن قبل هذا ما قالتْ قريشٌ بمكَّة، وكان فيها نصرانيٌّ أعجميُّ اللِّسان، ربما دخل عليه رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وكلَّمه وجالسه، فكان المشرِكون يقولون: إنَّما يُعلِّمه هذا النصرانيُّ، فأنزل الله في كتابه في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ [النحل: 103].

فهذه الشِّنشنة التي نعرِفها من كفَّار قريش، ومن عبد المسيح الكندي، ومن

[الصفحة 102]

الأصفهاني باتِّخاذ راهب من الرُّهبان، أو متفلسف ضالٍّ محورًا تُحاك حولَه قصَّة، هي الشِّنشنة التي ورثها عِلج الشام أو زاقول الجزيرة حين أراد النَّيْل من شيخ المعرَّة وثلبَه فابتلَى راهبَ دير الفاروس بما لا أظنُّه كان يُحسِن منه شيئًا، فضلاً عن أن يشدوَ منه طرفًا، ثم لا أظنُّ أنَّ حاله مع أمثال أبي علي الحسن الغَزيِّ الشاعر العابث، أو مع مَطْران اللاَّذقية صاحب الخاتم المبذول للبغايا، كان يُتيحُ له وقتًا يتفرَّغ فيه لتلاوة هوميروس، وأرسطوفانيس ولوسيان، فضلاً عن تعليم فتًى عربي مسلم أعمى لغةَ اليونان القديمة، وتعلُّمها يحتاج إلى دهْر طويل لا يقلُّ عن عشرة أعوام بأيَّامها ولياليها!!

وكلُّ خسيسِ العقل مستطيعٌ أن يكذب على الناس، ويلفِّق عنهم الأخبار، وقادر أيضًا أن يقول ما شاء، كما يشاء، متى شاء، بلا حسيب ولا رقيب، ومع ذلك فإنِّي أجد هذا العِلج، أو ذاك الزاقول، أخفَّ الجميع دمًا وعقلاً، وإن كان كَذِبُه قد كلَّفني المشقَّة في تتبُّع أخبار شيخ المعرَّة مع تزاحُم العمل، وكثرة الشواغل.

والآن وقد فرغتُ من مدارسة حديث راهب دير الفاروس، أطرحُه هو أيضًا جانبًا؛ لأنَّه حديث لا خيرَ فيه، ولأنَّه خبيث المَخرج خبيثُ المعنى، خبيث الموارد والمصادر، ورحم الله شيخَ المعرَّة، كأنَّه كان يعني هذا الذي نحن فيه إذ يقول:

يَا كَاذِبًا لاَ يَجُوزُ زَائِفُهُ،    وَمَا عَلَيْهِ مِنْ فِضَّةٍ وَضَحُ
كَشَفْتُ عَمَّا تَقُولُ مُجْتَهِدًا،    لَعَلَّ حَقًّا لِطَالِبٍ يَضَحُ
فَكُلَّمَا هَذَّبَتْكَ تَجْرِبَةٌ،    أَنْشَأْتَ لِلبَاحِثينَ تَفْتَضِحُ

وكفى بالفضيحة عارًا لمن يعقل، (والعرض مستمر).