كلمة في التاريخ

كلمة في التاريخ

كتب الدكتور هيكل في العدد 147 من السياسة الأسبوعية (25/11/1939) مثالاً عن (بيعة أبي بكرٍ الصديق)؛ وكأنه أراد أن يتابع القول بعد كتابه «حياة محمدٍ صلى الله عليه وسلم» في سير خلفائه رضوان الله عليهم. وقد مر الكتاب في دوره التاريخيّ، وانتهى إلى نهايته، ووقف النقد دونه فلم يمسّه إلا مسّ المترفق، ولا أقول هذا لأضع من شأن الكتاب، فهو إن لم يكن إلا تقريباً لسيرة رسول الله –حتى يستوعبها جمهرة القراء ممن يعْسُر عليهم متابعة سيرته في الكتب الأصول- لكان ذلك نعم العمل؛ هذا على أن للكاتب  فضائل أخرى ليس هذا مكان الانباه إليها، وفيه وراء ذلك أسبابٌ يعتلُّ بها من وجوهٍ، كنّا نرجو أن يبرأ منها كُلّ البراءة، لما لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سُمُوّ المنزلة، ولما لكاتبه من القدرة على البيان، والبراعة في الفكر، والاحسان في سياق القول على منهجٍ واضحٍ معبَّدٍ. فحين قرأت كلمته عن «بيعة أبي بكرٍ»، حملني ما وجدت فيها أن أكتب تعليقاً مقارباً أبدؤه بكلمةٍ في التاريخ الإسلامي، وكيف انتهى إلينا من عند الأوائل، وكيف بدأنا في هذا العصر نكتبُه على المنهاج الذي هو إلى رضى الناس أقرب؛ ولأذواقهم أسرع، وهو بذلك عليهم أجدى وأنفع.

ولنضرب حداً على ما نريد من وجه القول، لئلا ينتشر الرأي على الناظر فيه؛ فإن تاريخنا الإسلامي العربي يقع في ثلاثة عشر قرناً من بدء الرسالة إلى مطالع هذا القرن، ولكل قرنٍ أو قرونٍ منه باب من القول يفضى إليه منه، ونحوٌ يُقْصَدُ قصدُه على سياسةٍ وتدبيرٍ، والتقصير في تقدير الغرض قبل الإهداف إليه يرمي بنا إلى الإسراف في الحكم أو المجازفة بغير كيلٍ ولا وزنٍ.

وقد رأيتُ أن أقصر قولي على القرنين الأولين من تاريخ الإسلام، فقد فشا بعدهما كثيرٌ لم يكُن فيهما، وتغيَّرت الأسبابُ الاجتماعيّة والعلميةُ والأدبية، وبدأت تتقرر الحضارةُ الإسلامية على قاعدةٍ بعد قاعدةٍ، واتسع الأفُقُ الإسلامي حتى بلغ ما بين مغرب الشمس ومشرقها، في أمم كثيرة قد انتزعت من أعراقها انتزاعاً، وترامت العربُ بينها واستفاضتْ، فتباعدتْ عن المنشأ والْمَرْبَى والوطن، وخضعت لطبائع لم تكن تَخْضَعَ لها في عقر ديارها، وحملتْ بقايا هذه الأمم على ما لم يكن من متوارثها أو قديمها العاديّ المنتقل إليها في أصلاب التاريخ القوميّ، وجعل انتشار الإسلام واستحكام لغته يزيل في عنفوانه كل ما دربوا عليه واعتادوه وأخذوا أنفسهم بعلاجه وممارسته في الجيل بعد الجيل؛ ومن ثَم تنقذت العرب هذه الأمم المختلفة والشعوب المتباينة فأخرجتها –أو كادت- أمما عربية مسلمة تنطق بالعربية وتدين بالإسلام، وتتعامل على الأصول الاجتماعية المقررة في هذه الدولة الواحدة المترامية المتراحبة؛ ومع كل ذلك فقد امتازت أشياء بالبقاء لهذه الأمم، فبقيت لتدل على أصولها التاريخية؛ واختلطت أشياء وتشابكت واتحدت، حتى استحكمت الأمة كلها إسلامية عربية على اختلاف أصولها، وتعدد أوطانها، وتباين طبائعها، وافراق نوازعها وأعراقها.

وأيضا فإن للعوامل الاجتماعية التي يكون من سلطانها أن تستبدل شيئًا بشيء وجيلاً بجيل، واجتماعاً باجتماع، أكبر حجة في فصلنا ما بين القرنين الأولين من الهجرة وبين ما جاء بعدهما؛ ولعل أعظم هذه العوامل أثراً هو انتشار الكتابة انتشاراً لم يكن لها من قبلُ وابتداء استقرار تأليف الكتب على قاعدة جديدة لم تكن، وشمولُ التأليف في كل فن وعلم مما كان من فنون تلك العصور وعلومها. فإنّ ظهور التأليف والكتب في عصرٍ من العصور يفصل كل الفصل بين هذا العصر والذي سَبَقَه –في نظر من يجرِّد نفسه لتأريخ هذه العصور.

والتاريخُ الإسلاميّ العربيّ في هذين القرنين خاصةً تاريخٌ بكرٌ يتأبى على باغيه إلا أن ينفذ إليه بالصبر والحيلة والترفق والأناة، ومن أعظم أداةٍ غَنَّاء في درك ذلك، إدمانُ الفكر فيه التقليب، لما عسى أن يُعَمِّيَهُ من كثرة الوجوه التي يسلكها الرأيُ إليه وغلبة التفرق على أجزائه، مما يستدعي الوقوعَ في الخطأ، فيلدُ الخطأ أخطاءً، فلا يزال كذلك حتى لا يُهْتَدَى فيه إلى صواب يطمئن عليه الرأيُ أو يَقَر. وقد بنى هذا التاريخ الأول عل الرواية، والروايةُ بطبيعتها خاضعة لعلل، وهذه العلل متفشِّية في الأصول[1]، فلذلك أصبح هذا التاريخ من أشقِّ الأعمال على من لم يتعاط أصول فن الرواية على التحرير والتجويد، فنفذ بصائب رأيه إلى معرفة العلل الموجبة والعلل السالبة، وأين يضرب بنظره في أغوار الكلام ليستنبط مادة التعليل الصحيح للروايات المتفرقة؛ وكيف يُتاحُ له أَن يَنْفِي عنها ما عسى أن يكون كَدَّرَ صَفْوَها من أخلاط القول التي لا تنفعُ ولا تفيد.

فلابُدَّ إذاً لمن يتعرَّضُ للتاريخ الإسلاميّ في هذين العصرين خاصة أن يفرقَ بين التاريخ عند العرب والتاريخ الذي نعتمده في هذا القرن الأخير، وأن يتبين كلَّ البيان معنى الرواية وما هي عند المؤرِّخين، وأن يقرر في نفسه أصولاً كثيرة كلها يغْذُو بمادّته هذا العلم؛ وبذلك يتسنَّى له ما يستغلق عليه من الأقفال التي ضربها الضرورات الاجتماعية على تاريخ العرب في الصدر الأول من الإسلام.

ونحن اليومَ نفهم معنى هذا الحرف (التاريخ) بوجه غير الذي كان يذهبُ إليه أوائلنا في فهمه، ونرمي بكتابته إلى غرض غير غرضهم، ونتناوله من حيثُ كانوا هم يقفون به، فَهُمْ كانوا يعدّون التّاريخ في اصطلاحهم وتأليفهم، [ما] يوقِّتُونه من الأحداث والوقائع والغزوات والحروب، وما تتضمنه من أخبار أصحابها في وقت هذه الأحداث، وما يكون من أخبار الدَّولة وما يقع من بعض الولاة ممن يعظم أمرهم أو يقع إلى المؤرخ ذكرُهم، وبعض ما يتخلَّل ذلك من تاريخ الأبنية كالمساجد وقصور الخلفاء وما إلى ذلك، ونبذٌ مما يكون من البلاء الذي يستهلك الناس وأموالهم كالطاعون والخسف والزلازل والسيول والقحط، ويضمنون ما يكون في السنوات من ذكر الوفيات من المشهورين والعظماء والعلماء ومن إليهم، ويضمُّون إلى هذا العلم كتب تراجم الرجال من الشعراء والكتاب والأدباء والعلماء والرواة على اختلافهم، وذلك كلُّه على التقتير والاختصار، لا يتوسعون فيه إلا بقدر ما كانوا يَعُدُّونه من حاجتهم إليه في الفنون المختلفة. وكان غرضهم منه كما وصفوه أن يقفوا على أحال الماضين من رجال الأمم في أخلاقهم وسياساتهم وتدبيرهم وبصرهم بشأن الدولة حتى يقتدى بهم من ينزع في مثل منازعهم في أحوال دنياه وآخرته.

فلما كان ذلك هو كلُّ التاريخ عندهم، وكانت هذه سبيله، لم يكن بدٌّ لهم إلا أن يعتمدوا في جمعه وتأليفه سبيل الرّواية، فيذكروا السَّنَة ثم ما كان فيها من الحوادث[2] -أو أهمها على الأرجح- ينقلون ذلك عمَّن شهد، وليس كل من شهد يتكلم، ولا كل من يتكلم يستقصي ما شهد أو يحفظ كل ما رأى وما سَمع، وإذا تكلم الشاهد فإنما كل همّه التبليغ بما شهد دون التفضيل والتصوير، أو تميز العلل والأسباب التي أوْجَبَت ما كان ولِمَ كان، وكيف بدأ، وأين انتهى أثره. فإن ذلك -إن كان- لا ينصرف إليه أحد وهو يتحدث، وإنما يكون مطلبا لمن يكتب أو يؤلف.

ولما كان أهم ما تنبعث إليه همم الأوائل من علماء التاريخ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسير أصحابه وخلفائه في ضبط الرعيَّة وإقامة دين الله في عبادته وسياسته، طلبوه على أنه أسلوب يفض إلى الفقه في أسرار الدين وشرائعه، ومَحَجَّة إلى أصل العمل في الإسلام لسياسة الدولة وتدبيرها؛ وكذلك درج التاريخ على مدرجة (الحديث النبوي) في الاسناد إلى قائله؛ هذا وإن كان المؤرخون لم يعنوا بما عنى به أصحاب علم الحديث من استبراء الأخبار وأسانيدها استبراءً يحوط أصل الخبر بالثقة واليقين، ويقف به على مطمئن القول. فقد كان همّ المؤرخين أن يحشدوا من الأخبار استكثارا على غير تثبت، فلذلك عرفوا في تاريخ العربية (بالأخباريين)، وكان من توصيمهم أنه يغلب عليهم الاكثار والتخليط واحتطاب ما يستهجن في الرأي، ويُستركُّ في النظر. ولولا أن أئمة المحدِّثين استنقذوا سُنَّة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بما يشبه المعجزة، من بيداء الشك والحيرة، لكان أشد البلاء على تاريخ الاسلام الأول ما اضطرب من روايات الأخباريين؛ فإن اشتراك علماء الحديث وعلماء التاريخ في جمع سيرة رسول الله وسير أصحابه وذكر ما كان من أحوالهم وسياساتهم وغزواتهم وفتوحهم –كلٌّ لما انتدب له- هو الذي أبقى بين أيدينا معياراً ينتقد به الزيف على الصحيح من وجوه مختلفة يهتدي إليها البصير بنقد الأحاديث والأخبار.

بل إن علم الحديث هو عندي أعظم الأصول التاريخية بغير شك، فإنّ أصحابه كانوا يعتمدون به البيان في فقه الدِّين وشرائع أهله، وما يجري عليه عمل الفرد والجماعة والدّولة، فهو بذلك أغزرُ مادة للتاريخ الاجتماعي في نأنأة الإسلام وبدئه.  والأخبار المفرَّقة التي احتشدها المؤرخون لا يُوصَل أولها بآخرها إلا بصِلات من حقائق التاريخ الاجتماعي للأمة الاسلامية، وإلا بقيت كما هي، أباديد لا يربطها شيء من حيل المؤرخين[3] التي ظنوا بها أن تكون استقلالا للتاريخ، حتى يصبح علما من العلوم.

وهذا التاريخ الأول الذي وقع إلينا تفاريق أخبار شتَّى بين الصّحة والبطلان، والقصد والسرف، والعلو والنزول، قد كان خيراً للتاريخ بوجه، وإن كان قد أدركته علل من وجوه أخرى. فهو أخبار مجموعة مؤلفة مسندة لم يدخلها رأي كاتب ولا تصرف مؤول، ولا حيلة محيل؛ وبذلك بقي في الكتب الأصول على حالة واحدة لم تتغير، وسيبقى كذلك أبداً. ولو أن المؤرخين فعلوا غير ذلك لانتهى إلينا تاريخ عقول كتبته على اختلاف وتباين بين صحة وفساد، ولم يكن هكذا أخباراً باقية يؤول إليها المختلفون في تحقيق الخلاف والإبانة عن مذهب الرأي بالحجة منه والبرهان. وأما أشد ما يلحقه من العلة لاعتماده على الاسناد والرواية والإخبار، فهو خفاء الأسباب التي تلحق الأحداث فتكون بها، أو تدركها، أو تدركها فتتحول بها عن نتيجة القياس التاريخي. فإن الشاهد وهو المسند إليه الأول أو الراوي الأول –قَلَّ أن يلقى إلى سامعه أو مستخبره إلا بالنبذ اليسير من الخبر عما كان، ولا تكاد تجده يدفع إليه بالرأي في تأويل المشكل من الأخبار، فإن كان في خبره شيء يدل على أصل رأيه، فإنما يأتي في سياق القول من غير بيان أو إشارة؛ وليس يستطاع أن يعرف ما في الخبر من رأي المخبر به أو هواه أو تدليسه أو غلُوه أو سهوه وغلطه، إلا أن يجتمع للخبر صنْو من مخبر آخر يخالفه أو يشاكله أو يباينه في سوق الخبر كل المباينة، فعند ذلك يستطيع القارئ أن يفرق ويميز، ويضع الأسباب في أعناق نتائجها على تحقيق وثقة.

فمن أهم ما يجب على المؤرخ في عصرنا هذا، استيعاب الأخبار عن أكبر عدد من الرواة، ليتسنى له أن يقارن بين الأخبار المختلفة، ويستخرج الأسباب والعلل في خبر خبر، ويجمع إلى ذلك ما يتشتت في هذه الأخبار من الدلالات على التاريخ الاجتماعي الاسلامي في ذلك العصر، وهو أهم مادة التاريخ لن يؤرخ على السرد، لا على الرواية والاسناد؛  ومع ذلك فإن طبيعة هذا العلم في التاريخ العربي تقتضي أن لا يقتصر في طلب ذلك على كتب التاريخ، فإن العرب لم يستنبهوا إلى هذا الباب الكبير في تاريخهم، ولم يجمعوا فيه إلا نبذا متفرقاً قليل الغناء. وقد تفرق وقى موزعا بين نصوص اللغة وعلم الحديث، وكتب تفسير القرآن، وفقه الشريعة، وكذلك بقي في أصول الأدب من نثر وشعر كثير في دواوين الشعر وأخبار الشعراء، ثم تفرع عن ذلك من بقية أبواب العلوم والفنون، ككتب الاختلاف والكلام، والملل والنحل، وما يرد إليه ذلك من أصول النشأة والأولية.

فعملُ المؤرّخ كما ترى من المشَقَّة والكدّ والتعب والمشاركة في أنواع من العلوم بالمكان الذي لا يُقدِم عليه إلاَّ من اتخذ لهذا الأمر أداته وأَعَدَّ له عُدَّتَه، وعمل في إدراكه بالمصابرة والمرابطة وإطالة التدبير. ومع ذلك فإن أكثر من يتعرض لكتابة التاريخ على السرد، يقنع بقراءة بعض ما كتب الأوائلُ من تاريخهم على الرواية، ثم يلفقُ بين الروايات بما يدبُّ إلى رأيه من أسباب يحملُ التاريخ على قَبولها حتى يتوجه له أن يكتب هذا التاريخ للفرق بما يُشْبه أن يكون سرداً واحداً كأنه ثَوْبٌ حوكٌ لا يختلف بعضُه على بعض. ولكنه ينسى أن كل مفرَّق يمكنُ أن يُجمع على شكل من الأشكال حتى ينتظم  سرده ويتصل… ولكنّه بعد لا يستطيع أن يدَّعي أن هذا السرد كان هو السردَ لا غيره. فإذا كان قد دفع الأصول التي اتخذها دفعاً عنيفاً فلم يخش أن تتقطع صلات كانت بينها وطمستها علل الرواية وما تقتضيه من التفرق والتباعد والتنازع وما إلى ذلك –مما لا يسع بيانه هنا- وإذا كان يختار من الروايات رواية واحدة لعلها تكون أضعف أخواتها أصلاً، وأخفاهن شخصا، وأقلهن مادة، وأسكتهن عن بيان الوجه والعلة والسبب؛ وإذا كان لم يقف على الأسباب التي حملت الراوي الأوَّل على السكوت عن بعض القول، أو ألجأت صاحب الخبر نفسه إلى الموقف الذي وقفه في خبره… إذاً فقد أحال التاريخ عن أصله، وأزال أحداثه عن أماكنها، وأدار وجهه إلى غير ما توجَّه له؛ وأسقط من بيان سياقه ما أسقطت الرواية من لفظ قد أبقته مضمراً غير منطوق. وإذا لم يكن مثل هذا فساداً في كتابة التاريخ، فهو –لاشك- عجز من معرفة أصول التاريخ والنفاذ إلى ما يتلاءم عليه وما لا يتلاءم. وإذاً فلا نلبث إلاَّ قليلاً حتى نرى التاريخ الاسلامي الأول تاريخا مضحكاً لا يكادُ يخلص قارئه إلا إلى استجهال أو تنقص أو سخرية أو حيرة.

ومَرَدُّ هذا البلاء في التاريخ الاسلاميّ –وفيما كتبه المحدِّثون خاصة- إلى أصلين قائمين لا يزال أحدهما مُمِدّاً للآخر غاذياً له: أولهما أن التاريخ السرد أسلوب جديد بيِّن الجدة على التاريخ العربي، فلم تُضبط له أصولٌ من طبيعة نشأته ومدرجه ومنبته الذي استوى فيه، ولم تمحص له أصول أخرى كان يجب أن تُنتحل وتُنقى وتستصفى قبل البدء في الكتابة؛ وعسىى أن يكون ذلك قريباً. وأما الآخر فهو ما انقذف عليه مما كتب الأعاجم المحدِّثون في تاريخ الدول الاسلامية، وغير ذلك من آداب العرب وعلومهم الخاصَّة بهم لم يشركهم فيها أحد؛ فإنّ ما كتبوا من شيء في ذلك لا يقوم أكثره لشيء من النقد، ولأنه مبني على أصول فاسدة مختلَّة، لما فيها من نقص الاستقصاء الشامل لعلوم وفنون لم يتعلقوا إلا بالقليل منها. هذا على أنهم ربما أتوْا في الاستقصاء المحدود بالآيات على الصبر واليقظة والدِّقة، ولكنهم يأتون في فهمه أيضاً بالآيات على بعدهم عن إدراك الحقائق التي لا تنقض في تاريخ هذه الأمة وآدابها. ولما كان هؤلاء هم القدوة في هذا العصر، وانتفشت معانيهم بأوهامها في جماعة من الكتاب لم يأخذوا علمهم على البيّنة والثِّقة والتحرير، وباد أهل هذا العلم إلا قليلا، تتابع الناس على الخطأ في تصوير التاريخ الإسلاميّ، وإن كان بعضهم قد أجاد المذهب وأساء الغاية. فما للمؤرخ إذاً بُدٌّ من التمحيص قبل البدء، وأن لا يعتمد من أقوال هذه الأعاجم في فهم التاريخ الإسلاميّ شيئاً إلا أن تقوم البينة على صواب المذهب فيه. وكذلك يمكننا أن نُنَبِّتَ هذا العلم في أرضه التي هي له  أعذى وأعدل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– قرأت في الثقافة عدد (50) وما قبله ما كتب الأستاذ العبادي في تحقيق صفة (السفَّاح) التي ألصقها الروايات المختلطة (بأبي العباس الإمام) أمير المؤمنين، وهي من أجود ما رأيت في التحري والتتبع والتنقيب، وهي مثال جيد لبعض ما نريد هنا.

[2]– ولا شك أن هذا هو العمل الابتدائي في التاريخ وكان لابد منه، وهو أشبه (بالصحافة) في القرون الأولى، ولذلك وقعت في عيوب كثيرة من عيوب الصحف الإخبارية.

[3]– من أعظم حيل المؤرخين تأليفهم الأخبار المسندة في سياق بعد [نفي] الإسناد، وكذلك فعلوا حتى انتهى إلى ابن خلدون على جلالته، فكانت هذه كل حيلته وعجز.