كلمة الأستاذ محمود محمد شاكر في استقباله بمجمع اللغة العربية

محمود شاكر في مجمع اللغة العربية

الشيخ محمود محمد شاكر في مجمع اللغة العربية بالقاهرة

كلمة الشيخ محمود محمد شاكر في استقباله بمجمع اللغة العربية

  • العنوان: كلمة الشيخ محمود محمد شاكر في استقباله بمجمع اللغة العربية.
  • الشيخ: أبو فهر محمود محمد شاكر.
  • تعليق مختصر: لم تنشر في جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر.
  • تحميل نسخة جاهزة للطباعة: من هنا.
  • تحميل نسخة مصورة: من هنا.
  • الحجم:  539 كيلو بايت.
  • نص المقالة: 

الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا. وصلى الله على النبي الأمي الذي أرسله بلسان عربي مبين ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. اللهم صَلِّ على محمد وعلى أبويه إبراهيم وإسماعيل وعلى سائر النبيين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد, فقد وقعت فجأة في الحرج والحيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأنتم أيها الرجال الأجلاء, غير عامدين ولا متواطئين, أخذتموني على غرة، وقذفتم بي في الموج ذي التيار والزبد, وقلتم لي: اسبح وما أنا بسابح. وأنى لمثلي أن يسبح وقد عاش حبيسا. مغمورا أكثر من أربعين سنة, بين جدران من العزلة قد ضربتها على نفسي, وبين رفوف كالتوابيت من حولي, فيها رجال “صموت” لا ينطقون ولا يتحركون إلا أن آذن لهم. وإذني لهم: أن أمد يدي إلى أحدهم ضارعا مستميحا, أسأله أن يتفضل علي بشيء من معروف يزيل شكي, أو يرد عني حيرتي أو يحي مواتا في نفسي أو يرفع غشاوة غطت على بصري, أو يجلو صدأ ران على بصيرتي, ويتمادى الأمر بيني وبينه شيئا فشيئا, فأحاوره ويحاورني, وأجاذبه أطراف الحديث ويجاذبني, حتى إذا بلغ مني الجهد, طويت ما بيني وبينه, ورددته إلى تابوته وإلى صمته محفوفا بالتكريم والشكر.
وكلانا في خلال ذلك وادع مطمئن, فلا هو يملك – بحسن سجيته أن يعنف بي, ولا أنا أرضى -لكرامته علي– أن أعنف به. عاشرتهم جميعا, وكلانا راض عن أخيه, والأمر بيني وبينهم سهو, وهو رخاء, وهم يستجيبون لي لأنهم أهل السخاء والكرم, وأنا أقصدهم وأعتفيهم, لأني أنا الفقير إليهم. لقد ألفت ذلك أكثر من أربعين سنة, أن أعيش وحيدا معتزلا هادئا, بين جدران عزلتي وانفرادي, وبين توابيت أصحابي وإخواني, في شئون تجري بيني وبينهم محدودة بما حددته, من إزالة شك أو رد حيرة, أو إحياء موات, أو رفع غشاوة أو جلاء صدأ. وكل ما عندي من العلم محدود أيضا بهذه الحدود.
فحين أخذتموني, فجأة وعلى غرة, وقلتم: منذ اليوم, أنت بيننا كأحدنا, عضو في مجمع اللغة العربية, وخلف للسلف العظيم الدكتور أحمد بدوي, إنما أخذتموني من مكمني بلا رحمة, غير عامدين ولا متواطئين وألقيتم بي في حومة الحرج والحيرة. نزعتم عني لباسي القديم الذي ألفته وألفني من الوحدة والعزلة والهدوء والصمت, وما كدتم تفعلون حتى كستني المفأجاة لباسا غريبا من الخوف والرهبة والضياع واللجلجة. ماذا أقول لكم؟ لقد كرمتموني تكريما يعجز لساني عن المكافأة ولكنكم أيضا قد روعتموني ترويعا يطلق لساني بالشكوى منكم. فإلى من أشكوكم؟ فإنما شكواي منكم هي شكواي إليكم. فأنا أسألكم الإنصاف, وأربأ بكم عن قلة الإنصاف.
فلم تزل قلة الإنصاف قاطعة * بين الرجال, ولو كانوا ذوي رحم
غفر الله لي ولكم.
وأول حرج وقعت فيه أن أجد نفسي مطالبا بالحديث عن السلف العظيم الدكتور أحمد بدوي رحمه الله, وكانت قد نشبت بيني وبينه محبة ومودة وصداقة, وأنا خلقت هكذا, لا أستطيع أن أكتب شيئا عن صاحب أو صديق اخترمته المنية, يعجز لساني, وتأخذني رهبة, وأجدني كأني مقبل على ظلمه لو تحدثت عنه, وهذا حرج علي شديد. وحرج آخر هو أن الدكتور بدوي عالم آثاري مشهود له, عارف بلغة البرابي القديمة, أي المعابد والآثار العتيقة المنتشرة في أرجاء مصر شمالها وجنوبها, وهي لغة مكتوبة بالقلم الهيروغليفي، وأما أنا فعلمي كله محدود بلسان العرب وبالعلم العربي, فغير مستساغ من مثلي أن يقول شيئا في أمر يجهله. وإذا قلت شيئا, فكل ما أستطيعه لن يخرج عن ترديد ما قاله من قبلي العارفون بقدرة في العلم الذي يحسنه ولا أحسن أنا شيئا منه. ومنذ أيام قليلة قرأت ما كتبه أستاذنا الدكتور محمد مهدي علام في التعريف به, في كتاب مجمع اللغة العربية في ثلاثين عاما, ثم ما قاله الأستاذ الجليل محمد شفيق غربال في استقباله في مجمع اللغة في الجلسة العاشرة للمؤتمر, في 25/1/1960 في الدورة السادسة والعشرين، ثم ما قاله الدكتور الدكتور البدوي نفسه بعد انتخابه عضوا في المجمع في الدورة المذكورة آنفا. وما أنا بمستطيع أن أزيد على هذا شيئا يقال.
ولكن لا بد مما ليس له بد. وسأحاول أن أكذب سمعي وبصري وعلمي, وأتمثل الدكتور بدوي جالسا حيا بيننا يسمع ما أقوله, ثم يتغاضى بفضله عن تقصيري في حقه متسامحا فيما أنزلته به من الظلم.
فيما قبل سنة 1950, كنت أسمع اسم الدكتور بدوي, ولا أذكر أني كنت قرأت له إلا ما كتبه عن الهكسوس, ولكن كان يحدثني عنه بعض من يعرفونه حديثا يغريني بمعرفته، ولكن حجبت عني كل وسيلة إلى هذه المعرفة. لم أنشط أنا إليها, ولكن الأقدار قد نشطت من حيث لا أعلم إلى تدبير اللقاء والمعرفة, ففي سنة 1951م, كنت مشغولا بشرح كتاب (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي, عن نسخة عتيقة جدا كانت قد وقعت في حوزتي, وكانت فيها زيادات كثيرة جدا على نسخة طبقات الشعراء لابن سلام المطبوعة بمطبعة بريل, في مدينة ليدن سنة 1916م, والتي نشرها يوسف هل وكتب لها مقدمة بالألمانية. فلما فرغت من الشرح, وأزمعت أن أكتب مقدمة لنسختي التي سوف أنشرها, احتجت إلى أن أعرف ما قاله يوسف هل في مقدمة نشرته. فلجأت إلى صديقي الدكتور عبد الرحمن بدوي أستاذ الفلسفة, فقرأت معه على عجل هذه المقدمة, وأملى علي بترجمته بعض ما أحتاج إليه منها. وبعد زمن استبهمت على أشياء وقلقت نفسي, فدلني أحد أصحابنا على الدكتور أحمد بدوي, أستاذ التاريخ والآثار المصرية وحثني على الاتصال به بالهاتف, فلم أفلت هذه الفرصة, واغتنمتها من فوري، فإذا هو إسراع وإقبال وحفاوة, وغلبتني الدهشة, والتقينا وعند أول لقائنا, أذهلني الرجل وأخجلني وأخبرني أنه يعرفني تمام المعرفة منذ سنة 1926م, وأنا أسمعه واجما لا أذكر من ذلك شيئا ولا أعرفه. ثم أسرع فأزال حيرتي فأخبرني أننا دخلنا الجامعة معا, في تلك السنة كان هو طالبا في قسم الآثار, وكنت أنا طالبا في قسم اللغة العربية, وتقلبت بي الأمور في الجامعة ما بين سنة 1926م إلى سنة 1928م, إلى أن فارقتها يومئذ إلى غير رجعة. ورأيته عالما بي وبهذا التقلب الذي عانيته. اجتمعنا سنتين في أرض واحدة, ولكننا لم نتعارف. فالآن تعارفنا, وطال حديث الذكريات.
بدأنا نقرأ مقدمة يوسف هل, وهي لا تتجاوز ثلاث عشرة صفحة. كانت باللغة الألمانية, وكان يجيدها تمام الإجادة. فكان من الممكن أن يقرأها ويوقفني على فحواها في مجلس أو مجلسين على الأكثر, ولكن الذي حدث كان غير ذلك, فقد طالت مجالسنا، وتعددت, كان يقرأ ما بين يديه جملة جملة, ويتأنى بي وهو يعيد علي فحوى كل جملة منها متخيرا لألفاظ عبارته مرة بعد مرة, مستدركا على نفسه في المرة الثانية ما فلت منه في المرة الأولى, كان كأنه مكلفا أن يترجم هذه المقدمة مكتوبة لتنشر. استمتعت أن بهذه الأمانة وهذا الحرص استمتاعا لا يوصف, ومع ذلك, فكم من مرة كانت نفسي تحدثني أن أطلب إليه أن يكف عن هذا التخير وهذا الاستدراك, شفقة عليه أن يضيع وقته معي في أمر هو أهون علي وأزهد أن يضاع فيه كل هذا الوقت. لم أفعل ما حدثتني به نفسي مرة واحدة, لأن أناته في القراءة والتفسير كانت تروعني. أناة لا يستثيرها عجل, بل يشوبها أحيانا شيء من التردد والتلوم, كأنه كان يبحث في خلال الألفاظ الألمانية عن معنى يوشك أن يتملص منه, وكأنه في الوقت نفسه كان يبحث في دخيلة نفسه عن ألفاظ عربية تمسك المعاني وتحيطها حتى لا يند منها شيء.وكان يروعني أيضا هذا القدر العظيم من الصبر, صبره على ما كان يقرؤه, وصبره عليَّ وأنا أستوضح بعض معاني ما قرأ. وإذا استبهم عليّ شيء مما يفسره فقاطعته, توقف توقفا بصيرا, يطول أو يقصر في المراجعة, ثم يقبل علي موضحا مبينا أدق تفاصيل اللغة الألمانية بلا ملل وبلا عجلة. فمن يومئذ عرفت أني أجاذب الحديث رجلا من العلماء المتثبتين, لأنه بأناته وتوقفه وصبره وحسن تأتيه للمعاني, مع هدوء النظر فيما بين يديه, ومع حسن التأمل لما أفاجئه به من المراجعة, قد كشف لي عن قدر عظيم من الأمانة والحرص, وأيقنت أن هذا الرجل ينطوي على لب اللباب من أخلاق العلماء, التي يجد الإنسان بعضها عند بعضهم, ويفتقد بعضها أحيانا فيهم. رأيتها كلها متجمعة فيه مع صفاء في النفس عجيب, ورقة في الطباع تأسر, وحلاوة في المعاشرة, إذا ذقتها فما أنت بقادر على أن تنساها أو تنسى صاحبها.
وإذا كان هذا شأنه وخلقه في أمر هين, وهو تفسير مقدمة كتاب, وإذا كانت هذه خصاله في معالجة لغة كالألمانية، حية على ألسنة أهلها, متداولة معروفة منطوقة, ذات معاجم تفسر ألفاظها, فما ظنك به وهو يعالج لغة قد بادت وباد أهلها. وتآكلت الألسنة الناطقة بها تحت أطباق الثرى, وليس لها معجم يفسرها ويضبطها، وما هو إلا الكدح في توهم معاني ألفاظها وتراكيب جملها,ودلالة سياقها, مع فاصل كثيف يفصل بينه وبينها عرضه آلاف السنين؟! لقد تمنيت يومئذ أن أصاحب هذا الرجل, وأشاركه معاناته في استنباط لغة البرابي القديمة التي تنسحب على مدى طويل من ألوف السنين, مع التغير الفادح الذي لحقها ولابد, على امتداد هذه الآباد المتطاولة . معاناة لو تتبعتها معه وشهدت ما يمارسه فيها, كانت خليقة أن تكشف لي جوانب أخرى من خصال العلماء وأخلاقهم التي اجتمعت فيه, تستوجب له أضعافا مضاعفة من الروعة, ومن الإعجاب بصاحبها. والقليل الذي شهدته بنفسي معه, دليل لا يخطئ يصدق هذا الذي كنت أتوقعه, لو كتب لي أن أحقق أمنيتي. وقد رأيت الدكتور بدوي نفسه, قد كشف لنا عن جانب من معاناته, حين قاله لكم في يوم استقباله في المجمع:
“وأصارحكم, أيها السادة، مرة أخرى بأنا معشر المشتغلين بلسان فرعون, لم نستطع أن نقومه في كثير, وإنما انحرفنا به انحرافا ومسخناه مسخا, سألت شيخنا العلامة أدلف إرمن, وكان إمام المدرسة الفرعونية غير منازع, ترى ما مدى استقامة ألسنتنا حين ننطق باللغة المصرية؟ فأجاب: والله يا بني لو بُعث آل فرعون وسمعونا نلوي ألسنتنا على نحو ما نفعل, لانهالوا علينا ضربا بالسياط ولأخذونا بالنواصي والأقدام”.
فهذا سؤال واحد يزعجه, من أسئلة كثيرة جدا, كانت ولا بد تنغص عليه معرفته بلسان البرابي القديمة, وبتاريخ أهلها المتطاول, وبشئون حياتهم التي عاشوها, وعقائدهم التي كانوا يتداولونها، وعلومهم التي بنوا عليها حضارتهم المعروفة في القديم, هكذا أظن, وهذا السؤال وأشباهه من الأسئلة, تدل على أنه كان عالما متثبتا متخوفا من الزلل, أمينا على ما يعلم وحريصا على طلب اليقين. وأنا أظن, بل هو فوق الظن, أن قلقه, وتثبته وتخوفه من الزلل وأمانته على ما يعلم, وحرصه على طلب اليقين, كانت خصالا من خصال العلماء مغروزة فيه سجية لا اكتسابا وأنه كان لهذه الخصال من الغلبة عليه والسيطرة على نفسه، يقبض قلمه قبضا شديدا, ويكفه كفا عن الكتابة والتأليف, حتى صار قليل التأليف جدا في هذا العلم الذي تميز به وعرف بانتسابه إليه, وعد عالما من أعلامه, وسار حقيقة في الناس بأنه من كبار أهله.
وخصلة أخرى من خصال هذا العالم الجليل, قد لا يعدها بعضنا من خصال العلماء ولكنها من أعظم خصال الأفذاذ منهم بلا ريب وإنما ينكرها من أنكرها, لندرتها, قبل كل شيء في جمهور العلماء, ثم لأنها خصلة خفية تبقى مستورة دائما, مكفوفة عن الظهور المستعلن, تحجبها وفرة العلم ووقاره وخفاؤه أحيانا عن الظهور، وسأحاول أن أوجز طريق معرفتي بهذه الخصلة إيجازا غير مخل.
ففي أولويات مجالسنا, في فجر معرفتي به رحمة الله عليه, مللنا مرة وطوينا كتاب طبقات الشعراء, وأخذنا نستروح بتجاذب الأحاديث, وفي خلال ذلك أنبأته أن أبي وأسلافي من مدينة جرجا بصعيد مصر فأطرق إطراقة, ثم عاد ينظر إلي كالمتثبت المتوسم, نظرة خلتها وميض جمرة من خلال الرماد وكأنما رآني الساعة لأول مرة، ثم فاجأني بحديث طويل في تاريخ جرجا وغيرها من الأقاليم في الأزمنة الموغلة في القدم. بدا حديثا جافا عن أقاليم الصعيد وحدودها القديمة يتخلله أسماء ملوك وكهان وأصنام معبودة من دون الله، وشيئا فشيئا, أصبح حديثه يترقرق حياة غنية متحركة رائعة حياة حية بعقائدها وعمائرها وأهلها وحوادث أيامها. وبدا لي أحمد بدوي كأنه يصور بلسانه حياة عاشها، أو حياة لا يزال يعيش فيها, وأما أنا, فكأني كنت أشهد بعيني هذه الحياة وهي تموج بأهلها, وأيامها ولياليها, على بساط من الأرض أتمثله أنا شاهدا مبصرا, متأثرا بما أسمع وأرى وأشهد, راعني الرجل, لم ترعني وفرة علمه ولا ما كان يعرضه علي من صور الآثار الباقيات، ولا ما كان يصاحب ذلك من تفسير وبيان, بل الذي راعني, وأخذ بنفسي, وسد عليها المنافذ, هذه النفحة التي كانت تهب علي من حديثه كأنها أنفاس نسيم الصبا في ساعة السحر تحمل العطر والشذا, وينعش مسها النفس والجسد, نفحة من شاعر ملء إهابه الشعر.
كان يوماً عجيبا ًوحديثاً عجبا فلما قرأت الجزء الأول من كتابه (في موكب الشمس) لم أخطئ هذه النفحة المنعشة المتحركة، ولكني وجدتها مقروءة, دون حقيقتها مسموعة حية على لسانه, وبصوته, وبألفاظه وبلهجته التي تدل على موطنه من صعيد مصر, والتي التزم بها, وأصر عليها, ولم يفارقها, ولم يتنكر لها طوال حياته رحمة الله عليه.
وبقيت عندي خصلة أخرى, مما خبرته بنفسي من خصال هذا العالم الجليل, وهي من أجل الخصال التي يندر وجودها في كثير من العلماء, ولا سيما في زماننا هذا. بيد أني إذا حاولت أن أقص قصة وقوفي عليها فيه على وجهها, اقتضاني ذلك أن أسرد عليكم حديثا طويلا جداً قد استغرق بيني وبينه عدة أيام وليال, ولكن ليس هذا هو مانعي الأول من سردها على الحقيقة, بل مانعي الأول هو أني كنت الطرف المتكلم في هذه القصة, وكان الدكتور بدوي هو الطرف المستمع, وحديثي اليوم بينكم إنما هو عن السلف العظيم الذي جعلتموني خلفا له, لا عن نفسي. وكذلك رميتم بي في حرج آخر فلو أنا أغفلت هذه الخصلة العظيمة التي وقفت عليها لظلمت صديقي ظلماً بواحاً لا يستره شيء, ولا يخرجني من هذا الحرج إلا أن أومئ إليها إيماء دون تصريح أو بيان, فقد هجم بنا الحديث مرة على شيء هو من صميم علمه, وهو تاريخ حضارة الفراعين وموقعها من مسيرة الجنس البشري.
طال الحديث بنا وتشعب أيامنا, وكانت حجتي التي بنيت عليها, قائمة على أصول واضحة بينة, مأخوذة من الوثيقة الكبرى التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها, والتي لم تبق على ظهر هذه الأرض وثيقة أخرى يمكن أن يعتمد عليها في تحديد الصورة الصحيحة لنشأة الجنس البشري على الأرض أو في تحديد الخطوط الصحيحة لمسيرة الحياة البشرية بأممها وعقائدها وعلومها بين علو وانخفاض وسمو وانهيار, وضعف وقوة. وهذه الوثيقة عي القرآن العظيم, وبيانه الصحيح الثابت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد استتبع الهجوم على هذا الموضوع كثيرا من المراجعة والاستدلال والقراءة الطويلة أحيانا, وكنت أنا في الحقيقة أريد أن أحوز هذا العالم الجليل إلى جانبي, فبذلت لذلك جهدا عنيفا متتابعا في مجالس متدانية, أما صديقي الدكتور بدوي فكان أكثر وقته يستمع ويصغي, وألمح في وجههه وفي عينيه الجد, والتردد أو الشك أحيانا, ولكن لم يقاطعني قط. وما هو إلا أذن صاغية لا غير.
وعجت عجبا شديدا لأني كنت أتوقع أن يتكره وجهه لهذا الحديث, أو أن يعترض, أو أن يثور, ولو مرة واحدة, لأني في الحقيقة كنت كأني أهاجمه في صميم علمه أو كأني أحاول أن أقلب بعضه رأسا على عقب, ولكن لم يزد في آخر الأمر على أن سكت طويلا, وأقبل على أكواب الشاي يشربها على مهل, وبدا كأنه نسي الأمر كله, كأنه لا يعنيه في شيء, وبعد لأي ما فأجاني وهو يقول: أتمنى أن يكون بعض ما قلته صحيحا نظرا, بل هو ممكن عقلا على الأقل. ثم سكت طويلا ثم عاد يقول: ولكن ماذا نفعل؟ إنما نسير في بيداء ليلها كنهارها .
أما أنا فقد أُخذت بحسن استماعه للحديث وبهدوء نفسه وصفائها, فهذه خصلة من خصال قليل من العلماء المتثبتين, يندر فيهم من يصبر عليها, ويأخذ نفسه بها أو يملك على الأقل أن يتكلفها ساعة, فضلا عن ساعات طوال وأيام.
وما ذكرت هذا العالم الجليل, إلا ذكرت معه عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك, قبل أن يتولى ما تولى من سلطان الخلافة, معدودا في علماء أهل المدينة, وزارها عمرو بن العاص رضي الله عنه, وخالطه مدة إقامته بها فلما رحل إلى الشام ذكره عند معاوية رضي الله عنه, ووصفه له, فكان مما قاله: هو آخذ تارك لثلاث، آخذ بقلوب الرجال إذا حَدث, وبحسن الاستماع إذا حُدِّث، وبأيسر الأمرين عليه إذا خولف, تارك للمراء, تارك لمقارنة اللئيم, تارك لما يعتذر منه.
رحم الله أخي وصديقي, كان عالما إذا التمست علمه, وصديقا منجدا إذا التمست صداقته, وأنيسا جذابا إذا التمست حسن العشرة، وكان لسانا حلوا صادقا وإنسانا كريم الجوهر, كأنه لؤلؤة صافية لا يشوبها كدر, وأنى لمثلي أن يكون خلفا لمثله؟ وأنا أخشى أن أكون قد قصرت أشد التقصير من حيث كنت أتوخى الوفاء, وأن أكون قد بخسته حقه وظلمته من حيث كنت أتحرى الإنصاف والعدل، وقد اضطررت إلى الحديث عن هذا السلف الجليل اضطرارا إلى فرط نفسي على هذا الحديث قهراً، والتزمت أن لا أقول إلا ما خبرته فيه بنفسي وفي زمن قليل جدا لا يتيح لي أن أوفيه حقه, وأنا على يقين من أن هذا القدر, الذي خبرته بنفسي من خصاله، قليل في جانب ما خبرتموه أنتم, بطول عشرتكم له من فضائله المذكورة الباقية غفر الله لي ولكم .
بقي الحرج الأكبر الذي وقعت فيه, فقد تفضلتم علي بضمي إلى مجمعكم الموقر, وخلتموني صالحا للجلوس بينكم فلا أدري كيف أسدي الشكر لكم على حسن ظنكم بي. ولا أدري ما أقول لأخي وابن خالي الأستاذ الكبير عبد السلام محمد هارون, الذي وقع هو أيضا في الحرج, حين كلف بتقديمي إليكم, وإنما أوقعه في الحرج هذا النسب الداخل بيني وبينه, بأي لسان أشكر, وأنا لا أملك إلا هذا اللسان العاجز الذي ألف الصمت دهرا طويلا. فاقبلو بفضلكم عذري وتغمدوا بكرمكم إساءة عجزي, وقد أحسنتم إلي بظهر الغيب, فأتموا إحسانكم علي في مشهدي وحضوري, وأقول لكم ما قال أبو عبادة للفتح بن خاقان :
ومثلك إن أبدي الفعال أعاده * وإن صنع المعروف زاد وتَمَّما

وأنتم أيها الرجال الأجلاء, أهل ذلك وأكبر منه.
أما الآن وقد فرغت مما كنت قد أعددته، وقد سمعت ما قاله في أخي وابن خالي الأستاذ عبد السلام محمد هارون, فقد كنت وأنا أسمعه, أزوّر في نفسي كلاما له ولكم, ولكن قد طار مني الآن, فلم يبق منه شيء يمكن أن أقوله, ولكني كأني أسمع شيخ المعرة يهمس في أذني أن أنشدكم قوله في نفسه, وقد لقي من بعض الناس مثل الذي لقيته فقال:
من لي أن لا أقيم في بلد * أذكر فيه بغير ما يجبُ
يظن بي اليسر والديانة والعلـ * ـم وبيني وبينها حج
بأقررت بالجهل, وادعي فهَمي * قوم , فأمري وأمرهم عجب

أمري وأمركم عجب,أيها الرجال الأجلاء,
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شاهد أيضا: صورة الشيخ محمود محمد شاكر في استقباله بمجمع اللغة العربية.