رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

  • عنوان الكتاب: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا.
    رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

    رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

  • المؤلف: محمود محمود شاكر.
  • الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب – مكتبة الأسرة.
  • عدد الأجزاء: 1.
  • الطبعة: الطبعة الأولى 1997 م.
  • عدد الصفحات: 182.
  • الحجم: 7.63 ميجا بايت.

مقتطف من رسالة في الطريق إلى ثقافتنا:

بسم الله الرحمن الرحيم

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ رَجَلاً هِيبَةُ النّاس، أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ[1]».

الحمد لله حمدا يبلغنى رضاه، وإن كان جهد الحمد لا يفي بشكر نعمة واحدة من نعمه. اللهم تجاوزْ عن تقصيري في حمدك ومرضاتك. اللهم إني فقير فأغنني، وضعيف فقوني، وحائر فسددني، ومريض فاشفني، وجاهل فعلمني، وعاص مذنب فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. اللهم صل على محمد صلاة أزدلف بها إلى مغفرتك، وسلم عليه تسليما يحشرني في زمرة أوليائه، ويدخلني في شفاعته يوم لا شفيع إلا بإذنك. وصل اللهم على أبويه الرسولين الكريمين إبراهيم وإسماعيل، وعلى سائر المخلصين من أنبيائك ورسلك. رب اغفر لي وارحمني برحمتك التي وسعت كل شيء.

****

كلمة لا بد منها، إلى قارئ كتابي هذا: «المتنبي»

لكي تكون على بينة….

1- اعلم أني قضيت عشر سنوات من شبابي، في حيرة زائغة، وضلالة مضنية ، وشكوك ممزقة ، حتى خفت على نفسي الهلاك، وأن أخسر دنياي وآخرتي، محتقبا إثما يقذف بي في عذاب الله بما جنيت. فكان كل همي يومئذ أن ألتمس بصيصا أهتدي به إلى مخرج ينجيني من قبر هذه الظلمات المطبقة على من كل جانب.

فمنذ كنت في السابعة عشرة من عمري سنة 1926، إلى أن بلغت السابعة والعشرين سنة 1936، كنت منغمسا في غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسا مبهما متصاعدا أنها حياة فاسدة من كل وجه .[2]

فلم أجد لنفسي خلاصا إلا أن أرفض متخوفا حذرا، شيئا فشيئا، أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التي كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف، يهدم السدود، ويقوض كل قائم في نفسي وفى فطرتى.

ويومئذ طويت كل نفسي على عزيمة حذاء ماضية : أن أبدأ، وحيدا منفردا، رحلة طويلة جدا، وبعيدة جدا، وشاقة جدا، ومثيرة جدا. بدأت بإعادة قراءة الشعر العربي كله، أو ما وقع تحت يدي منه يومئذ على الأصح، قراءة متأنية طويلة الأناة عند كل لفظ ومعنى، كأني أقلبهما بعقلي، وأروزهما (أي: أزنهما مختبرا) بقلبي، وأجسهما جسا ببصري وببصيرتي، وكأني أريد أن أتحسسهما بيدي، وأستنشي (أى: أشم) ما يفوح منهما بأنفي، وأسمع دبيب الحياة الخفي فيهما بأذني = ثم أتذوقهما تذوقا بعقلي وقلبي وبصيرتي وأناملي وأنفى وسمعي ولساني، كأني أطلب فيهما خبيئا قد أخفاه الشاعر الماكر بفنه وبراعته، وأتدسس إلى دفين قد سقط من الشاعر عفوا أو سهوا تحت نظم كلماته ومعانيه، دون قصد منه أو تعمد أو إرادة[3].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– هو من حديث أبي سعيد الخدري، من خطبة خطبها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رواها أحمد في المسند بطولها 3: 19، والترمذي في السنن، «كتاب الفتن» ، «باب ما جاء ما أخبر به النبي – صلى الله عليه وسلم – بما هو كائن إلى يوم القيامة» ، ورواه مختصرا كما أثبته أحمد في المسند 3: 5، 71، وابن ماجه في السنن، «كتاب الفتن» ، «باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر».

[2]– انظر مقدمة كتابي ” أباطيل وأسمار ” ص: 10، 11، ومواضع أخر مما كتبت.

[3]– قد حسمت قضية “التذوق “، ولم سميت منهجي منهج ” التذوق “، في كلمتين نشرتهما في مجلة الثقافة في العددين: 61 (أكتوبر سنة 1978) / 63 ( ديسمبر سنة 1978)، وأنى لا أعنى به ما مجرى على ألسنة الكتاب: ( يتذوق الجمال) و ( يتذوق الفن)، فهذا كلام غير دال على منهج. وليس هذا مكان بيانه مرة أخرى. ولم أتم كتابة هذه المقالات، وسأنشرها قريبا بعنوانها: (المتنبي ليتني ما عرفته).