حول جهود دور النشر

رأي الأستاذ محمود محمد شاكر في جهود دور النشر

أستاذنا تبذل جهود مختلفة لنشر التراث في الجمهورية العربية المتحدة والكويتية وغيرها من أقطار العروبة، ما رأيك في هذه الجهود، وماذا ينقصها، وما السبيل لنشر التراث العربي على خير وجه؟

بقي عدد قليل جدا من الذين يحسنون نشر الكتب القديمة على وجه يعتمد، وأنت تسألني ماذا ينقص هذه الجهود، فأنا أدع المتميزين جانبا، المعروفين بدقتهم، وعددهم قليل جدا، وأُحَدِّثك عن الباقين.

فسؤالك: ماذا ينقصهم هذا غريب، مع ذكر الجهود، في الحقيقة أنهم يتلفون شيئا كثيرا مما ينشرون، والجيل الماضي، لا أعني جيلنا، بل الجيل الذي سبقنا، الذي كان ينشر الكتب في المطبعة الأميرية وسواها، حتى أمثال أستاذنا العظيم وهو كُتبيّ يكاد يكون أميا وهو الأستاذ أمين الخانجي رحمه الله، رجل من أعظم الرجال الذين رأتهم عيني، مع أنه لم يتعلم قط، ولكنه كان كتبيا تاجرا؛ ولكن كانت له معرفة وثيقة بالكتاب، وحُب لم أرى لأحد أحدا يحب امرأة كحبه للكتاب. فهؤلاء كانوا مع بعدهم عن زمن النشر الحديث والإستعداد الضخم الموجود في أيدنا كانوا أفضل بكثير جدا من كل من ينشر في هذه الأيام، فالذي ينقص هؤلاء، هو لا لأن لهم جهودا، ولكن ينقصهم شيء آخر، ينقصهم أنهم ليسوا أصحاب معارف أولا، وليس في قلوبهم احترام لشيء، لا للنص المكتوب، ولا للكلام المكتوب، ويُبَدِّلون فيما يعملون تبديلا فاحشا.

المقصود من نشرهم؟ هل هي خطة مقصودة؟

لا، ليست مقصدودة، ولكن شبان يتعلمون ويدخلون الجامعة، والجامعة مكان ما، وبعدها يجد أن هذا باب من [التجارة]، هذا كل ما في الأمر؛ يريدون أن يعيشوا، لكن ليس لهم عقيدة، تراها في أول ورقة..

هو الجهل بالشيء مثلا؟

هو ليس جهلا، هو لا شيء، لا علاقة لهم، هو طريق، ومع الأسف أقول لك وأنا آسف أن هذا أيضا موجود في الصحافة، موجود في كل شيء، في جميع أعمالنا، ظاهرة عامة لا تقتصر على هذا الباب، فإذا كان هناك إرادة الإصلاح فالإصلاح في الوجود الإنساني؛ الإنسان هو أصل هذه الأشياء، لا أستطيع أن أتصور أن التلف يوجد في هذا الأمر ثم لا يوجد في الهندسة أو في الطب، لا، محال، هذا شيء قائم في طبيعة الأجيال الممزقة التي تصدر، عن بلادنا اليوم، مع الأسف.

والله هذا شيء يؤسف له.