ديوان الملاح التائه – علي طه محمود

ديوان الملاح التائه – علي طه محمود

ديوان الملاح التائه - علي محمود طه

ديوان الملاح التائه – علي محمود طه

– عنوان الكتاب: ديوان الملاح التائه.

– المؤلف: علي محمود طه.

– تحقيق وشرح: ــــــــــ.

– الناشر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.

– سنة النشر: 1423 هـ / 2013 م.

– رقم الطبعة: الأولى.

– عدد المجلدات: 1.

– الحجم: 5.97 ميجا بايت.

– إمكانية التحميل: الكتاب متاح للتحميل.

– طبعة أخرى للكتاب: غير متوفر الآن.

* * *

قال الأستاذ محمود محمد شاكر:

… إنَّ أكثرَ ما قيل – عن ديوان هذا الشاعر – إنما مردُّه إلى آراء فاسدةٍ في معنى الشِّعر، وما هو، وكيف هو، وإلى الجَهْل بطبيعة الشاعر وفِطرته، ومِن أين تأتي، وأنَّى تتوجَّه، وكيف تجري به إلى أغراضِها على نِظامٍ لا ينفَكُّ عنه، أراد أو لم يُرِدْ.
وليس يشكُّ أحدٌ أنَّ الشِّعْر في أصْله هو معانٍ يُريدُها الشاعِرُ، وأنَّ هذه المعاني ليستْ إلا أفكارًا عامَّةً يشتركُ في معرفتها كثيرٌ من الناس، وأنها دائرةٌ في الحياة على صورتها التي تأخُذُها بها كلُّ عينٍ، ويتداولُها مِن جهته كلُّ فِكْر، وأنها – إذ كانت كذلك – ليستْ شيئًا جديدًا في الحياة، ولا في معانيها وأوصافها وحقائقها.
وإنما تصيرُ هذه المعاني شِعرًا حين يعرضُها الشاعرُ في معرِض مِن فنِّهِ وخياله، وأدائِه ولفظه، فيُجدِّد لك هذا المعنى تجديدًا ينقلها من المعرفة إلى الشُّعور بالمعرفة، ومِن إدراك المعنى إلى التأثُّر بالمعنى، ومِن فَهْم الحقيقة إلى الاهتزاز للحقيقة، فتجد المعنى القريب – وقد نقلك الشاعر إلى أغواره الأبديَّة، وأسراره العظيمة – وكأنَّه قد خرج عن صورته التي ضُرِبت عليه في الحياة إلى السِّرِّ الأول، الذي أبدع هذه الصورة، وإلى الصِّلة التي تصل ما بيْن المعلوم إلى المجهول البعيد، الذي لا يُرى ولا يُلمس.
فالشُّعور والتأثُّر والاهتزاز هي أصلُ الشِّعر، ولا يكون شِعرٌ يخلو منها، ومِن آثارها وتأثيرها إلاَّ كلامًا كسائر الكلام، ليس له فَضْلٌ إلا فضْل الوزن والقافية، وهذه الثلاثة لا يكتسبها الكلامُ من المعاني مِن حيث هي معانٍ معقولةٌ مدرَكة، وإنما هي فيه من رُوح الشاعر وأعصابه، ونَبَضات الشَّوْق الأبدي، التي تَتنَزَّى في دمه، فأيُّما معنًى عَرَفه الشاعر، وأيُّما صورة رآها، وأيُّما إحساس أحسَّ به، فهو لا يكون مِن شِعره إلا حين يتحوَّل في رُوحه وأعصابه ودمه، إلى أخيلة ظامئة عارية، تبحث عن رِيِّها ولباسها مِن أسلوب الشاعر وألفاظه، ثم تُريد بعدَ ذلك زينتَها من فنِّ الشاعر لتفصلَ عنه في مَفاتِنها الجميلة، كأنَّها حسناءُ قد وَجدتْ أحلامَ شبابها في زينتها وأثوابها.
وبقَدْر نُقصان خزائن الشاعر ممَّا تتطلَّبه أخيلتُه الظامئة العارية، يكون النقصُ الذي يلحق العذارَى الجميلة التي تسبح في دَمِه من معانيه.
والشِّعر على ذلك هو فنُّ تجميل الحياة؛ أي: فن أفراحها الراقصة في نسماتٍ مِن الألحان المعربِدة بالحقيقة المفرِحة، وفن أحزانها النائحة في هَدْأة التأمُّلات الخاشعة، تحتَ لذاعات الحقيقة المؤلِمة، وفن ثوراتها المزمجِرة في أمواج مِنَ الأفراح والأحزان والأشواق، قد كُفَّتْ وراءَ أسوار الحقيقة المفرِحة المؤلِمة في وقت معًا.
وهو على ذلك فلسفةُ الحياة؛ أي: فلسفة السموِّ بالحياة إلى السِّرِّ الأبدي، الذي بثَّ في الحياة أسرارَه المستغلقة المبهمة، التي تُرى ولا تُرى، وتظهر ولا تظهر، وتَترك العقلَ إذا أرادها حائرًا ضائعًا مشردًا في سبحات مِن الجمال تُضيء فيه بأفراحها كما تضيء بأحزانها، وتفرح بكليهما وتحزن، فرحًا ساميًا أحيانًا، وحزنًا ساميًا أبدًا.
وإذا كان الشِّعر هو فلسفةَ السموِّ بالحياة، فمعنى ذلك أنَّه النظام العقلي الدقيق الذي يبلغ مِن دقَّته أن يكون منطقُه إحساسًا مسددًا، لا يخطئ ولا يَزيغ، ولا يبطل ولا يتناقض في أسلوبه الفني، ونِظامه الشِّعري البديع، وهذا النِّظام العقلي النابِض الذي يتلقَّف مادة أفكاره مِن الحياة لا يستطيع أن يشعرَ أحيانًا، ولا يشعر أحيانًا – كما قال بعضُهم.
ولا يستطيع أن يتقيَّدَ بزمان ومكان يستوحي منهما الشِّعر، ثم لا يكون هو يستوحي مِن غيرهما، كما ذهب بعضُ أصحاب الكلام إلى القَول حين ظهر “ليالي الملاح التائه” في شِعر الطبيعة المصريَّة، وشعر الطبيعة الأوربيَّة، وما إلى ذلك مِن فضول الحديث.
إنَّ هذه الحاسَّة العاقلة المفكِّرة النابضة في الشَّاعِر تأخذ مادتها من مساقطِ الوحي في كلِّ أرضٍ، وتحتَ كل سماءٍ، وربَّ خُمول أو فَتْرة تأخذُ هذه الحاسَّة في موطنها ومنشئها ومدرجها، ثم تكونُ البلادُ البعيدةُ في مطارح الغُرْبة هي التي تنفُض عنها غبارَها وتمسحه، حتى تجلوَها جلاءَ المِرآة؛ إعدادًا لها لتتلقَّى صُوَرها التي تجري في مائها إلى دَمِ الشاعر، ثم إليها مرَّة أخرى، ولا تزال كذلك بيْن الأخْذ والإعطاء، حتى ينبثقَ ماء الينبوع من صَخْرة الحياة الشاعِرة.
فلا يخدعنَّك ما يقول فلانٌ وفلانٌ، فإنْ هم إلا أسماءٌ قد رُكِّبتْ على ألْقابها تركيبًا مَزجيًّا على خطأ وفساد، كما رُكِّبت “حضرمَوت” و”بعلَبكَّ” تركيبًا مزجيًّا على صحَّة وصواب…

المصدر: جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر، ص 130 -132.