بَل شَنيعًا

بَل شَنيعًا

وإذًا؛ فليس حسنًا، بل شنيعًا أن ينتصبَ امرؤٌ له بقيَّة عقل، فيقوم قائمًا ليخونَ جهرةً وعلانيةً أمانةَ البيان، وأمانةَ القلم؛ لأنَّه عندئذ إنَّما يخيس بأوثق عهد عَهِده الله إلى بني آدم، حيث علَّمهم البيان، وعلَّمهم بالقلم، وكلُّ ناطق بلسان أو كاتب بقلم، فإنَّما هو مُعلِّم لِمَن يتلقَّى عنه، فإذا احتال وغشَّ وخادع، وكذب واجترأ على ما لا يُحسن، وادَّعى ما لم يكن، وحرَّف الكَلِم عن مواضعه، وبدَّل لفظًا بلفظ؛ ليزور باطلاً، فزوَّق وحسَّن، وأخفى معالِمَ القُبح فيه بالتدليس، وسترَ عوارَه ودمامته بالمخرقة والتمويه (والمخرقة: احتيال الدَّجاجِلة بالحِيل الخفيَّة).

فقد خرج بفِعْل ذلك عن أن يكون مبينًا وكاتبًا إلى أن يكون دجَّالاً، يجعل الصِّدقَ طلاءً لِمَا تعافُ النُّفوس مِن كذِبه، وخرج من أن يكون معلِّمًا لِمَن يتلقَّى عنه، إلى أن يكون نهَّازًا لغفلات السَّامعين والقارئين، يريد الغدرَ بهم وبعقولهم؛ ليفسدَها بآفة مِن آفاته، وإنَّما هو مخاتل يتَّخذ ثقةَ المتعلِّم بمن يظنُّ أنَّه يعلِّمه شبكةً وحبالةً للإيقاع به، هذا كلُّه شنيع، فإذا جاء وقد ناط إلى اسمه لقبًا يتدلَّى كأنَّه وسامٌ شاهد مصدِّق لظنِّ المتعلِّم فيه، فذلك من فِعلِه أشنع، فإذا أَلبسَ مَكرَه بالقارئ قناعًا يقال له: “المنهج”، يبتغي بذلك أن يأتيَه من مأمنِه، فلا تُخامره الهواجسُ والشُّكوك فيما يُقال له، فذلِك أوغل في الشَّناعة، فإذا صال على المتعلِّم صولةَ الشرلتان المدرب (والشَّرْلتان معروف معناه في كلام الأعاجم)، فتذاءب عليه (أي: فَعَلَ فِعل الذِّئب في المهاجمة)، فأتاه من عَن يمينٍ وشِمال، فاستكثر بذِكْر أسماء العُلماء والكتب؛ ليُتاح له أن يُلقي إليْه أقوالاً مؤكَّدة إلقاءَ الحقائق المسلَّمة المفروغ من صِدقها وصحَّتها، فذلك أخبثُ الشَّناعة، وهو بالقارئ المخْدوع أضرُّ من الوباء المتفشِّي، ومِن الطَّاعون المستَعِر، فإذا كان على ذلك كلِّه، ممَّن اؤتُمِن على كرسيِّ أستاذيَّة، أو على صحيفة سيَّارة في النَّاس؛ عالِمهم ومتعلِّمِهم وشاديهم، فارْتَكب هذا

[الصفحة 71]

الطَّريق علانيةً وجهْرة، وبلا حياءٍ يَحجزه أو يرْدعه، أو يَكُف مِن غَرْب تَحرُّقه على نشْر ما يطوى من الخديعة (وغَرْب كلِّ شيء: حِدَّته ومضاؤه)، فقد جَمع الخمْسةَ المهلِكة، ليتجرَّعَها آلافٌ آمِنون غافِلون، نفتْ ثقتُهم به ريبةَ قلوبِهِم بما يكتب، لا، بل زاد فأتى بسادسة الأثافي – ولَم تكن الأثافي قَبلَه سوى ثلاث – وذلك بإلقائِه على مَن ائتمنه على الكرسيِّ أو الصَّحيفة جريرةَ يده؛ لأنه مَكَّن له أن يفعل ما فعل، وأصحاب العقل يقولون:
إِنَّ العَفِيفَ إِذَا اسْتَعَانَ بِخَائِنٍ كَانَ العَفِيفُ شَرِيكَهُ فِي المَأْثَمِ
ويقولون في أمثالهم: “مَن استرعى الذِّئب ظلم”.

فمن أجْل هذا حَملتُ القَلمَ بعد طُول التَّمادِي في هجْرانه ثلاثةَ عشر عامًا؛ لأهتِكَ أقنعةَ المَخْرقة على عقول النَّاس بالباطلِ المُموَّه، ولأكشفَ غاشيةَ الوباء المنتشِر بلا رقيبٍ يَدفع، أو طبيبٍ يُعالج، ولأُزيلَ الغِطاء – إن شاء الله – عن مساربِ الهلاك الخفيِّ الَّذي بدأ يتدسَّس إلى أبناء أمَّتي، وهم في غفلاتهم آمنون، ثُمَّ حملتُه بعدُ لأذودَ عن شيخ المعرَّة – رحمه الله.

وارحمتاه للشيخ! ما حاق به مِن البلاء منذ كان نابتًا طريًّا في الرَّابعة مِن عُمره، فاغتاله الجُدريُّ فعاث في وجْهِه وحفَّره، وذهب بيُسرى عينيْه، فغارت وانطفأت، وضَغَط على اليُمنى فنَتَأت؛ (أي: برزت) لابسةً غشاوةَ بيضاء، فصار مَرآهُ للناس شُنْعة، حتَّى يقول رائيه في صفته: وهو صبيٌّ دميم الخِلقة، مجدور الوجه

ولم يكد يسيرُ ذِكْره في النَّاس حتى أخذتْه مقاذعُ الألْسنة (وهي: الكلام القبيح والفحش)، فرُمِي بالإلحاد وسوءِ الاعتِقاد؛ حسدًا ونكاية، إلى أن تُوفِّي سنة 449 هـ، اثنتان وثمانون سنة، لقِي فيها الضرَّ المفزع، والبلاءَ المستبين، وكأنَّ الشَّيخ لم يَكفِه ما لقي مِن هذا كلِّه وهو حي يحس ويتألَّم، حتَّى يخرجَ عليه، بعد دُهور من مماته “تركبولي” محترق (والتركبولي: هو رأسُ رماة الإفرنج باليونانية)؛ ليعيثَ هو أيضًا في رِمَّة الشَّيخ، وفي أدبِه وفي علمه، لا يرْدَعُه شيءٌ عن الضَّرب المثخِن بقنطاريَّته (وهو: الرُّمح الثَّقيل باليونانيَّة، وكلُّ الألفاظ اليونانيَّة الَّتي أستعْمِلها كانتْ معروفةً للمسلمين زمنَ الصليبيَّة)،

[الصفحة 72]

ليشطِّب صورتَه ويَزيدها تشويهًا (يشطِّبه: يُقطِّعه ويمزِّقه، وهو الذي يُقال بعاميَّة مصر: يشضبه)، ثم لا يقنع بهذا حتَّى يتناول العصرَ كلَّه برجالاته، وأفكارِه، وأحداثه وأحوالِه بوجه عام، كما يقول الدكتور، فيشطِّبه تشطيبًا، ضربًا وطعنًا، يمينًا وشمالاً، بيدٍ قاسية، كأنَّ فيها ضغينةَ ثلاثةَ عشرَ قرْنًا ظلَّت دفينةً مستكنَّة، ثمَّ هاجت فجأةً هياجَ المِرَّة السَّوداء، (و”المِرَّة السَّوداء” بكسر الميم: مزاجٌ من أمزجة البدن، يُسأل عنه الأطبَّاء).

ومع عِلمي بكلِّ ذلك وصِفته، لم أُحاوِل بعدُ أن آخُذ الدكتور لويس عوض من هذا الجانِب؛ بل أخذتُه من الجانِب الَّذي يُريد هو أن يعرِضَه لأعيُن النَّاس، من جانب العِلم والأدب والكتابة والأستاذيَّة الجامعيَّة، وسائر هذه المراقع التي يَتكَمْكم فيها ليوهمَ أنَّها طيلسان أستاذ جامعي (“يتكمكم”: يتلفَّف فيها ويختفي و”الطيلسان”: الرُّوب الجامعي)، وتحت هذه المراقع البلاءُ الماحق لعقول الشباب المتطلِّعين إلى العِلم والمعرفة؛ لأنَّها تستلُّ من قلوبِهم الشكَّ والرِّيبة في حديث الرَّجُل المتدثِّر بِشَارَةِ العِلم والثقافة، فكان من حيلته أن عرَّض للناس بذكْر “المنهج “؛ ليزدادَ الغافلُ اطمِئْنانًا لأستاذيَّته، فمن أجل ذلك بيَّنت معنى “المنهج” في الكلِمة الأولى، وأنَّه شطْران، والشَّطر الأوَّل يتناول مادَّة الدِّراسة، وذلك بجمعها وتصنيفها وتَمحيص مفرداتها، وتحليل أجزائها بدقَّة وحذر، ليتبيَّن زيفُها من صحيحِها، فليتَ شعري، ماذا فعل هذا الأستاذ الجامعي، زعم؟! وما مادَّة دِراستِه لشيخ المعرَّة، ورسالة الغفران؟!

أثار الغبارَ القاتلَ منذ عهْد هوميروس إلى أن انتهى إلى زمن الصليبيَّة في المقالة الرَّابعة من مقالاته التِّسع، وهو في خِلال ذلك يعلو ويهبط، ويَجري يَمنة، ثم يركُض يَسرة، وينشر ثوبًا أزرق، ثمَّ يطويه فينشر آخرَ أبيض وأحْمر وأخضر، ويُوقد نورًا ثم يُطفِئه ثم يُنيره، كأنَّه ساحرٌ عبقري، حتَّى إذا انتهى إلى آخرِ المقالة الرَّابعة، تلاعبَ وصَرخ وبعْثر، وأخفت ضوءًا وأشعل آخر، ليوهمَك أنَّه عمد إلى تاريخ شيخ المعرَّة، صاحب “رسالة الغفران” فنفضه نفضًا، فلم يجدْ في هذا التَّاريخ كلِّه خبرًا يَهدي إلى حقيقة “هذا الرجل العظيم” سوى خبرٍ واحد، هو حديثُ راهبِ دير

[الصفحة 73]

الفاروس! (أيُّ دَجَلٍ هذا؟!)، ثم ماذا؟! ثم لم يكن هذا الخبرُ سوى خبرٍ وقع إليه عرضًا في كتاب واحد، ألَّفه الدكتور طه حسين منذ أكثر من خمسين سنة، ثم ماذا؟! ثم تجد الدَّليل القاطع على أنَّه لم يقرأ كتابَ الدكتور كلَّه، وإذا كان قرأه فإنَّه لم يفهمْه، ثم ماذا؟! ثم تنفَّش حين نقل الخبر بِذكْر رجلين، أقطع أنا بأنَّه لا يَعرف مَن هما، ولا أين كانا، ولا أيَّ شيء كتبَا، وهما القفطي والذَّهبي، فأسند إليهما الخبر، كأنَّه منقولٌ عن كتابيهما، وهذا غِشٌّ فاضح.

ثم ماذا؟! ثم لم يقتصرْ على هذا التنفُّخ الغث حتَّى خان الأمانة، فقرأ أربعةَ أسطر من كتاب الدكتور طه، وأغفل ما جاء بعدَها مباشرةً من نقد لهذا الخبر، وهذا أشدُّ شيء غثاثة، ثم كان ماذا؟! ثم استخرج مِن هذه الأسطر الأربعة نتيجةً ألقاها كأنَّها حقيقةٌ واقعة، إذ جمع بين أبي العلاء الذي تُوفي سنة (449) هـ، وأسامة بن منقذ الذي وُلد سنة 488 هـ، فجعلهما صبيِّين يتعلَّمان معًا بأنطاكية، ويختلفان إلى مكتبتها في عهد غلبة نصارى الرُّوم على هذه المدينة، ثم ماذا؟! ثم زعم أنَّ بأنطاكية يومئذ “حضارة زاهرة حسبَ ما روى ياقوت الحموي”، أو كما قال، فقوَّل ياقوتًا ما لم يقلْ، فدلَّس تدليسًا قبيحًا ظاهرًا، لم أتناولْه فيما مضى، وسيأتي بعدُ في مكانه.

ثم لم يكن أمينًا ولا صادقًا فحرَّف الكَلمَ عن مواضعه؛ لأنَّ الدكتور طه يقول: “ولقي بهذا الدير راهبًا درس الفلسفة وعلوم الأوائل، فأخذ عنه ما شكَّكه في دينه وفي غيره من الدِّيانات”، فمسخ كلام الدكتور طه، وحذف منه ما فيه ذِكْر دِين أبي العلاء، وغيره من الدِّيانات ليسوقَ الخبر في غُبارٍ من ركاكة التعبير والتصوُّر فيقول: “وقد تعلَّم المعري في اللاَّذقية كما تعلَّم في أنطاكية، ففيما روى القفطي والذهبي أنَّه نزل بدير فيها: “ولقي بهذا الدير راهبًا قد درس الفلسفة وعلوم الأوائل” بلغة طه حسين، أو باختصار: أخذ عنه اليونانيَّات، فما علوم الأوائل هذه التي كانت تُقرأ في الأديرة تحت حكم الرُّوم، إلاَّ آداب اليونان وفلسفتهم في لغتها الأصلية”، فوضع جزءًا من كلام الدكتور طه بين ضبابتين مِن الغَثاثة، وزاد فجعل “لقاء الراهب والأخذ عنه” “تعلُّمًا في اللاذقية” بلا حياء ولا حرج، ثم ماذا؟! ثم غَشَّ القارئ

[الصفحة 74]

وخدعه، وزوَّر عليه حين ساق هذا الغُثاءَ كلَّه مساقَ الحقائق المسلَّمة التي فَرَغ هو مِن دراستها وتمحيصها على “أسلم منهج” – كما قال – فصارت بديهيَّة لا تحتمل المناقشةَ، ليس إلاَّ التسليم، ثم ماذا؟! ثم ختم هذه البلايا بمرسومٍ حاسم أصدرَه البسكند (الفيكونت) الدكتور لويس عوض هذا نصُّه: “والحقُّ أنَّه لا يُعرف شيءٌ عن تعليمه الرسمي (يعني تعليم أبي العلاء الرسمي، وهذا أجدُّ شيء وأطرفُه وأظرفه) حتَّى سِن العشرين، وهي سِنُّ التكوين، إلاَّ أنَّه تعلَّم في حلب، ثم أنطاكية، ثم في اللاَّذقية، ثم في طرابلس (بهذا الترتيب المدروس، البديع، المدهش)، ومثل هذا الغُموض الذي أحاط بتكوينه العقليِّ حتى سن العشرين، يُحيط أيضًا بحياته كلِّها فيما بين العشرين والخامسة والثلاثين” [التوقيع البسكند، الدكتور لويس عوض، المستشار الثقافي لمؤسَّسة الأهرام، وعضو جمعية الأدباء]، فأيُّ جرأة على صبِّ الغثاثة على الورق؟!!

فائدة: (البسكند، هكذا عرَّبه المسلمون أيَّام الْتحامهم بالصَّليبيِّين).

فهذا أستاذ جامعي يتبجَّح بذكْر “أسلم منهج”، ثم لا يكون مِن فعله إلاَّ أن يأخذ خبرًا لقيطًا وقع عليه عرضًا بلا قراءة، وبادِّعاء غثٍّ للقراءة في كتاب ألَّفه صاحبُه صغيرًا منذ أكثر من خمسين سنة، ثم لم يسلكْ في مدارسته مسلكَ مبتدئ جامعي، فضلاً عن أستاذ جامعي، ثم لم يسأل نفسَه سؤالاً واحدًا يدلُّ على أدنى ذكاء، فضلاً عن أستاذية، ثم لم يُبالِ إبراءً للذمَّة، أن يراجع المصدرين اللَّذين انتفخ بذكرهما إِيهامًا وتصاولاً بالاطلاع، وتدليسًا على القرَّاء.

وهذا أستاذ جامعي صاحب “منهج” لم يخطرْ بباله قطُّ أنَّ على المبتدئ في دراسة الآداب أن يتتبَّع أيَّ خبر وجده؛ لينظرَ مِن أين جاء؟ ومتى جاء؟ ومَن قائله؟ وفي أيِّ زمان كان؟ وعسى أن يجد فائدة، وإلاَّ إبراء للذِّمَّة، وإلاَّ حياء أن يصبح فيَجد الخبرَ عند الناس موجودًا في عشرة كتب مطبوعة، وبعشر صِيغ مختلفات! ليس منها الصيغة التي ذكرها الدكتور طه في كتابه، ونسبَها إلى القفطي والذهبي، وقليلٌ مِن الحياء يُصلح العقل!
وهذا أستاذ جامعي – بعد ذلك كلِّه – يعمِد إلى كلام الدكتور طه فيحرِّفه

[الصفحة 75]

ويبدله، ويستخرج منه ما لا يعقلُه إنسان عاقل، فضلاً عن أُستاذٍ جامعي، ثم يَزيد فيترجمه إلى لغةٍ ركيكة سقيمة، بلا حذرٍ ولا حَيطة ولا تدبُّر، آه! هذا أستاذ جامعيٌّ مجترئٌ لم يتوهَّم قطُّ أنَّ الآداب والفلسفات إنَّما تقوم بالألفاظ ودراستها وتحليلها، وهذا فعلُه في ألفاظ خبر، فما ظنُّك به في الشِّعر مثلاً؟!

وهذا أستاذ جامعي يأتي منتفِخًا منتفِشًا؛ ليكتبَ عن أثر أدبيٍّ لرجلٍ لا مغمور ولا مجهول، له ترجمةٌ في أكثر من ثلاثين كتابًا، وكتب الناس عنه شرقًا وغربًا، قديمًا وحديثًا، والكتب بين عينيه مطروحةٌ على الأرصفة وفي الطُّرقات، ثم لا يُعنِّي نفسَه عناءً في البحث؛ ليعرفَ مَن شيوخ أبي العلاء الذين تلقَّى عنهم حتى سِن العشرين، ولا ما كان مِن أمرِه وخبرِه حتى بلغ الخامسةَ والثلاثين؛ ليكذبَ على الناس ويدَّعي ويُزوِّر، فيقول: إنَّه لا يُعلَم شيءٌ عن تعليمه الرَّسمي حتَّى بلغ هذا العُمر.

وهذا أستاذ جامعي ينتهي بعد هذا الغُثاء كلِّه، إلى أنَّه لا يصحُّ شيء في العقول ولا في الكتب، سوى أنَّ أبا العلاء تعلَّم في أنطاكية، التي كَذَب على القُدماء، فزعم أنَّهم قالوا: إنَّه كانت بها حضارة زاهرة، وذلك حين دخلت في حَوْزة الرُّوم، فأجلوا منها المسلمين من سنة 353 قبل مولد أبي العلاء، إلى سنة 477 بعد وفاته، ثم في اللاَّذقية التي لم تكنْ أحسنَ حالاً من أنطاكية حيث تعلَّم من راهب دير الفاروس، يقول ذلك غيرَ عابئٍ بعقل، ولا فكر، ولا نظر.

وهذا أستاذ جامعي يدخُل في الشَّطر الثاني من “أسلم منهج”، فيحيط خبر الرَّاهب، قبل أن يُطلع القرَّاء على هذه النفيسة العجيبة، بصورةٍ ضخمة لغلبة أهل الصَّليب على أهل الإسلام، لم نناقشْها بعد، ولكنَّها كاذبة، ومِن سمادير المدمنين، ولا أصلَ لها؛ إلاَّ فيما يتراءَى له مِن الأخيلة، ويُسمِّيها “الخلفية التاريخية لهذا الرجل العظيم”، ثم يأتي بالفتى الضَّرير فيقحمه في ألوانها وظلالها، وراهب دير الفاروس يقودُه بيده، أو بزمام مطروح في عُنقه.

وهذا أستاذ جامعي، لا أدري مِن أيِّ شيء سُوِّيَ أديمُ وجهه، يقول علانيةً: إنَّه جاء يعلِّم الناس “الإنسانيات”؛ يعني الآدابَ، ثم يعزل صاحبَ آثار أدبيَّة فريدة في تاريخ البشر عن أهله، وعن منزلتهم في الناس، وعن أهله وعواطفهم نحوَه، وعن

[الصفحة 76]

أهل دِينه وعاداتهم، وأخلاقهم وآرائهم ومعتقداتهم، ثم عن أبيه وأمِّه اللَّذَين كانَا يحوطانِ ضرارتَه وعجزه، فيرعيانه ويكفلانه، ويقومان بكلِّ أمره؛ حَدَبًا عليه، وإشفاقًا لِمَا أصاب صغيرَهما من الضُّرِّ والعَمى والبلاء، فينتزعه مِن هذا كلِّه، بلا عقل، وبلا تدبُّر، وبلا إنسانيَّة، وبلا شعور؛ ليعاملَه في مقالِه معاملةَ المقاطيع واللُّقطاء من عميان السيِّد البدوي، وسانت تريزا، فيخرجه مِن بين هؤلاءِ جميعًا فتى صغيرًا أعمى عاجزًا، وهو في نحو الثانية عشرة من عمره؛ ليدورَ به ويتسكَّع بين حلب وأنطاكية واللاَّذقية وطرابلس، وحيدًا منفردًا، بلا راعٍ ولا رفيق ولا قائد، ثم يطرحه في أيدي الرُّهبان يُثقِّفونه باليونانيات من أدب وفلسفة، ولا قِيمة عندَ هذا الرَّجل لِمَا يُقال في كتب القدماء، من أنَّ هذا الأعمى الصغير ولد لأبوين مسلمين، وفي قرية مسلمة، وأنَّ مآبَه بعد التسكُّع بين الرُّهبان والأديرة مآب إلى دِيار أهل الإسلام، كلُّ هذا لا قيمة له، ولا خطر عند أستاذ جامعي، تبجَّح بأنَّه جاء يعلِّم الناس الإنسانيَّات.

وهذا أستاذ جامعي – بعدَ ذلك كلِّه – يأتي بلا حياءٍ فيكتب تسعَ مقالات متتابعات عن شيخ المعرَّة ورسالة الغفران، وهو لم يقرأْ حرفًا واحدًا من شِعر أبي العلاء، وإن كان قرأ منه شيئًا أو قُرِئ عليه، فإنَّه لم يفهمْ منه حرفًا على الوجه الذي يُفهم به الشِّعر، وهو لم يقرأ “رسالة الغفران” التي يكتب عنها، لا قراءةً صحيحة، ولا قراءة غير صحيحة، بلا ريبٍ عندي في ذلك، كما سيتبيَّن ذلك لكلِّ ذي سمع وبصر، أديبًا كان أو غيرَ أديب.

فأنا أريد أن أسألَ بعد هذا كلِّه سؤالاً واحدًا: أهذا سلوك أستاذ جامعي يحمل لقبًا يُدلِّس به على صِغار الناس وكبارهم، ويغتال غفلاتهم عن عُواره؛ ثقةً منهم بكرامة هذا اللَّقب وكرامة مَن يحمله؟!

وجواب كلِّ ذي عقل، أو حصاة من عقل: لا، ولا كرامة، فإذ لم يكن هذا السُّلوك سلوكَ أستاذ جامعي، ولا مبتدئ جامعي، ولا طالب ثانوي، ولا أحدٍ مِن عُرض الناس يَشدو دراسة الآداب أيًّا كانت، وفي أيِّ لغة شئت، فكيف أستحلُّ بعد ذلك لنفسي أُلزِق باسمه لفظ “الدكتور”؟

[الصفحة 77]

لا، ولا كرامة، لن أَستحلَّ ذلك؛ تنزيهًا لهذا اللَّقب عن الابتذال، وحماية للنشءِ من التغرير، واستنكافًا أن أغمسَ مدادَ قلمي في كَذبٍ مفضوح يُعين على تغفُّل القرَّاء، وكنت أظنُّه واجبًا قديمًا على جامعاتنا أن تُعيد النظر في هذه الإجازات التي تمنحها بعضُ جامعاتِ الدُّول الكبرى اليوم، لبعض مَن يثبت الاختبار أنَّهم دخلاء: ما هي هذه الإجازات؟ وكيف منحت؟ ولِمَن تمنح؟ وعلى أيِّ أساس؟[2].

وأنا لا أسأل الجامعاتِ هذه الأسئلة، ولا أُلزمُها بهذا الواجب، مقتصرًا على ما كتبه لويس عوض، عن رسالة الغفران، وشيخ المعرَّة، ولا عن ابن خلدون من قبله، ولا عن المؤثِّرات الأجنبيَّة في الأدب العربي، ولا على ما في بلوتولند من شِعر ونثر، ولا على سائر ما كتب في الصُّحف والمجلاَّت في شأن العربية وشِعرها وآدابها، وسيأتي بيان ذلك كله في حينه، لا، بل أزيد أيضًا ما يدلِّس بكتابته عن آداب الرُّوم واليونان والإنجليز.

فإنَّ فعله في ذلك لا يقلُّ مجانةً عمَّا يكتب في أدب العرب، وهو تهويلٌ كلُّه بأسلوب فجٍّ غليظ، أقطع بأنَّه لو ترجم إلى أيِّ لغة من اللُّغات، لاستلقى القارئون على أقفيتهم من الدهشة والضحك، وليس من همِّي أن أكشف هذا التدليس المغرر بالناس؛ لأني منذ رفضتُ أن أضع على وجهي ميسم العبودية لليونان والرُّوم وما تولَّد عنهما من الأجيال إلى هذا اليوم، لا في أدب ولا في غير أدب، فإنِّي رفضتُ أيضًا أن أغمس قلمي في مدادِ العبودية لهم، ودارسو آداب الأمم – وهم كُثُر متقنون – عليهم أن يكشفوا بأقلامِهم تزييفَ هذا الرَّجل فيما يكتب من الآداب الأوربيَّة واليونانيَّة، وهذا واجب يُلزمهم إيَّاه الحفاظُ على صحة عقول النشءِ منذُ غضارة الصِّبا، أن يصيبَها من هذا الوباءِ المتفشي داءٌ يعجزها عن الاستقلال بحريتها، في هذا الزمن السَّريع المختلط، المتضارِب الأهواء والنوازع والمكايد الخفيَّة، وتخلِّي من يطيق ذلك عن هذا الواجب – لأيِّ سبب من الأسباب – عونٌ على نشْر المفسدة، فضلاً عن مناقضته للأمانة التي يحملها كل أستاذ جامعي دارس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- االدكتوراه الممنوحة للويس عوض، من جامعة برنستون، وهي مركز من مراكز المبشرين الكبار، فالأمر لا يحتاج إلى تأمل!

[الصفحة 78]

والآن وقد فرغتُ من طرح عبءٍ ثقيل جدًّا كنت أحمله، وأنا أكتب قبلَ اسم لويس عوض لفظ “دكتور”، ويَزيده ثقلاً ما كنت أجده من الغضاضة في ذلك؛ لأنِّي كنتُ أجدني كأني أخون الأمانة أيضًا بالمشاركة في ترويج أوهام ضارَّة بالنشءِ وتثبيتها بكثرة الاستعمال، مع صِحَّة عِلمي بأنَّ الشبابَ الغضَّ سريعٌ إلى الوقوع في شَرَك الألفاظ التي تحمل تراثًا من المهابة والتبجيل، ونبضًا حيًّا من الأمانة والدِّقة والصِّدق، والبُعد عن الهوى، وإخلاص النيَّة في حَمْل العِلم، ونشره بين الناس.

الآن وقد طرحتُ عنِّي هذا الثِّقل، أعود إلى لويس عوض مجرَّدًا عاريًا من طيلسان الأستاذيَّة المتَّخَذ أداةً للخِداع.

“مثانوس” (بالرومية)؛ أي: معاذ الله، معاذ الله أن أظلمَ أحدًا من الناس، كائنًا مَن كان، من أجل ذلك عاملتُ لويس عوض في المقالات الثلاثِ السالفة برِفق وتُؤدةٍ وأناة، فلم أقلْ له مثلاً: “إنَّك جاهل معتَّق الجهل”؛ مخافةَ أن يحمله على معنى الجهل الذي هو نقيضُ العلم، قبلَ أن أقدِّم البرهان على ذلك.

وكنتُ في الحقيقة مريدًا لها، حريصًا عليها، لا بهذا المعنى القريب المألوف، بل بالمعنى الآخَرِ الذي يُقال فيه: “صبيٌّ جاهل”؛ أي: غرِّيرٌ طيَّاش العقل، سريع إلى المتالف، يجلبُ الشرورَ على نفسه من حيث يدري ولا يدري، وكنت مريدًا لها حريصًا عليها؛ لأنَّها تؤدِّي ما أُريد من صفته؛ لأنَّه استمرأَ اللَّعب بآداب العرب وكلامهم منذ “بلوتولند”، ولم يزلْ يَزيد لعبًا حتى أوقع نفسَه في المهالك المتلفة، وكان غنيًّا عنها بيونانه ورُومه وقرونه الوُسْطى والمتطرفة، يتلعَّب بها كما يحلو له وكما يشاء، ولا حرج.

أمَّا الآن وقد استجاب الله – سبحانه – دعاءَ الضارعين إليه في يومِ الجُمُعة المبارك الساعات، فنشر لويس عوض مقاله التاسع، وكتب في ذيله “انتهى البحث”، ثم يسَّر لي – سبحانه – أن أجمعَ الأسباب الداعية إلى إلقاء العبء الثَّقيل عن كاهلي، فقد جعلتُ مكافأةَ لويس عوض على مسارعته إلى إعفاء الناس من غثاثة ما يقول وما ينشر، أنْ أدعَ له حديث راهب دير الفاروس جانبًا ومؤقَّتا، وإن كانت له بقيَّة تُعدُّ تحفة من التحف، وآخذ في طريقٍ آخر، هو أخفُّ مؤونة على القرَّاء، وأعونُ لهم على فَهْم حقيقة هذا الكاتب الذي كان يُقال في مثله قديمًا:

[الصفحة 79]

فَعَدِّ عَنِ الْكِتَابَةِ لَسْتَ مِنْهَا     وَلَوْ لَطَّخْتَ ثَوْبَكَ بِالْمِدَادِ

فأنا أعقِلُ على صورةٍ ما أن يكتب لويس عوض عن آداب اليونان والروم والقرون الوسطى وشُعراء الإنجليز وأشباه ذلك، مدَّعيًا أنَّه قد تولَّى الإمارةَ عليهم وعلى لغاتهم؛ فهذا ممكنٌ! ههْ! ومعقول! ههْ! ولكنَّه شيء لا يَعنيني ولا أحاسبه عليه؛ ولكن الشيء الذي لا أكادُ أعقله، ولا يكاد يَعقِلُه عاقل صحيحُ العقل من الآفات – هو أن يمدَّ لويس عوض سلطانَ إمارته على لُغة العرب، فيشرح ألفاظها ويفسِّرها ويستنبط منها! ولماذا؟ ستعرف – إن شاء الله.

فقد كتب لويس عوض ترجمةً لحياة لويس عوض، وجعلها مقدِّمة لشيء – أستغفر الله – لشِعر سماه: بلوتولند وقصائد أخرى، وفي التجرِبة رقم 6 من تجارِبه الخالدة وهي تجرِبة “كسر رقبة البلاغة!!” قال: [لا زال سُلطانُه على اليونانيَّة مبسوطًا، وعلى الرومية محطوطًا]، يصف نفسه العزيزة: “فإذا أضفنا إلى ذلك أنَّ إحساسه باللُّغة (أي: إحساس لويس عوض) ضعيفٌ بالفطرة (غريبة!! هذا صحيح)، عَلِمنا كيف تأتَّي له أنْ كَسرَ رقبة البلاغة (وهل في ذلك شك يزول)، وقد اعترف لي (يعني: أن لويس عوض اعترف للويس عوض!) بأنَّه لم يقرأْ حرفًا واحدًا بالعربيَّة بين سِنِّ العشرين والثانية والثلاثين؛ (أي: اثنتي عشرة سنة!!) إلاَّ عناوين الأخبار في الصُّحف السيَّارة، وبعض المقالات الشاردة، ألزمتْه الضرورة السياسيَّة بقراءتها، فإحساسه باللغة أجنبي جدًّا على كل حال، وبالطبع هذا كلام إنسانٍ عاقلٍ جدًّا، ومتمالك لجميع قواه العقليَّة، فمن أجل ذلك نخاطبه، وإلاَّ كانت مخاطبته ضربًا من العبث والجنون.

فإذا كانت هذه صفتك لنفسك وأنت في الثانية والثلاثين من عمرك، يا لويس عوض، فبأيِّ عقلٍ بعدَ ذلك تأتي فتلعَبُ في آثار شيخ المعرَّة، وفي كوميديا دانتي أيضًا، ولا مؤاخذة؟! ثم لا تقتصر على هذا اللَّعب فيهما؛ بل تلعب أيضًا فيما تُسمِّيه “أحاديث المعراج” (وهذه لها ذيول طويلة لم يحن حينُها بعدُ)! ولا تقتصر على هذا، فتمد سلطانَ بلاغتك المكسورة الرَّقبة على لُغة الطليان والعرب في آن واحد، وفي قَرَنٍ واحد؛ أي: حبل واحد، وكيف كان ذلك؟! نراك تقول: إن دانتي يقول،

[الصفحة 80]

والله أعلم بترجمتك المكسورةِ رقبةُ بلاغتِها : “قالت بياتريس: لمَ تدلَّهت في عشق وجهي، حتى ألهاك العِشقُ عن النظر إلى الحقيقة الفاتنة التي أَينعتْ تحت ضِياء المسيح؟! ها هي ذي الوَردة التي فيها أصبحتِ الكلمة الإلهيَّة جسدًا”، ثم قلت: “وكانتِ الوردة هي مريمَ العذراء: رُوزا مستيكا كما يسمُّونها”، ودلَّ كلامُك بعد ذلك على أنَّ “الوردة” هي الزهرة التي تُشمُّ بالأنف (أي: بالنوز، بالإنجليزية ليكونَ أوضحَ لك!)، أليس هذا صحيحًا يا لويس عوض؟! بالطبع نعم.

فالآن ننظر ماذا كانت عاقبةُ لعبك، و(لَغْوَصَتك) في كلام العرب، يقول بعد الذَّكاء المفرط والشروح النفيسة، والمقارنات الأدبيَّة الخارقة للعادة، والفيلولوجيا المدهشة؛ (أي: فقه اللغة) ما نصُّه – أيُّها السادة، استعينوا بالله، واحملوا معي رقبةَ بلاغته المكسورة، وأمري وأمركم إلى الله – يقول: “غير أنَّ بعض التفاصيل الواردة في فِردوس دانتي تُوحي بأنَّه اقتبس أيضًا من القرآن الكريم، ومِن رسالة الغفران، وربَّما مِن غير ذلك من المصادر الإسلاميَّة، فتصويرُه للوردة السماويَّة (وهي مريم العذراء، روزا مستيكا) يوحي بأنَّ له صلةً بما جاء في سورة الرحمن؛ {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} [الرحمن: 37] ، وقد اتَّخذ دانتي من وردة الفِردوس رمزًا لمريم العذراء، ووصف الوردةَ بأنَّ أوراقَها من الملائكة، وقد كان للوردة أدبٌ غزير في العصور الوسطى الأدبيَّة مثل “قصة الوردة” الشهيرة، وهو كلُّه قصص ظاهري دنيوي، وباطنُه بحث بالخيال في الإلهيات على طريقة دانتي، ومنه ما هو سابقٌ لدانتي، وليس له في التراث الكلاسيكي الأوربي أصولٌ معروفة.

فليس يَبعُد أن تكون أوروبا المسيحيَّة في العصور الوسطى قد أخذته من العالَم الإسلاميِّ عن طريق أسبانيا وصقلية، وترجمت رموزَه بما يتمشَّى مع ديانتها، والمعرِّي نفسه، ينسج على صورة الوردة في سقط الزند، ويجعلها في الأرض لا في السَّماء:

فَإِذَا الْأَرْضُ وَهْيَ غَبْرَاءُ صَارَتْ     مِنْ دَمِ الطَّعْنِ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ

[الصفحة 81]

ولكن الوردة السماويَّة في القرآن الكريم وتفاسيرها هي المقابل الأصلي الذي خرجتْ منه كلُّ هذه الاجتهادات في أدب الوردة” بُمْ، بُمْ، انتهت الفرقعة!

وبالطبع هذا كلام إنسانٍ عاقل جدًّا، عاقل مِن صنفٍ مدهش جدًّا، وسأتولَّى ترجمةَ كلامه لطول خبرته بالترجمة: “دانتي، اقتبس من القرآن، من رسالة الغفران، ربَّما من غير ذلك من المصادر الإسلاميَّة، أنا لويس عوض أستاذ محنَّك جدًّا، أنا مفرط الذكاء “الوردة السماوية” مريم العذراء في سورة الرحمن “وردة كالدِّهان”، إنها روزا مستيكا هنا، عِلمي أنا واسع، أنا لويس عوض، أدب غزير في “الوردة” قصص، اطَّلعت أنا لويس عوض عليها، العصور الوسطى، قصص له ظاهر وباطن، بحث في الإلهيات، التراث الكلاسيكي ليس فيه وردة، أوربا أخذته من العالم الإسلامي، أنا ذكي، نعم أنا لويس عوض، ترجمات عن إسبانيا وصقلية، لم لا؟ رموز المعري عنده وردة أيضًا، في سقط الزند، أنا قرأت شعرَ المعرِّي، لكن وردة أرضية لا سماوية، الوردة السماوية في القرآن، وجدتها أنا وحدي، أنا لويس عوض، لا، أنا اطَّلعت على تفاسير القرآن، أنا لويس عوض، اجتهادات أدب الوردة عرفها كلها، أنا لويس عوض”.

وحسبي حسبي فقد مللتُ هذا الشَّرْلتان الدَّعي المجترئ، أيُّ خبل داخلَ جُثمان هذا الرجل، حتى استولى على جميع أعضائه؟! ما الوردة السماوية؟ (مريم العذراء روزا مستيكا)، وما “وردة كالدِّهان”؟ أيُّ مجنونٍ يُطيق أن يتكلَّم بهذا في كتاب يقرؤه الملايين من البَشَر، فيأتي هذا التالف، فيلعَب بألفاظ لغته، كما يشتهي علانيةً، بلا حياء ولا خجل، ويدَّعي أنَّه قرأ تفاسير “وردة كالدهان”؟! أي خيال من سمادير الإدمان، تخيل له أنَّ السماء إذا انشقت وانتثرت نجومُها يوم القيامة صارت كالوردةِ التي تُشمُّ بالأنف في شكلها؟! أهذا إنسان مفيق؟! أهذا خَلْق يتكلَّم في الآداب وفي الشِّعر؟! أهذا تصوُّر يليق بمَن يحمل رأسًا فيه ذرَّة مِن عقل؟! هذا معتوه لا يُخاطب.

ولكنِّي أُخاطب الآن مَن صَبَّ عليهم هذا الوباءَ المحرق، من شباب وصِغار وعامَّة، يخدعهم اللَّقب الذي يلصق باسمه، ويخدعهم نشر خبائثه في أعظم

[الصفحة 82]

صحيفةٍ في بلاد العرب والإسلام، فتحمِّلُهم المهابة لألقاب العلماء، والثِّقةُ بصحيفة الأهرام على سُرعة التسليم بأنَّ لهذا الصَّديد المنبثق من كلماته معنى يُفهم، ومعنى ذلك بلا إطالة هو أنَّ الله – سبحانه وتعالى – يُنذر عبادَه ويخوِّفهم بما سيكونُ يومَ القِيامة من الهول والفزع الأكبر؛ {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ} [إبراهيم: 48] ، فتنكدر النجوم، وتنتثر الكواكب، وتنشقُّ السماء وتتفطَّر، يتبدل لونُها حمرةً صافية مشرقة من شدَّة اللَّهب يومئذ، فذلك قول الله – سبحانه – في صفة يوم القيامة: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آَلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَانٌّ * فَبِأَيِّ آَلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آَلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 37 -42].

فمعنى “وردة”؛ أي: حمراء ، وهي صفة، أمَّا “الوردة” التي تُشم، فهي اسم لا صفة، يقال للمذكر: “أسدٌ ورد”، و “فرس ورد”؛ أي: أحمر اللون، وللأنثى “فرس وردة”؛ أي: حمراء، فلفظ “وردة” لفظٌ مشترك بين الاسم والصِّفة، فما لهذا المأفون المتعالِمِ يظنُّ أنَّه كشف كشفًا بذكر “الوردة” التي هي عندَ دانتي (روزا مستيكا)، فيسارع إلى إقحامِها في آيات عذاب يوم القيامة لمجرَّد اشتراكٍ في اللفظ بين الاسم والصِّفة؟!! وبتعالُمٍ غثٍّ يذكر “تفاسير الآية”، كأنَّه بحقٍّ قرأها وراجعها وعَرَف معناها، ومرَّة أخرى: من أيِّ أديم شُقَّ وجهُ هذا الرجل؟!!

وتبلغ به ثخانةُ وجهه أن يعود مرَّة أخرى إلى قصيدةِ سقط الزند، التي أخذ منها بيتًا من خلال أبيات يذكر فيها شيخُ المعرَّة الإبل، ويصف ما لاقتْه نهارًا في البَيداء من هَجير وظمأ، وما رعتْ ليلاً من صِلِّيَان (وهو نبت له جذورٌ ضخمة في الأرض، تجتثها الإبل بأفواها فتأكُلُها مِن شِدة حبِّها لها، فإذا كانت رطبة أساغتها، وإذا كانت يابسةً غصَّت بها؛ أي: شرقت)، فلم ير هذا الذي خبل بما خبل به إلا “الصُّلبان” جمع “صليب” “تغص بها حلب” فكتب البيت هكذا:
صَلِيَتْ جَمْرَةَ الْهَجِيرِ نَهَارًا ثُمَّ بَاتَتْ تَغَصُّ بِالصُّلْبَانِ
وكتب تحته: “سقط الزند في وصف حلب”، فلمَّا نبهه بعضُ الناس، لم يزد إلاَّ ثخانةَ وجه فيما كتب من تصحيح، فقال: “إنَّ صحته الصليان بالياء، وهو

[الصفحة 83]

نوعٌ من الشَّوك ترعاه الإبل، وأنَّ البيت السَّابق له هو المتصل بحلب، وأنَّه قد رُوجع على الأصل فلزمه التنويه، ونسي أنَّه كتب بيتًا آخر، وقال: “سقط الزند في الحروب الصليبيَّة”، وأنَّ المقالة تحت البيتين كلها في بيان غَلبةِ نصارى الرُّوم على أهل الإسلام، فهذا الآدمي أثخنُ شيءٍ وجهًا حين عاد إلى هذه القصيدة نفسِها؛ ليأخذ منها بيتًا آخرَ هو هذا البيت:
فَإِذَا الْأَرْضُ وَهْيَ غَبْرَاءُ صَارَتْ مِنْ دَمِ الطَّعْنِ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ
وأبو العلاء يقول: إنَّ الطعن والقتل استحرَّ، فسالت الدِّماء حتى غَشتِ الأرض فصارتْ أرضَ الميدان بالدِّماء حمراءَ كالأديم الأحمر المشرق، فيأتي المكسورة رَقبةُ بلاغته، فيجعل الصِّفة هنا اسمًا، وهو الوردة المشمومة، ويَزيد فيقول كلامًا لا يُفهم: “والمعري نفسه ينسج على صورةِ الوردة في سقط الزند، ويجعلها في الأرض لا في السماء”؛ يعني كما في “سورة الرحمن”، وكما في دانتي الذي أخذ عنهما “الوردة السماوية” (روزا مستيكا)، يا مغيث يا مغيث، لقد فاضت الغثاثةُ، و”بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطَّبْيَيْن”، ومَن يصدق أنَّ هذا الإنسان الحيَّ يمكن أن يقرأ شعرًا أو يفهمه، ولو كان بالعاميَّة؟!!

بقيتْ مسألةٌ بعد هذا البرد البارد كلِّه، هي أنَّ لويس عوض في ذاته، لا يَهمني البتة مهما فعل ومهما قال، فأنا أعرفه وأعرف ما كتبه، ومَن يكون منذُ كان ونطق وصبَّ على الناس ثَلْجه وغثاثته، وسأكشفه للنَّاس من الوجوه التي لا يملك معها حيلةً أبدًا، وقد مارست أشباهه من المستغربين والمستشرقين جميعًا بما تنطوي عليه قلوبُهم من السخيمة الآكِلة، وعقولهم من الغباوة والجهل.

لكن الذي يَهمُّني هو صحيفة الأهرام، أتراها لا تعرف منزلتَها في كلِّ بلد من بلاد العرب، وهم مائةٌ وعشرون مليونًا، ثم في روافد بلادِ العرب، وهي بلاد الإسلام، وهو ستُّمائة مليون أو يزيدون، وكلُّهم – عربيُّهم وعجميهم – يرى القرآنَ كتابَه، ويرى أدب العرب أدبَه، ويرى صحيفةَ الأهرام صحيفتَه، فكيف يقولون إذا

[الصفحة 84]

رأَوْا أكبر مِنبر فيها قد أُسلم إلى رجلٍ لا يُحسن يقرأ شيئًا من العربيَّة، ولا يحسن يفهم شيئًا في أدبها، ولا يُحسن مدارسةَ شيء على منهجٍ، ولا يُحسن يتكلَّم كلامًا يربط بين جمله عقل؟! ومع كلِّ ذلك تطالعهم صحيفةُ الأدب فيها صبيحة كلِّ جمعة بأعمدة سُود قد حشاها خلطًا وخبطًا وعبثًا، ولعبًا بالتاريخ، وجُرأةً على الآداب، وتخليطًا في الجمل، وبلاءً لا يُحصى، وآفاتٍ لا تُعد.

وبعدَ ذلك كلِّه يُتاح له أن يلعب بأحاديثِ المعراج، ثم لا يكفُّ فيندلع غرورُه الملتهب، فيلعب بأصابعِ عقله في لغة العرب، ثم لا يكفُّ، فيأتي وقد أطبق جنونُه إلى آيةٍ من القرآن فيفسِّرها، ثم لا يكفُّ فينسب هذا إلى تفاسير القرآن، كل ذلك أتاحتْه له صحيفةُ الأهرام أن يفعلَه بما أوتي من صفاقة وغِشٍّ، وكذب وادِّعاء وتحريف، وبلا رادع من عَقلٍ أو حياء، كيف يكون هذا؟! أليستْ صحيفة الأهرام مسؤولةً عن كرامتها، عن منزلتها عند النَّاس، عن أدب الكلمة العربيَّة، عن عقول الناشئة وما عسى يَحيقُ بها من هذا الوباء، ممَّا ينشره هذا الكاتب وشيعتُه في صحيفة الأدب؟! وإذا لم تكن مسؤولةً، فمَن المسئول إذًا عن عربدة هذا الطليق الذي يَفعل ما يشاء، ويقول ما يشاء، ويتعرَّى كما يشاء؟! أنبلِّغ عنه شرطةَ النجدة، حتى لا تصبح هذه الأمَّة فضيحةً في الأمم، حيث أسلمت منبرَها العالي إلى طليق من القيود، مفلت من الأسوار؟! ولله الأمر من قبلُ ومن بعد.