بَلْ مَعيبًا

بَلْ مَعيبًا

ليس حسنًا؛ بل معيبًا أن يتخذ كاتبٌ قلمَه أداةً لخداع القارئ عن عقْله، والتغرير به، ولكن هكذا كان، فإن الدكتور لويس عوض انتحل لفظ “المنهج”، وأجرى به قلمه؛ ليخدعنا – فيما يتوهم هو – عن عقولنا؛ فمنذ بدأ مقالته عن “رسالة الغفران”، لم نزل نسمع للمعاول في الأحجار الصُّم صليلاً وزجلاً (أي: طنينًا وجلبة)، وألحَّ على ذلك حتى أقام ستارًا كثيفًا من غبار القرون الخوالي منذ عهد هوميروس، يحجب شخصَه عن عيوننا، وفعل ذلك – كما عرفنا بعدُ – لكي يتسنى له أن يُخرج عن شيخ المعرَّة، وعن “رسالة الغفران”، وعن ابن القارح “فِلمًا” مثيرًا متلاحق البكرات، مثل أفلام “كوفاديس”، و”المصارعون”، و”الرداء”.

ثم إذا بنا نراه يخرج من وراء الحُجُب؛ ليعرض علينا أفلامه في بَنِيَّةٍ مظلمة (أي: بناء مظلم) بناها لأفلامه، وسماها “منهجًا” اصطفاه واختاره؛ ليعيننا – زَعَم – “على معرفة موقف هذا الرجل العظيم من أفكار عصره، ومن أحداثه، ومن رجالاته، ومن أحواله بوجه عام”، والحقيقة هي أنه طلع علينا بسلامة طويته، وبالمعروف من إخلاصه وتنزُّهه عن الهوى، ففعل بنا، وبشيخ المعرة، وبـ”رسالة الغفران”، وبابن القارح، ثم بعصرهم جميعًا، وبرجالاته، وبأفكاره، وبأحداثه، وبأحواله بوجه عام، أبشَعَ مما دل عليه ظاهر كلامه أنه فاعلٌ، وذلك حين عرض علينا شيئًا سماه “الخلفية التاريخية لهذا العمل العظيم”، ونعوذ بالله وحده من سوء تراكُب الألفاظ، ومن سوء اختيارها، ولأمر ما؛ قال القائل قديمًا:

قَدْ عَرَفْنَاكَ بِاخْتِيَارِكَ إِذْ === كَا نَ دَلِيلاً عَلَى اللَّبِيبِ اخْتِيَارُهْ

وإذا بي كأني أرى شيخ المعرة قد هبَّ من تحت أطباق رَمْسه، ينفض عن أكفانه تراب القرون، وكأني أراه مائلاً مضيء القسمات في حنادس هذه البنية المظلمة، وكأني أسمعه يقول للناس، مستنكفًا ساخرًا لاذعًا كعادته: ما هذا؟ “هل هو إلا

[الصفحة 35]

كما قالت الكاهنة: أُفٍّ وتُفٍّ، وجَوْرَبٍ وخُفٍّ، قيل: وما جورب وخف؟ قالت: واديان في جهنم” (“رسالة الغفران”: 462)، وحسبك من شرٍّ سماعُه!

• • • •

وأنصرف الآن إلى تتمة الكلام في الخبر الذي رواه القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبدالواحد الشيباني، المعروف بالقفطي، وهو خبر لقاء شيخ المعرة في صباه راهبًا بدير الفاروس، باللاذقية، وقد قلت قبل: إنه خبر ينضم على علل قادحة في صدقه، وإنه يحمل في خلاله البيِّنة على تكذيبه، وإن سياقه مضطرب، مناقض للواقع، وأستغفر الله مما قلت؛ بل هو خبرٌ حَشْوُ ألفاظه كوائنُ (والكوائن: هي المصائب، والدواهي، والبوائق).

ومصدر هذه الكوائن: أنه خبر لم يعرفه أحدٌ في خلال مائة وعشرين سنة على الأقل، منذ وفاة شيخ المعرة في سنة (449هـ) إلى مولد القفطي سنة (568هـ)، وليت الأمر يقف عند ذلك.

فلو افترضنا أن أول ترجمة كتبها معاصر لشيخ المعرة، كُتبتْ سنة (420هـ)، وأن القفطي كتب كتابه “إنباه الرواة” وهو في الثانية والثلاثين من عمره؛ أي: سنة (600هـ) (وهذا بعيد جدًّا؛ لأنه كُتب بعد ذلك بلا شك)، فهذه مائة وثمانون سنة على الأقل، تراكمتْ أيامُها ولياليها سورًا فاصلاً بين صاحب الخبر والمخبر عنه، وقد أسلفتُ طرفًا من ذلك في كلمتي الماضية، ولكني أُحب اليوم أن أجعل عِلم ذلك واضحًا جليًّا لعيني أستاذ جامعي كان، هو الدكتور لويس عوض، فإن زكاة العلم نشرُه وإذاعته والإبانة عنه، وهي علينا فريضة محكمة كفريضة زكاة الأموال، نؤدِّيها لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا؛ لأننا نعتقد بلا ارتياب: أن مَن سُئل علمًا فكتمه، جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار، وصدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم.

فإذا أقررنا أن هذا الخبر المكتوب في نحو سنة (600هـ)، انفرد به القفطي في مائة وعشرين سنة، وعُدنا فنظرنا، فعندئذٍ نجد أنه خبر غير معروف لأحد من المؤرخين بعده، إلى أن توفي المؤرخ الحموي الشامي الكبير أبو الفداء في سنة (732هـ)، فهذه مائة وثلاثون سنة أخرى تخلو من ذِكره، فجميع ذلك عشر سنوات وثلاثمائة سنة؛ ولكن يعاصر أبا الفداء رجلٌ آخر، وهو مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي

[الصفحة 36]

(673 – 748هـ)، اطلع على كتاب القفطي (كما ذكر ذلك في ترجمة شيخ المعرة)، فنراه يذكر هذا الخبر، مختصرًا له، ومغيِّرًا لبعض ألفاظه، وإذًا فذِكر الذهبي له لا يعضد القفطي؛ لأنه نقل عنه، وهذا واضح – بالطبع – لكل مبتدئ جامعي، ناهيك بأستاذ جامعي، فنبقى إذًا حيث كنا، أنه خبر انفرد به القفطي على تطاول ثلاثة قرون وعشر سنوات، وهذا واضح أيضًا لمن ذكرنا، ولو كنت أخاطب غير أستاذ جامعي، لقلت: حسبي، وأبطلت الخبر من هذا الوجه وحده، ولكن لا بد مما ليس منه بد.

وإذًا؛ فلا بد من أن أعود القهقرى (أي: إلى خلف)، وإن كنت لا أحب ذلك، فالقفطي المصري (568 – 646هـ) له معاصر، لا يقل عنه قدرةً، وحرصًا، ومعرفة، هو ياقوت الحموي الشامي (574 – 626هـ)، وهو سَنِينُه (أي: مقارب له في السن)، فمما يعلِّمه الأساتذة الجامعيون للمبتدئين الجامعيين – فيما أعلم – ألاَّ يغفلوا عن مقارنة أقوال المتعاصرين، ومصادر أخبارهم؛ لأنه أساس تهدى إليه بديهة العقل؛ ولكن كثيرًا ما يغفل المرء عن البدائه، فالقفطي مصري لم يطُل مقامه بالشام، وياقوت شامي مقيم بديار شيخ المعرة؛ فهو إذًا أعلم بأخبار الشام، وإن لم يكن هذا ضرورة ملزمة، ولكن كل الدلائل تدل على ذلك من مدارسة كتب الرجلين، هذه واحدة.

ثم أخرى، ففي ترجمة ياقوت لشيخ المعرة بعضُ أخبار تدل على أن الرجلين كانا يتنازعان أطراف الحديث في أخبار شيخ المعرة، وفوق ذلك، فإن ياقوتًا روى عن القفطي أخبارًا كثيرة في كتبه، وترجم له في “معجم الأدباء” ترجمة ضافية، والقفطي حي بعدُ، وذكر فيها كتاب “أخبار النحويين” للقفطي (وهو “إنباه الرواة”)، وأثنى على الرجل ثناء كبيرًا، وبلغ به حبُّه أن ألف له كتابه “معجم البلدان”، وقال في مقدمته: “وأهديت هذه النسخة بخطي إلى خزانة مولانا الصاحب الكبير، العالم الخطير… القاضي جمال الدين الأكرم، أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبدالواحد الشيباني؛ إذ كان – أدام الله علوَّه – عَلَم العِلْم في زماننا، وعين أعيان أهل عصرنا وأواننا، وأعدتُ إليه ما استفدته منه، وروى عني ما رويته عنه، فأحسن الله جزاءه، وأدام عزَّه وعلاءه، بمحمد وآله الكرام”، فصرَّح بروايته عنه.

[الصفحة 37]

فيسأل السائل نفسه:
ألم يسمع ياقوت هذا الخبر من القفطي، مع مراجعته ومذاكرته له في شأن شيخ المعرة؟ ألم يقرأْه في كتاب “إنباه الرواة”، وقد ذكره في ترجمة القفطي؟ فإذا كان قد سمعه أو قرأه، فلِمَ أغفله ولم يذكره؟ ألأنَّه أراد أن يدفع عن شيخ المعرة معرةَ هذا الخبر (أي: عاره، وشناره، وقبحه)، أم لأنه سأل القفطي عن مخرج الخبر، فاستسقطه، وعدَّه قمامة تقممها من سُقَّاط الناس (أي: أراذلهم وحمقاهم، والقمامة: الكناسة)، فطرحه؛ لخبث مخرجه، ثم أنف أن يذكره في كتابه ويرد عليه؛ إجلالاً للقفطي؟ هذه أسئلة يجب على الجامعي المبتدئ أن يُحضرها بين يديه، ناهيك بأستاذ جامعي، زَعَموا.

ولكي يجد الجواب عنها؛ ينبغي أن يعرف مَن ياقوت هذا الذي ترجم لشيخ المعرة، فأغفل هذا الخبر، ولا يشك قارئ شادٍ عرف كتب الرجل، أنه كان جمَّاعًا للأخبار، حريصًا عليها، متتبعًا لها بإلحاح لا يمل، من الكتب والصحف، والأوراق وأفواه الرجال، وكان مع ذلك نقادًا بصيرًا، وسأضرب لك مثلاً على نقده وبصره من ترجمة شيخ المعرة نفسه، فإنه أخبرنا أنه قرأ خبرًا في كتاب “فلك المعاني”، لابن الهبارية (… – 509هـ)، فيه بيتان نسبهما لشيخ المعرة، ووصفه بعدهما بأنه متحذلق، عريضُ الدعوى طويلُها، وأنهما من كلام مجنون معتوه، ثم زعم ابن الهبارية أن الله سلَّط على شيخ المعرة أبا نصر هبة الله بن موسى بن أبي عمران، داعي الدعاة الفاطمي، فجَرتْ بين الرجلين مكاتبات، ثم أمر داعي الدعاة بإحضار الشيخ إلى حلب: “فلما علم أبو العلاء أنه يُحمل للقتل أو الإسلام، سم نفسه ومات”، قال ياقوت بعد ذلك: “فلما وقفت على هذه القصة، اشتهيت أن أقف على صورة ما دار بينهما على وجهه، حتى ظفرتُ بمجلد لطيف، وفيه عدة رسائل من أبي نصر إلى المعري، انقطع الخطاب بينهما إلى المساكتة، ولم يذكر فيها ما يدل على ما ذهب إليه ابن الهبارية من سم المعري نفسَه، ونقلُها على الوجه يطول، فلخصت منها الغرض، دون تفاصح المعري وتشدُّقه”، ثم ذكر قدرًا كبيرًا من هذه الرسائل، وهي موجودة في “معجم الأدباء” (وهو مطبوع بالطبع).

ويستطيع أي مبتدئ أن يقدِّر حرص ياقوت على تتبُّع كل شيء، ولا سيما ما خص شيخ المعرة، ثم يقدِّر مقدار ما عنده من “الشهوة” إلى المعرفة، ثم يقدر أنه

[الصفحة 38]

لا يتلقى الأخبار بالتسليم المجرد؛ بل ينقدها ويمحصها، ثم يقدر مع ذلك أي تحامل يُكنُّه ويبديه على شيخ المعرة، ومن عنَّى نفسه (أي: أتعبها) في قراءة ترجمة ياقوت لشيخ المعرة، واجدٌ وجدانًا ظاهرًا أن الرجل شديد الوطأة على الشيخ، مُؤثِر للوقيعة فيه وفي دينه، يجمع الشوارد والأقاصي من أخبار الطعن فيه، وهو في ذلك شديد الضراوة في عداوته، لا يقف عند استثقال الرجل، واستنكار تفاصحه وتشدقه؛ بل يعلق على الأخبار والشعر بألفاظ مستشنعة، حتى يقول في بعض تعليقه: “كأن المعري حمار لا يفقه شيئًا”، ثم يزيد ما شئت.

فإذ قد عرفنا شَرَهَ ياقوت إلى مجرد العلم، ثم ضراوته بأخبار شيخ المعرة، ثم قَرَمه إلى لحم الشيخ ينهشُه (والقرم: شدة شهوة اللحم)، فأنْ يسمع “ياقوت” من “القفطي” أو غيرِه خبرَ راهب دير الفاروس الذي ضلَّله عن دينه، ثم يُغفله فلا يذكره، فذلك عجب، وأن يريد بإغفاله دفع المعرة عن شيخ المعرة.

فذلك فوق العجب، وأن يسمعه من القفطي فيسأله عن مخرجه، فيجده قمامة تقممها من سُقَّاط الناس وأراذلهم، فيطرحه لخبث مخرجه، ثم يأنف أن يعيد ذكره في كتابه وينقده، كما نقد ابن الهبارية؛ إجلالاً لصاحبه القاضي الأكرم القفطي، فذلك جائز قريب، ويكون معنى ذلك أن ياقوتًا فوجئ بخبر لم يسمعه مِن قبلُ، مع طول مقامه بالشام في ديار شيخ المعرة، وهو نِقَاب متدسس (والنقاب: العالم بالأشياء، الكثير البحث عنها، والتنقيب عليها)، فسمعه من رجل غريب، لم يطل بالشام مقامه، وسمعه الغريب من مغمور تالف، فاستطرفه فحازه، وظن أنه وقف على شاردة من الشوارد، ثم حدَّث به شاميًّا عريقًا، هو أشد منه جمعًا وتنقيبًا؛ ليُغايره بهذه العجيبة النفيسة النادرة كما تفعل الضرائر (المغايرة: استثارة الضرة غيرةَ ضرتها)، وهذا أمر مألوف في بعض أهل العلم، وفي كل زمان ومكان، فإكرامًا للقفطي أغفل ياقوت الخبر ولم يذكره، واستنكف أن يذكره فينقده، فيسوء صاحبه ويكشف عن عواره، وخرج بالصمت عن “لا” و”نعم”، هذا تفسيرُ ما غمض.

فلم يبقَ إذًا مِن تساؤل المتسائل إلا أن يكون ياقوت حين ذكر كتاب “إنباه الرواة” لم يطَّلع عليه؛ بل سمع من القفطي أنه ألَّف كتابًا في أخبار النحويين،

[الصفحة 39]

فأثبت ذلك في ترجمته، وهذا ممكن قريب، وإلا أن ياقوتًا حين كان يذاكره في شأن شيخ المعرة، لم يسمع منه هذا الخبر، على غرابته وندرته، وهذا جائز أيضًا وقريب، ولكن لعل الشيخ القفطي قد غلبه الحياءُ أن يحدِّث به شاميًّا خبيرًا بأخبار أهل الشام؛ لعلمه هو نفسه أنه خبر تلقَّفه ليتباهى به في كتبه؛ طلبًا للإتيان بالغرائب، على عادة بعض أهل العلم في كل زمان ومكان، والدكتور لويس عوض جد عليم بذلك عن خبرة وتجربة، فتكون العلة في ترك القفطي إسناد هذا الخبر النادر الغريب المنفرد، إلى كتاب وجده فيه، أو إلى رجل من شيوخه، أو علماء عصره الذين لقيهم بالشام أو مصر، وفعل ذلك على غير عادته في تراجم من ترجم لهم – هي أن مصدر الخبر كان عنده منكرًا خبيثًا؛ فترك التصريح به.

والقفطي عالم خبير، كانت له خزانة كتب، كما ذكر ياقوت آنفًا، وهو لم يترجم لشيخ المعرة إلا بعد اطِّلاع واسع على نوادر الكتب قبله، وقد انقضتْ مائة وثمانون عامًا بينه وبين أبي العلاء، ألِّفتْ فيها كتب كثيرة، وترجم للشيخ قبله عدة من العلماء، فهو يعلم أن الخبر غير معروف عندهم ولا مشهور، فكيف استجاز أن يغفل إسناده إلى كتاب أو قائل؟ كان أول ما يفعل أن يتباهى بإسناده إلى كتاب سبقه، لم يقف عليه غيره، أو إلى شيخ حدَّثه به، هو عند الناس عليمٌ حافظ كثير السماع من شيوخ قبله، وهذه أشياء تهدي إليها بديهة العقل، آثرتُ الدكتور لويس عوض باستخراجها له؛ ليجد فيها متاع الأستاذ الجامعي بطرائف نقد الأخبار والأقوال!

وقبيح بالمبتدئ الجامعي عند هذا الموضع، إذا كانت له شُفَافة من فطنه (أي: قليل لا يكاد يذكر) أن ينسى همَّة ياقوتٍ في البحث والتنقيب، وطول مدارسته للكتب، وكثرة حشده للأخبار من الكتب والأوراق وأفواه الرجال – كما ذكرتُ قبلُ مِن صفته – فلا يعجب أن يكون ياقوت لم يقف على الخبر في كتب الماضين، ويقدر للقفطي وحده أن يقف عليه، فهذا أعجب العجب عند أهل المعرفة بالرجلين، وبما كتبا.

وإذًا – وأنت سيد العارفين – فقد انفرد القفطي بهذا الخبر الغريب المنكر، والذي جاء به بغير إسناد إلى كتاب أو شيخ، مع العلل المتضافرة على وجوب

[الصفحة 40]

إسناده، على امتداد ثلاثة قرون وعشر سنوات، ولم ينفعه ذِكره في كتاب مؤرخ الإسلام الذهبي؛ لأنه عن القفطي نَقَل، ثم يتتابع بعد الذهبي ثمانية كبارٌ من المؤرخين، يذكرون الخبر أيضًا منقولاً عن الذهبي، مختصرًا بعد اختصار الذهبي له.

وقد غيَّروا بعض ألفاظه؛ طلبًا للاختصار، حتى كان زماننا الذي كان فيه الدكتور لويس عوض، وهو سنة 1384 من الهجرة، فلا يعضد خبرَ القفطي شيءٌ من ذلك الغثاء كله ولا ينفعه؛ لأنهم جميعًا لم يعرفوه إلا عن طريق القفطي وحده، فتردادُهم للخبر ناقلين عنه، لا يُجدِي ولا ينفع، وهذا أمر – أظنُّه – معلوم بالبديهة، أليس كذلك؟ وإذا كان كذلك، فالقفطي يقف وحده منذ كُتبتْ أول ترجمة لشيخ المعرة فيما افترضنا آنفًا سنة (420هـ) إلى سنة (1384هـ)، فهي بحساب المعلم، وبالأرثماطيقا أيضًا: تسعمائة سنة وخمس وستون، وقف الناس خلالها قبل القفطي وبعد القفطي على الآلاف المؤلَّفة من الكتب، فلم يتفضل علينا متفضلٌ بذِكر هذا الخبر عن أحد رواه عن شيخ، أو رآه في كتاب، أليس هذا عجيبًا؟ أظن ذلك، ولكن هل يوافقني الدكتور لويس عوض على هذا الظن؟ هذا والله أحب شيء إليَّ أن أعلمه.

وهذا حسبنا وحسبه في دراسة مصدر الكوائن (وهي المصائب، والدواهي، والبوائق) التي أحاطت بهذا الخبر المفرد من قبل روايته، وكان لنا حسبًا في إبطال هذا الخبر واطِّراحه أن نبيِّن خبث مخرجه من قِبَل انفراده، ولكني أخشى ألا يقنع الدكتور لويس عوض بذلك حتى أستخرج له بقية الكوائن التي انطوتْ عليها ألفاظُه، فالله المستعان، وحسنٌ هنا أن نعيد ألفاظه، كما ذكرها القفطي، لا ألفاظه بعد التغيير الذي فعله الذهبي، ولا ألفاظه بعد التعديل الجديد الذي أدخله الدكتور لويس عوض، فالقفطي يذكر رحلة الفتى الذي صار شيخ المعرة، وقد كبر وبلغ سن الطلب، إلى طرابلس الشام، ثم يقول:
“فاجتاز باللاذقية، ونزل دير الفاروس، وكان به راهب يشدو شيئًا من علوم الأوائل (أي: تعلَّم منها قليلاً، ولم يعرفها معرفة جيدة)، فسمع منه أبو العلاء كلامًا من أوائل كلام الفلاسفة (أي: مبادئ كلام الفلاسفة)، حصل له به شكوك، لم يكن عنده ما يدفعها به، فعلق بخاطره ما حصل به بعض الانحلال، وضاق عَطَنُه عن

[الصفحة 41]

كتمان ما تحمَّله من ذلك، حتى فاه به في أول عمره، وأودعه أشعارًا له، ثم ارعوى ورجع، واستغفر واعتذر، ووجَّه الأقوال وجوهًا يحتملها التأويل”.

وسأعامل هذا الخبر معاملة الدكتور لويس عوض، فأدع “الخلفية التاريخية” – والعياذ بالله – وهي صدر الخبر، وآخذ القضية التي أفضى إليها، فصاحبُ هذا الخبر – ولا ندري أيّ الطَّبْل هو؟ (أي: أيُّ الناس هو؟) – يقرر أن أبا العلاء ضاق صدره بشكوك لم يطق كتمانها، فأودعها أشعارًا قالها في أول عمره، ثم ارعوى ووجهها وجوهًا يحتملها التأويل، فإن تكن الخلفية التاريخية – وبالله نستجير – محتاجة إلى براهين على فسادها يختلف الناسُ عليها، وهذا بعيد وغير صادق؛ فإن القضية ممكنٌ عرضُها على شيء حاضر بين أيدينا، لا يمكن الاختلاف عليه.

قال كليلة لدمنة: كيف كان ذلك؟ قال دمنة:
زعم القفطي في ترجمة شيخ المعرة، أن بعض البغداديين بالبلاد الشامية أحضر له أوراقًا تشتمل على ذكر تصانيف أبي العلاء، وتقادير أكثرها، وزعم ياقوت الحريص على تتبع كل شيء أنه وقف على فهرست كتب شيخ المعرة، نقله من خط أحد مستملي الشيخ (أي: كُتَّابه)، أملاه أبو العلاء نفسه، وأنه قرأ نسخة أخرى منها، فلم يقنع بواحدة، فمن طريق القفطي وياقوت وغيرهما، تجد لشيخ المعرة خمسة كتب في المنظوم، وهو الشعر، وهذه صفتها وتقاديرها ملخصة:
1- “سقط الزند”، يشتمل على شيء نظم قديمًا، تزيد الأبيات المنظومة فيه على ثلاثة آلاف بيت (وهو مطبوع).
2- “لزوم ما لا يلزم”، أربعة أجزاء، مائة وعشرون كراسة، فيه أحد عشر ألف بيت (وهو مطبوع).
3- “ملقى السبيل”، وهو أربع كراريس (وهو مطبوع).
4- “استغفر واستغفري”، يشتمل على نحو عشرة آلاف بيت (بلغني أنه وُجِد، ثم عرفت أن ذلك باطل).
5- “جامع الأوزان والبحور”، ستون كراسة، تسعة آلاف بيت (لم يوجد بعد).

[الصفحة 42]

ومعلوم عند أهل الشأن (ولا مؤاخذة ولا تثريب) أن الأربعة الأخيرة كتبها شيخ المعرة وهو رَهْنُ المحبسين؛ أي: بعد عزلته في سنة (400)، وقد جاوز السابعة والثلاثين من عمره بكثير، فهذه لا تدخل في نص صاحب الخبر؛ إذ قال: “فاه به في أول عمره”، فلم نحصل مما ذكرنا إلا على “سقط الزند”، الذي نص شيخ المعرة في فهرست كتبه على أنه “شيء نظم قديمًا”، ونص الشيخ الإمام أبو زكريا التبريزي (421 – 502هـ) على مثل ذلك، إذ قال: “قرأت عليه كتبًا كثيرة من كتب اللغة، وشيئًا من تصانيفه، فرأيته يكره أن يقرأ عليه شعر صباه، الملقب بـ”سقط الزند”، وكان يغير الكلمة إذا قُرئت عليه، ويقول معتذرًا مِن تأبِّيه وامتناعه من سماع هذا الديوان: مدحت نفسي فيه؛ فأنا أكره سماعه، وكان يحثني على الاشتغال بغيره من كتبه، كـ”لزوم ما لا يلزم”، و”جامع الأوزان”…”، ثم يجيء شيخ المعرة في مقدمة “سقط الزند” فيذكر أن هذا كان منه إذ كان في “ربان الحداثة (أي: أوائل الشباب) مائلاً في صَغْو القريض” (أي: ناحية الشعر)، ثم يذكر أنه كره شعر صباه؛ “لما فيه من غلو في مدح الآدمي”، بألفاظ ربما كان فيها صفات تحتملها صفات الله – عز وجل – فهو يبرأ منها، ويجعلها مصروفة إلى الله – سبحانه – ثم يستغفر مما فعل.

وشيءٌ قليل من الأناة يتجمل به المبتدئ الجامعي، يريه عيانًا ماثلاً أن شيخ المعرة لم يعتذر مما زعمه التالف صاحب خبر القفطي؛ بل اعتذر – كما قال التبريزي – من مدح نفسه في شعر الصبا، وحسبك برهانًا على ذلك، ما كنا نتعلمه من شعره ونحن أطفال في “سقط الزند”:
وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الأَخِيرَ زَمَانُهُ لآتٍ بِمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الأَوَائِلُ

واعتذر أيضًا من الغلو في مدح الآدمي بصفات لا يستحقها، وهذا كثير من أول شعر “السقط” إلى أواخره، فإذا علمنا أن الشيخ إنما اعتذر من هذا وأشباهه، ولم نجده اعتذر من شيء غيره كان في “سقط الزند”، فذلك وحده كافٍ في الدلالة على جهل صاحب الخبر بشأن المعري وبشعره، ونعم، قد وجد الناس، بعد أن ساءت القالة في الشيخ، كما سأبيِّن، في “سقط الزند” شعرًا استخرجوه؛ ليقدحوا به في ديانته، ولكن المبتدئ الجامعي الشادي يستطيع أن يعلم أنه محصور في ضرب

[الصفحة 43]

واحد، هو ما جاء في بعض مراثيه من ذِكر هول الموت واستبشاعه، وأن الموتى يفضون إلى غيب مجهول، لا يأتينا عن أحد منهم خبرٌ، وأشباه ذلك، ولا أظن – ولا أظن الدكتور لويس عوض يظن – أن شيئًا من ذلك كان ممكنًا أن يجلب على الرجل الوقيعة في دينه، وإساءة الظن في اعتقاده؛ لأنه لم يَسِر فيها إلا على مدارج الشعراء قبله وبعده، ممن لم يَرْمِهم أحدٌ بمثل هذه النقيصة، وإذًا فباطل أن يكون محتاجًا إلى الاعتذار منه، وتوجيهه وجوهًا يحتملها التأويل، كما قال الراوي.

وكل شادٍ جامعي مبتدئ يستطيع – إذا عرف لغة العرب – أن يقرأ “سقط الزند” كله، فيجده خِلْوًا (أي: خاليًا خلوًّا تامًّا) من شكوك يمكن أن يقال: إنها انقدحت في صدر الفتى المعري؛ من جراء أقوال من أوائل أقوال الفلاسفة، سمعها من راهب “يشدو شيئًا من علوم الأوائل”، فإذا صح هذا – وهو صحيح بلا شك – فحسبه به تكذيبًا لقضية هذا الخبر، وناهيك به دليلاً على جهل قائله جهلاً تامًّا محكمًا بشعر أبي العلاء في صباه.

ومع ذلك، فأنا أحب أن أزيد هذا الشادي المبتدئ شيئًا من المعرفة، أو أوفر عليه بعض الجهد، أو أعطيه مفتاحًا صغيرًا لدراسة شيء من تاريخ شيخ المعرة، بأن أدلَّه على شيء حققته بنفسي متتبعًا شعر “سقط الزند”، وهو أن جُلَّ ما استخرجه الطاعنون في الشيخ من شعر “سقط الزند” مما نسبوه إلى سوء اعتقاده بعد تأويله، ليس ألبتة مما قاله في أول عمره وصباه؛ بل مما قاله وهو في الثلاثين وما بعدها بقليل، وهذه فائدة لطيفة.

وصاحب هذا الخبر، بلا أدنى ريب، بعد الذي قدمناه، ليس معاصرًا لأبي العلاء؛ لأنه لو كان له معاصرًا، لسارع القفطي المنفرد بالخبر إلى ذكر اسمه، كما توجب بداهة العقل، (ومع الأسف أنا في شك من مسألة وجود بداهة العقل في أيامنا هذه!)، فإذ ليس معاصرًا (وهذا أمر ستعرف معناه بعد قليل)، فإنما هو إنسان قال ما قال، بعد أن ساءت القالة في عقيدة أبي العلاء بعد سنة (400)؛ أي: بعد أن عاد من بغداد ولزم بيته، وترك أكل اللحم، وكتب ما كتب من شعره، مثل: “لزوم ما لا يلزم”، و”استغفر واستغفري”، وغيرهما مما كان سببًا في التشنيع عليه، والنقيصة من دينه.

[الصفحة 44]

قال كليلة لدمنة: وكيف كان ذلك؟ قال دمنة:
زعموا أن أول من كتب لشيخ المعرة ترجمةً مِن معاصريه هو الثعالبي، في “تتمة يتيمة الدهر” (350 – 429هـ)، وتوفي قبل أبي العلاء بعشرين سنة، وكتابه مطبوع، فمن الخير؛ بل من أجلِّ النعم التي يجتازها جامعي، شاديًا كان أو أستاذًا كالدكتور لويس، أن يعرف نص هذه الترجمة، قال:
“كان حدثني أبو الحسن الدُّلفي المصِّيصي الشاعر (والمصِّيصة التي ينسب إليها ببلاد الشام)، وهو ممن لقيته قديمًا وحديثًا في مدة ثلاثين سنة، قال: لقيتُ بالمعرة عجبًا من العجب، رأيت أعمى شاعرًا ظريفًا، يكنى أبا العلاء، يلعب بالشطرنج والنرد، ويدخل في كل فن من الجد والهزل، وسمعته يقول: أنا أحمدُ اللهَ على العمى، كما يحمده غيري على البصر، فقد صنع لي وأحسن بي؛ إذ كفاني رؤية الثقلاء البغضاء، قال: وحضرتُه يومًا وهو يملي في جواب كتاب وَرَدَ عليه من بعض الرؤساء”، ثم ذكر ثلاثة أبيات أملاها الشاعر الأعمى، ولم يزد على ذلك شيئًا، وهو خِلْوٌ (أي: خالٍ خلوًّا تامًّا) من كل إشارة إلى اتهام الرجل في دينه.

وبقليل من فطنة الجامعي (وأخيرًا أعتذر لأساتذة جامعاتنا؛ لأني لا أعنيهم بهذه النسبة)، يستطيع الشادي أن يعلم علمًا يقينًا أن في قول أبي الحسن المصيصي: “لقيت بالمعرة عجبًا من العجب، أعمى شاعرًا ظريفًا، يكنى أبا العلاء” – دليلاً ساطعًا مستبينًا على أنه لقيه قبل آخر سنة 398هـ؛ لأن شيخ المعرة فارق داره المعرة في هذه السنة، ورحل إلى بغداد، وأقام بها إلى ست من شهر رمضان سنة (400هـ)، ثم فارقها إلى المعرة، ولزم بيته، وطبقت الآفاقَ من يومئذٍ شهرتُه، وهو في تلك السنة في السابعة والثلاثين من عمره، ومحال أن يكون كان ذلك بعد العزلة؛ إذ لم يكن يجالس الناس يومئذٍ، فضلاً عن “أن يلعب بالشطرنج وبالنرد، ويدخل في كل فن من الجد والهزل”، كما قال أبو الحسن.

هذه واحدة، وأخرى أن في قول المصيصي في آخر الخبر: “وحضرته يومًا وهو يملي في جواب كتاب ورد عليه من بعض الرؤساء” – دليلاً آخر على شيء مهم جدًّا، ويزيل كثيرًا من الغموض، الذي زعم الدكتور لويس عوض أنه يحيط بتاريخ أبي

[الصفحة 45]

العلاء إلى أن بلغ الخامسة والثلاثين من عمره، والدكتور بالطبع قد درس كل شيء، وأحاط بما لدينا علمًا! وهذا شيء ينبغي الإقرار له به، والصبر عليه (والله زمن! كما تقول العجائز)، وأيًّا ما كان الدكتور لويس عوض، فإن الرؤساء لا يكتبون إلى فتى في أول عمره (كما يقول التالف صاحب الخبر)؛ بل إلى رجل قد استكمل رجولته، وعرفه الناس وذكروه، فراسله الرئيس بعد الرئيس وراسلهم، وبداهة المنطق (إن كان بقي للمنطق بداهة، بعد مقالات الدكتور لويس عوض عن شيخ المعرة، والتي لا تزال تنشر إلى يوم الناس هذا: الجمعة 23 رجب سنة 1384هـ)، وبداهة المنطق – والأمر لله – توجب أن يكون أبو العلاء كان يومئذٍ في حدود الخامسة والعشرين من عمره على الأقل؛ أي: في نحو سنة 388 من الهجرة، على الأقل مرة أخرى.

وثالثة ورابعة، وخامسة، وما شئت، فنصُّ كلام أبي الحسن المصيصي، دال أوضح الدلالة على أنه لقي أبا العلاء بالمعرة مرات؛ إذ لا يتَّفق أن يرى منه كلَّ هذه العجائب في مجلس واحد، إلا أن يكون الفتى المعري قد لقَّنه راهبُ دير الفاروس أيضًا “فن التمثيل” نقلاً عن يونان الدكتور لويس عوض، فوقف على مسرح يعرض أعاجيبه دفعة واحدة؛ ليستخرج بها العجب من عيون الناس، والفلوس من جيوبهم.

ودليل آخر على تكرار هذا اللقاء، أن أبا الحسن يقول: “وحضرته يومًا وهو يملي”، فهذا يوم غير الأيام التي ذكرنا، ويدل تنكيره “يومًا” على تكرر ذلك في أيام متعددة (وهذا صعبٌ على الدكتور فهمُه، فأعتذرُ)، وإذا كان ذلك استنباطًا صحيحًا – وهو صحيح بلا شك – وكان هذا الأعمى الشاعر، الظريف الذي يلعب بالشطرنج وبالنرد، ويدخل في كل فن من الجد والهزل (آه! كأنه يعني بذلك التراجيديا والكوميديا، وتلقاها أبو العلاء أيضًا عن الراهب بلا شك!)، وكان أبو الحسن يلقاه خلال إقامته بمعرة النعمان معاودًا للقائه، ويراه عجبًا من العجب، ألم يكن من حق هذه الطريفة العجيبة على أبي الحسن أن يتقصى أخبارها ونشأتها، وكيف بلغت هذا المبلغ؟ وإذا فعل، وكان هذا الأعمى متهمًا في دينه؛ لما استودعه شعر صباه من الشكوك (اليونانية)، حتى احتاج إلى الاعتذار منها، والتمس لها وجوهًا من التأويل، ألم يجد مدةَ مقامه بمعرة النعمان مَن يقول له: كان

[الصفحة 46]

وكان من خبر الفتى وانحلال دينه؟ وإذا كان قد علم ذلك، فلِمَ أخفاه؟ ولِمَ لَمْ يضمه إلى عجائب الفتى؛ ليُطرِف بها صاحبه الثعالبي؟

وإجابة هذه الأسئلة بإيجاز، واستنادًا إلى ما سلف، هو أن هذا شيء لم يكن قط، وهذا بيِّن – إن شاء الله تعالى – ومع كل ذلك، فشيخ المعرة وهو في الخامسة والعشرين من عمره، لم يكن مغمورًا ولا مجهولاً، وقد تآزرَتِ الأخبار على ذلك، ويحدِّثنا شيخ المعرة بالمعهود من صدقه، على أنه كان يومئذٍ قد بلغ الغاية في تحصيل العلم، فهو يقول في رسالته إلى خاله أبي القاسم علي بن سبيكة، والتي أرسلها إليه عند طلوعه من العراق سنة (400)، وهو يومئذٍ في السابعة والثلاثين: “وقد فارقتُ العشرين من العمر، ما حدَّثتُ نفسي باجتداء علم (أي: طَلَبِه) من عراقي أو شآمٍ، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا”.

وإذًا فإلى أن كانت سنة (398) من الهجرة على الأقل، لم يكن دين أبي العلاء موضع تُهَمَةٍ، ولا كانت مقالةُ السوء قد سارتْ عنه في الناس، وهو يومئذٍ في الخامسة والعشرين شابًّا ملء شبابه ورجولته، وفي أول الطريق الأعظم إلى الشهرة، التي سوف تتردَّد في جنبات بلاد الإسلام، وتحليل خبر الثعالبي المعاصر الأول له، مسنَدًا إلى أبي الحسن الذي رآه بعينيه في معرة النعمان مرارًا، قد دل دلالة قاطعة على أن هذه القالة لم تكن إلا بعد عودته من العراق، واعتزاله، وتأليفه ما كثرت عليه فيه المآخذ، كـ”لزوم ما لا يلزم”، و”استغفر واستغفري” بعد سنة (400) من الهجرة.

ولو كان ذلك معروفًا عنه في صباه، ثم اعتذر منه، لَمَا قال الخطيب البغدادي المعاصر الثاني (392 – 463هـ) بعد شهرة أبي العلاء، ودخوله العراق، والخطيب عند ذاك في الثامنة من عمره، لم يعقل أمر أبي العلاء إلا بعد ذلك بدهر: “وعارض سورًا من القرآن (يعني: في كتاب “الفصول والغايات”، وهذا باطل بالطبع)، وحُكي عنه حكايات مختلفة في اعتقاده، حتى رماه بعض الناس بالإلحاد”، فهذا لا يقوله مثل الخطيب لشيء كان في الصبا الأول، اعتذر منه صاحبه وتبرأ، ووجهه وجوهًا يحتملها التأويل، وأيضًا لامتنع عقلاً (ولا مؤاخذة) أن يقول المعاصر الثالث، وهو الباخرزي (… – 467هـ): “وقد طال في ظلال

[الصفحة47]

الإسلام آناؤه، ولكن ربما رشح بالإلحاد إناؤه”، فهذا لا يقال في شيء قد انقضى في زمن الغضارة والجهل، على أن الباخرزي يأتي بقاصمة الظهر، فيقول بعد ذلك في شعر صباه: “ورأيت ديوان شعره الذي سماه “سقط الزند”، وهتف فيه كالحمام على فنن غض النبات من الرند”، فلا ينكر من هذا الشعر شيئًا؛ بل يثني عليه.

• • • •

فهؤلاء الثلاثة المتعاصرون، يقطع حديثُهم عن شيخ المعرة بأن ما جاء في “خبر الراهب” باطل، لا يقوله إلا جاهلٌ بشعر أبي العلاء، وبالزمن الذي ظهرتْ فيه تهمته في دينه، ولا يقوله إلا ظنين (أي: متَّهم في نفسه أو عقله)، يحسب أن الناس كلهم مثله جهال بلا عقول، ولا يقوله إلا مختلط العقل من سمادير الهوى والإدمان، (والسمادير: ما يتراءى للمخمور إذا دار رأسُه من سكر الشراب)، وكأني به سمع ما يقول الناس عن دين شيخ المعرة، فقال يتباهى بطرفة من الطرائف، كأنها علم خَفِيَ على غيره، وكأنه سمع قول أبي الأسود الدؤلي في طلب العيش:
وَمَا طَلَبُ المَعِيشَةِ بِالتَّمَنِّي وَلَكِنْ أَلْقِ دَلْوَكِ فِي الدِّلاَءِ
تَجِئْكَ بِمِلْئِهَا يَوْمًا وَيَوْمًا تَجِئْكَ بِحَمْأَةٍ وَقَلِيلِ مَاءِ

(والحمأة: الطين الأسود المنتن)، وليس هذا بمستغرب من مثله؛ لأننا وجدنا في زماننا آية ذلك ومصداقه في كل فن من فنون القول، شعرًا ونثرًا، ورواية وترجمة للرجال، وتحليلاً لروائع الفن، وتاريخًا للعصور، إلى آخر هذه السلسلة المنظومة، وكل ما أسلفتُ دالٌّ أوضح الدلالة على أن قائل الخبر الذي رواه القفطي ليس معاصرًا لأبي العلاء؛ لأنه لو كان معاصرًا لقال كما قال معاصروه، ولم تظهر في قوله البيِّنة على كذبه، وإذ لم يكن معاصرًا فلا يؤخذ منه شيء إلا بالحجة، وإن كنا لا نقبل شيئًا إلا بالحجة التي يقبلها العقلُ السليم من الآفات، من معاصر وغير معاصر.

وأما “الخلفية التاريخية”، وبالله نستدفع البلايا، وهي صدر خبر الراهب، فله حديث هو أحق به – إن شاء الله – (والعرض مستمر).

• • • •

[الصفحة 48]

حاشية: أرسل إليَّ أخي الأستاذ أحمد راتب النفاخ من دمشق رسالة، يذكِّرني بأني أكثرت من وصف “ياقوت الحموي” بأنه “شامي”، مع أن ابن خلكان ذكر في أول ترجمته له أنه: “رومي الجنس، حموي المولد، بغدادي الدار”؛ لأن مولاه عسكر بن إبراهيم الحموي، كان تاجرًا يسكن بغداد، وهذا حقٌّ، ولكنه حقٌّ أيضًا أن ياقوتًا بعد أن تلقَّى من العلم ما شاء الله ببغداد، شغله مولاه في متاجره، قال ابن خلكان: “فكان يتردَّد إلى كيش وعمان، وتلك النواحي، ويعود إلى الشام”، وهذا واضح دال على أن ياقوتًا كان كثير الأوبة إلى الشام يقيم بها؛ ليقوم بتجارة مولاه عسكر الحموي في الشام، دون بغداد؛ فمِن أجل هذا، ومن أجل مولده في حماة، ومن أجل سَعَة علمه بأمر الشام، جعلتُه “شاميًّا ” بهذا المعنى، وعسى أن أكون أصبتُ الاستدلال، ولأخي أحمد فضْلٌ لا يُنكَر، وشكرٌ مني لا يَنْفَد.

المصدر: أباطيل وأسمار، الجزء الأول ص 35-49.