بين الرافعي والعقاد 2

بين الرافعي والعقاد 2

بين الرافعي والعقاد 2

بين الرافعي والعقاد 2

الأستاذ الأدب سيد قطب في كلمته الثانية بعض ما نقده الرافعي في قصيدة للعقاد في ديوانه بعنوان «غزل فلسفي؛ فيك من كل شئ»، وذلك حين يقول في حبيبته:

فيك مني ومن الناس ومن          كل موجود وموعودٍ تُؤام

فقال الأستاذ قطب: فلا يرى الرافعي في هذا البيت الفريد إلا أن يقول: «قلنا فإن (من كل موجود) البق والقمل والنمل والخنفساء والوباء والطاعون والهيضة وزيت الخروع والملح الإنكليزي إلى واوات من مثلها لا تعد، أفيكون هذا كله في حبيب إلا على مذهب العقاد في ذوقه ولغته وفلسفته؟»

ثم يعود فيقول: «إن هذا المثال هو «مصداق رأيي في أن الرافعي أديب الذهن لا أديب الطبع، وأنه تنقصه «العقيدة»! التي هي وليدة الطبع أولاً؛ فأي «طبع» سليم يتجه إلى تفسيره بيت غزلي في معرض إعجاب شاعر بحبيبته، واستغراق في شمول شخصيتها بأن «كل موجود» هو البق والقمل والنمل. . الخ» غافلاً عما في هذا الإحساس من «حياة»! «واستكناهٍ»! لجوهر الشخصية، و «خيال بارع» تثيره طبيعة فنية، فيرى في هذه المرأة من متنوع الصفات ومختلف النزعات وشتى المزايا عالماً كاملاً من كل موجود وموعود.

أحد أمرين:

إما أن الرافعي ضيق الإحساس مغلق الطبع بحيث لا يلتفت إلى مثل هذه اللفتات الغنية بالشعور.

[الصفحة 13]

وإما أنه يدرك هذا الجمال، ولكنه يتلاعب بالصور الذهنية وحدها، غافلاً عما أحسهُ وأدركه.

وهو في الحالة الأولى مسلوب «الطبع» وفي الثانية مسلوب «العقيدة!» فأيهما يختار له جماعة الأصدقاء»

ثم أتم الأستاذ علينا نعمة نقده بأن قال «أن هذا المثال «يمثل تلاعب الرافعي بالصور الذهنية، واستغلاق طبعه دون تملي الإحساس الفني».

وقد آثرنا أن ننقل في كلامنا كل هذا لا نبذله ولا نحرفه لنقطع بذلك مادة الشك في صحة النقل من كلام الأستاذ قطب، وليجتمع للقارئ فكرهُ على رأي متصل حين ينظر في أعقاب كلامنا بالتعرف أو الإنكار.

ونحن حين قرأنا قصيدة العقاد لأول مرة في مجلة المقتطف (يناير سنة 1933) زعمنا أنها قصيد مؤلفة من مادة غير مادة الشعر، وأن الغزل الفلسفي الذي فيها حديث يتهالك، والفلسفة منطق يتماسك، فهي على ذلك ليس من شعر ولا فلسفة. وهذا هو بديهة الرأي لمن يقرأ هذه القصيدة ويتدبر معانيها، ويقيسها إلى غرض صاحبها فإنه سماها أول ما سمى «غزلاً فلسفياً» ثم أتبع هذا – وفي رأسها – مما يشبه التفسير لهذا العنوان، وما يتضمن فحوى القصيدة، ويحدد جملة معانيها، وذلك قوله: «فيك من كل شئ».

ولسنا ألان بسبيل من نقد القصيدة كلها، وبيان ما أشرنا إليه قبل في أثنائها وتضاعيفها، وإنما نجتزي بالقول في البيت الذي نقده الرافعي، ثم عقب على نقده الأستاذ سيد قطب بما شاء له «طبعه» المفتوح غير المغلق، و «عقيدته» الكاملة غير المسلوبة، و «خياله البارع» غير المتخلف.

وهذا البيت بعينه:

فيك مني ومن الناس ومن            كل موجود وموعود تؤام

إنما هو تكرار لقوله في صدر القصيدة: «فيك من كل شيء» حين أراد الشاعر أن يزيده بياناً ووضوحاً، ويجلوه جلاء المرآة ليصف شخص صاحبته، أو كما قال الأستاذ القطب (لاستكناه جوهر شخصيتها!).

[الصفحة 14]

وقد ذهب الرافعي في نقد هذا البيت مذهب العربي حين يسمع الكلام العربي لا ينحرف بألفاظه إلى غير معانيها، ولا يتسع في معاني الألفاظ بغير دلالة ظاهرة أو مسوغ مضمر، ولا يقبض من معانيها إلا بمثل ذلك مما يجيز انقباض بعض معاني اللفظ عن سائره. وقد قال العقاد لصاحبته في الغزل الفلسفي «فيك من كل شئ» و «فيك كم كل موجود». والعرب والفلاسفة جميعاً يزعمون أن لفظ (كلّ) إذا دخل على النكرة أوجب عموم أفرادها على سبيل الشمول دون التكرار. فكذلك أوجب الشاعر على صاحبته أن يشمل (جوهر شخصيتها) جزءاً من كل ما يمكن أن يسمى (شيئاً)، ومن كل ما يسوغ أن يسمى (موجوداً وموعوداً). هذا الإطلاق من (فيلسوف يتغزّل) يقتضي شمول الأفراد من (كل شيء)، ومن (كل موجود). وليس يشك أحد – ممن لم يسلبهم الله «الطبع» و «العقيدة» ولم يحرمهم «الخيال البارع» – في أن ما ذكره الرافعي في كلامه – من البق إلى الملح الإنكليزي – شيء من الأشياء وموجود من الموجودات. والفيلسوف حين يتغزل أن يريد هذا بغير شك، ولكن أين تذهب بمعنى اللفظ «كلٍ» في العربية؟ وفي حدود الألفاظ التي تدور على ألسنة الفلاسفة؟ وأي دلالة توجب معنى الشمول من هذا اللفظ؟ أو أي مسوغ يجيز الحد من الإحاطة التي يقتضيها هذا الحرف في مجرى قول الشاعر «فيك من كل شيء» وفيك «من كل موجود»؟!

هذا بعض القول في فساد ألفاظ هذا البيت، وبطلان معنى الفلسفة فيه. ولا يفوتني في هذا الموضع أن أدل على موضع الضعف في فهم الأستاذ قطب لكلام الرافعي. فالرافعي يقول: «قلنا، فان من – كل موجود – البق… الخ»، والأستاذ الأديب البارع يقول وكأنه يشرح معنى الرافعي: «فأي طبع سليم يتجه إلى تفسير بيت غزلي… بأن «كل موجود» هو البق والقمل… إلخ)؟ غافلاً عما في هذا الإحساس من «حياة» و «خيال بارع»، تثيره طبيعة فنية، فيرى في هذا المرأة من متنوع الصفات وشتى المزايا عالماً كاملاً من كل موجود وموعود». والرافعي رحمه الله لم يقل إن (كل موجود) هو البق والقمل… إلخ، وإنما

[الصفحة 15]

قال إن من (كل موجود)، أي من أفراد الموجودات ما يسمى بقاً… الخ، فالحرف «من» في كلام الرافعي ليس هو الحرف «من» الذي في شعر العقاد حتى يجوز ما ذهب إليه الأستاذ قطب بما ساء من تعليقه.

وقد أطلت القول في تقرير نقد توحي بصحته سلامة الفطرة، وحسن الذوق، وصفاء القريحة، ويوجبه اصطلاح المنطق، وحد الكلام، وإتقان الفلسفة، ويقتضيه ما ذهب الشاعر يسرده مما هو «في صاحبته» معدداً مبيناً مفصلاً حتى انتهى إلى إجمال المعاني في هذا البيت. فقد قال لها: فيك من الشمس والبدر، ومن الربيع والشتاء، ومن غناء الطير ونوح الحمام، ومن انسياب الماء، ومن طبائع الوحش، ومن حركة الأسماك، وفيك من جوارح الطير، ومن النعام، ومن نار الحياتين، ومن الموت الزؤام، ومن نقص الدنيا، وكمال الآخرة، ومن الملائكة، ومن الشياطين، ومن الخمر، ومن القوت، ومن الماء، ومن الجوع، ومن الأرض، ومن السماء، ومن عمل الأيام والدهور، ومن الهندسة، ومن الفن… ثمَّ.

«فيك منى ومن الناس ومن كل موجود وموعود تؤام»!! أفلا يدل هذا على أن الشاعر الفيلسوف كَلَّ[1] التفصيل فرمى بالجملة في «كل شيء» من «موجود وموعود» بعد الذي تعب في بيانه وتفصيله وذكره وتعداده؟؟ وأي شيء بقى له لم يعدده من متنوع الصفات ومختلف النزعات وشتى المزايا والعالم الكامل»! إلا هنات هينات كذا وكذا… وما ذكر الرافعي.

هذا… وقد اقتصر الأستاذ على نقل بعض كلام الرافعي في نقد هذا البيت ونحن نتمه للقراء بعد ذلك:

«إن ذلك المعنى الذي بنى عليه هذا المسكين غزله الفلسفي قد مر في ذهن أعرابي لم يتعلم ولم يدرس الفلسفة، ولا قرأ الشعر الإنجليزي والفرنسـي والألماني والفارسي، وليس له إلا ذوقه وسليقته وطبيعته الشعرية، فصفى المعنى تصفية جاءت كأنما تقطر من الفجر على ورق الزهر بقوله: زهر الآداب ج 2 ص 261

[الصفحة 16]

فلو كنت ماء كنتِ ماء غمامة         ولو كنت درّاً كنت من درةِ بكر

ولو كنتِ لهواً كنتِ تعليل ساعةٍ       ولو كنت نوماً كنتِ إغفاَءة الفجرِ

ولو كنت ليلاً كنت قمراَء جُنِّبَتْ       نحوس ليالي الشهر، أو ليلةَ القدر

(ولو كُنتِ كُنْتِ) هذا أبدع عنوان لأجمل قصيدة في فلسفة الغزل. وانظر كيف جعل الأعرابي حبيبته أصفى شيء، وأغلى شيء، وأسعد شيء، وكيف صورها شعراً للشعر نفسه. ثم قابل هذا الذوق المصفى بذوق من يجعل حبيبته من كل شيء، ومن كل موجود وموعود تؤاماً وزؤاماً وبلاء عاماً» انتهى كلام الرافعي.

فإن شئت أن تعرف كيف يتناول الشعراء هذا المعنى المغسول من الشعر «فيك من كل شيء» فانظر حيث يقول جرير، وهو فيما نعلم أول من أفتتحه:

ما استوصف الناسُ (من شيء) يروقُهم         إلا أرى أمَّ عمْر فوْقَ ما وَصَفوا

كــأنـهـا مُـزْنــةُ[2] غــرَّاء واضــحـة                 أو درة لا يوارى ضوءها الصَّدَفُ

وقد أحسن جرير تحديد المعنى وتجريده من اللغو «من شيء يروقهم» وجعل في صاحبته من ألوان الجمال ما تهفو إليه نفوس الناس على اختلاف أذواقهم وتباين أنظارهم. وكأن أبا نواس نظر إلى هذا المعنى حين قال:

لك وجه محاسن الخلق فيه           ما ثلاثُ تدعو إليه القُلوبا

على أن جريراً قد ناقض وأحال وأفسد ما استصلح من شعره حين رجع فقال في البيت الذي يليه: «كأنها مزنة… أو درة» فإن هذا الحرف «كأن» للتشبيه، والتشبيه يدعى قصور المشبه عن المشبه به، وهو قد ادعى أنه يرى صاحبته فوق ما يصف الناس «من شيء» يروقهم أو يروعهم أو يفتنهم.

ثم جاء مسلم بن الوليد يعقب جرير يقول:

[الصفحة 17]

مثالها زهرة الدنيا مصوَّرةً         في أحسن الناس إدباراً وإقبالاً

أستودع العينَ منها كلما برزت         وجها من الحسن لا تُلقى بالا

فالعين ليست ترى شيئاً تسرُّ به         حتى تُريني لما استودعت تُمثالا

ففارق مسلم جريراً حيث جعل صاحبته «زهرة الدنيا مصورة» أي محاسنها وتهاويل جمالها، وأنه يجد عندها تمثالاً لكل حسن تسر به العين.

ثم جاء أبو نواس فألبس الشعر والمعنى من توليده وحسن مأخذه ولطف عبارته فقال:

لها من الظرْف والحسن        زائـــدٌ يــتجدَّدْ

فكل حُسـن بــديـع           مــن حُسنها يتولَّدْ

ثم جاء أبو تمام فقَصّر، ولم يحسن اختيار اللفظ، وأضعف روح الشعر فيه فقال:

أنظر فما عاينت في غيره            من حَسَن فهو له كله

وتناوله البحتري، فزاد فيه معنى، ولم يجود نسجه فقال:

وأهيف مأخوذ من النفس شكله          ترى العينُ ما تحتاجُ أجمعُ فيه

فالزيادة في قوله «مأخوذ من النفس شكله» وهي جميلة لولا شناعة قوله «مأخوذٌ»، ولو عدل فيها إلى مثل نهجه في صفة الخمر

أُفرغتْ في الزجاج من كل قلب         فهْي محبوبة إلى كلِّ نفس

لأجاد وبذَّ من سبقه. وقد فطن ابن الرومي إلى معنى البحتري فاتخذه لنفسه وسبق حين قال:

وفيك أحسن ما تسمو النفوس له             فأين يرغب عنك السمع والبصر

وقد قصر ابن الرومي في الشطر الأول عن المعنى الذي أراده البحتري، ولكنه جاوز البحتري ورمى به خلفه في مقابلة قوله (ترى العين ما تحتاجُ أجمعُ فيه) بما قال (فأين يرغبُ عنك السمعُ والبصرُ). ثم أدار ابن الرومي هذا المعنى ونفَّلَه[3] من سواه حين قال:

[الصفحة 18]

لا شيَء إلا وفيه أحسنهُ       فالعينُ منه إليهُ تنتقلُ

فوائد العين منهُ طارفهٌ         كأنما أُخرياتهُ الأُوَلُ

ولقد كانت أتعجب لبيت العقاد كيف نزل مع كل هذا الشعر، وكيف خفى عنه موضع التقييد من مثل قول جرير «من شيءٍ يروقهم»، وقول مسلم «زهرة الدنيا» و «شيئاً تُسرَّ به» وما إلى ذلك، ووجهتُه مع سائر القصيدة فلم يزل مختلاً ناقصاً معوجاً لا يستوي. وزادني عجباً قوله في نهاية الشعر «تُؤام»، ولم أجد للفظ معنى لا رأيت له وجهاً يتوجهًه مع مقاصد الغزل الفلسفي حتى وقعت لي أبيات ابن الرومي فإذا قوله «تؤام» ترجمة للفظ آخر هي لفظ «معاً» في قول ابن الرومي ينحو إلى هذه المعاني بعينها.

فالعين لا تنفكُّ من نَظَرٍ           والقلب لا نيفكُ من وَطَرٍ

ومحاسن الأشياء فيكِ «معاً»          فَملاَ لِتيك مَلاَلَتي بَصرِي

مُتعاتُ وجهكِ في بديهتها           جُدُدٌ وفي أعقابِها الأخَرِ

فكأنّ وجهكِ من تجدُّدِه            مُتنقِّلٌ للعين في صُوَرِ

وقول ابن الرومي «ومحاسن الأشياء فيك معاً» هو عمل الشعر في معنى غسيلٍ قدَّم به العقاد لقصيدة غزل فلسفي وهو قوله: «فيك من كل شيء»

ورحم الله الصولي الذي يقول:

أعرفُ مِنها شَبهاً             في كلِّ شيء حَسِن

فقد أتى بالمعنى عامياً لطيفاً مجفوّاً غير صنيع، وهو على ذلك أرق من فيك منى ومن الناس…

فهذا مذهب الشعر من لدن جرير إلى يومنا هذا ولم نستقصه في غرض واحد من أغراضه، وذاك مذهب العربية في معاني ألفاظها، وسبيل الفلاسفة في تحديد معانيها، وفي ثلاثتها قصَّر بيت العقاد وفسد واستحال، معناه وتهالك منطقه. فمن أين يمكن وصف الرافعي – إذا نقد هذا البيت – بأحد أمري الأستاذ قطب: إما أن يكون ضيق الإحساس مغلق الطبع بحيث لا يلتفت هذه اللفتات الغنية

[الصفحة 19]

بالشعور… «وأين وأنى وكيف نجدها يا أستاذ الأستاذين؟» وما أنه يدرك هذا الجمال ولكنه يتلاعب بالصور الذهنية وحدها، غافلاً عما أحسه وأدركه… وما ندري كيف كان يحسه الرافعي رحمه الله؟

أكان يحسه ويدركه بقوة الجوع والعطش في البيت الذي يليه

كيف بي أُعزلُ إن أغنيتني          أنتِ، حتى عن شرابي والطعام!

وأخيراً، فقد خير الأستاذ أصدقاء الرافعي بين أن يحكموا عليه بإحدى كلمتيه أن يكون رحمه الله عليه مسلوب «الطبع» أو مسلوب «العقيدة» وقد تبين بعد الذي قلنا أن نقد الرافعي نقد «محكم» في سياق العربية، وفي جوهر الشعر ونزيد فنقول أن قارئ القصيدة «غزل فلسفي» حين يقرؤها إلى أن ينتهي إلى هذا البيت: «فيك منى ومن الناس…» لا يجد فيها من «الحياة» ولا من «الخيال» ولا من «غنى الشعور» ولا من «الإحساس الفني» – إلى آخر ما يتنبل به الأستاذ قطب – ما يجعل نقد هذا البيت بعينه دليلاً على ضيق الإحساس واستغلاق الشعور، والغفلة عن الجمال، وفساد الإنسانية في قلب ناقده.

وعلى هذا فقد سقط الدليل الأول من أدلة أحكامه على الرافعي وبان في ذلك ما امتاز به الرافعي من الدقة وصدق الإحساس في إدراك معاني الشعر وما فيه من غضارة ورُوقة وجمال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– كَلَّ: تعِبَ.

[2]– المزنة: السحابة البيضاء، ورواية البيضاء، ورواية الديوان: غَرّاء رائحة.

[3]– نفَّله: اكتسبه من غيره.