بل قبيحًا

بَل قَبيحًا

وأيضًا ليس حسنًا، بل قبيحًا أن يتنفَّخَ كاتبٌ على قُرَّاء صحيفته أو مجلته (تنفَّخ على وزن تكلَّم بكلام، وتحزَّم بحزام)، فيشدَّ الزِّقَّ على خَصْره، أو يلقِيه على مَنْكبه (والزِّق: القِرْبة)، ويضع مِزْماره في فمه، ثم يمشي به مختالاً، يمطُّ قامته، ويصعِّر خدَّه، ويَشْنِق عنقه (أي: يرميها إلى الوَراء مرفوعة)، ويُخرِج صدرَه، ويخطو على بساط من الزَّهو والتعاظم نافخًا شِدْقَيه، مُرْسِلاً هواء جوفه إلى جوف قربته؛ ليسمعَ الناس، شاؤوا أو أبَوْا موسيقَا القِرَب (الإسكتلندية) العاليةَ الضجيج، المتشابهةَ النَّغَم، ويظلُّ يفعل بهم ذلك أسبوعًا بعدَ أسبوع إلى ثمانية أسابيع، لا بل منذ كتبَ.

ولكن هكذا كان، فإنَّ الدكتور لويس عوض، ظلَّ ينزل بنا تلك الأنغام، بلا رحمة، وبلا تَحنُّن على البائسين الضارعين قرَّاء صحيفة الأهرام صبيحةَ كلِّ جُمُعة، ويوم الجمعة عندنا – نحنُ – مباركُ الساعات؛ ((فيه ساعةٌ لا يُوافِقها عبدٌ مسلم قائمٌ يُصلِّي يسأل الله خيرًا إلاَّ أعطاه إيَّاه))؛ كما جاء في الحديث الصحيح، بَيْدَ أنَّنا قضينا زمنًا طويلاً نصبح يومَ الجمعة، لنجد فيه ساعةً معكوسة الحظِّ منكوسة، كالذي قال أبو عُبادة البُحتريُّ في إيوان كسري:

عَكَسَتْ حَظَّهُ اللَّيَالِي وَبَاتَ الْمُشْتَرِي فِيهِ وَهْوَ كَوْكَبُ نَحْسِ
فَهْوَ يُبْدِي تَجَلُّدًا وَعَلَيْهِ كَلْكَلٌ مِنْ كَلاَكِلِ الدَّهْرِ مُرْسِي

ونحن، والله كذلك نُبْدي مع يوم الجُمُعة هذا التجلُّدَ، و(بالمرَّة) ليس حسنًا أيضًا، بل قبيحًا أن يتنفَّشَ بالتِّيه كاتبٌ يواجه أعينَ الناس بما يكتب، فيخرج عليهم كأنَّه بطل باذخٌ عليه أُبَّهة الظافر الميمون الطائر؛ ليراه الناسُ في كلامه راكبًا حِصانًا أشهبَ (فيه بياض)، وعليه لَأْمَة المحارب (أي: سلاحه)، على رأسه الخَوْذة، وعلى بدنه مِن فَرْق رأسه إلى نصف ساقيه سابغة زَغْفٌ (أي: درعٌ

[الصفحة 53]

ضافية لينة) تتلألأ، وفي قدميه زُرْبُول (وهو الحِذاء باليونانية)، وفي يُمناهُ قِنْطاريَّة – (وهي الرُّمح الثقيل باليونانيَّة أيضًا) – وبيسْرَاه الدِّرَفْس الأعظم – (وهو الدَّرَابو؛ أي: العَلم) – ثم يتبختَر جَيْئةً وذَهابًا بالعُجْب والصَّلَف، ولا يقنع حتى يرى نفسه قد تولَّى إمارةَ اليونان والرُّوم، ثم ما تولَّد عنهما منذ القرون الوسطى إلى اليوم، ويزدادُ مع هذا الوهم شُموخًا ونَخْوة، حتى لا يكاد يرى في الكون – منذ كان – شيئًا غير هذه الثلاثة، منها المبدأ وإليها المَعاد، إنَّه لقبيحٌ قبيح.

ورحم الله عبدالصمد بن المعذَّل؛ إذ قال لصديق له تولَّى إمارة النفَّاطات – (وهي عيون النِّفْط؛ أي: البترول) – فأظهر تِيهًا بنفسه وعُجبًا:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَظْهَرْتَ تِيهًا كَأَنَّمَا تَوَلَّيْتَ لِلفَضْلِ بْنِ مَرْوَانَ عُكْبَرَا
دَعِ الْكِبْرَ وَاسْتَبْقِ التَّوَاضُعَ إِنَّهُ قَبيِحٌ بِوَالِي النِّفْطِ أَنْ يَتَكَبَّرَا
لِحِفْظِ عُيُونِ النَّفْطِ أَحْدَثْتَ نَخْوَةً فَكَيْفَ بِهِ لَوْ كَانَ مِسْكًا وَعَنْبَرَا
وصدق والله، “كيف به لو كان مسكًا وعنبرًا”؟! ونسأل الله أن يُجنِّبَنا شرَّ كلِّ “شَرْلتان” كان أو هو كائنٌ – (والشَّرْلتان، بفتح الشِّين وسكون الراء: معروف في لغات العجم، وله في العربية سبعون اسمًا على الأقل، أو كما قال شيخ المعرَّة) – وأن يصنعَ لنا ويحفظَنا من تَيَّاهٍ يونانيٍّ، أو رُوميٍّ، أو قُرونيٍّ – (نسبة إلى القرون الوسطى) – وبالله وحدَه نستدفع البلاء.

وأعود الآنَ إلى ما كنتُ فيه مِن حديث راهبِ دير الفاروس باللاَّذقيَّة، وما كان في رواية الخبر من الكوائن، والله المستعان.

وأظنُّني – والله أعلم – قد فرغتُ إكرامًا للدكتور لويس عوض، من إثبات انفراد القفطيِّ بالخبر، بلا إسنادٍ إلى أحد، وأنَّه خبرٌ مجهول لم يَعلمْه أحد، ولم يَسمعْ به سامع، ولم يذكرْه ذاكرٌ بلسانٍ أو في كتاب، منذ كان شيخ المعرَّة، إلى أن كتبَه القفطي، وذلك في خلال مائة وثمانين سنة على الأقلِّ، وأنَّه لم يقفْ عليه أحدٌ بعد ذلك، إلى ساعة قراءة الدكتور هذه الكلمة، في شهر شعبان (1384) من الهجرة في كتابٍ كان قبلَ كتاب القفطي، ولا في كتابٍ جاء بعدَه نقل ذلك

[الصفحة 54]

الخبر عن أحد غير القفطي، وإذًا فهو خبرٌ مجهولُ المخرج دهورًا متطاولة، حَسبناها بحساب المعلِّم، وبالأرثماطيقا اليونانية، فإذا هي تسعمائة سنة وخمسٌ وستون سنة، هذه كائنة الكوائن، وكانت حَسْبَنا وزيادةً في إسقاط الخبر واطِّراحه، ولكنِّي أحببتُ – إكرامًا للدكتور لويس – أن أكشفَ له عن كائنةٍ أخرى بل كوائن، فإنَّ الخبر مختوم بقضية قابلة للعرْض على وثائقَ ثابتة حاضرة عتيدة، لا يَنتطح فيها عَنْزَان – كما في المثل – وقضية الخبر: أنَّ شيخ المعرَّة حَدثَتْ له شكوك وانحلال! أتَتْه مِن قِبل راهب دير الفاروس، فلم يُطق كتمانَها، فأودعها أشعارًا قالها في صِباه، ثم تاب وارْعوى، واعتذر منها، ووجَّهها وجوهًا يحتملها التأويل، فأثبتُّ بالبرهان المعتمد على الوثائق أوَّلاً، وعلى العقل ثانيًا (إن كان للعقل هنا فائدة) أنَّ هذا شيءٌ لا حقيقةَ له، ومناقض للواقع، وباطلٌ يدلُّ على بطلانه ما عندنا مِن شِعر الرَّجل في صباه، ويدلُّ على بُطلانه أيضًا ما تضمنتْه تراجمُ الثلاثة المعاصرين للشيخ، وتبيَّن أيضًا أنَّ الذي حدَّث القفطيَّ بالخبر ليس معاصرًا لأبي العلاء بالبداهة، وأنَّه لا يمكن أن يكون منقولاً عن معاصر بالبداهة أيضًا، واحدة =وهو جاهلٌ بشِعر أبي العلاء، وبالزَّمن الذي بدأتْ فيه تهمةُ الرَّجل في دِينه، ثانية. =وهو فوقَ ذلك ظَنينٌ في عقله، يحسب أنَّ الناس كلَّهم جهالٌ مثله بلا عقول، ثالثة= ومختلط العقل من سَمادير الهوى والإدمان، رابعة=وشَرْلتان قديم مُعْرِق في الرُّعونة والطيش، خامسة.
وكذَّاب لا يُحسن يكذب، سادسة=وإن شئت فزِدْ، ولا حَرجَ، فهذا ما كان، ونرجع إلى ما سيكون.

فإكرامًا للدكتور لويس عوض، مرَّة ثالثة، نشرع في مدارسة “الخلفية التاريخيَّة لهذا الخبر العظيم” – أكرمك الله وأجارك – والتي هي عند أصحاب هذا اللسان تُسمَّى “صدر الخبر”، وللتذكير وحسن المدارسة أثبتُّ نصَّ ذلك بلفظ القفطي، بلا تعديل أدخله عليه مُدْخِل، وبلا تحريفٍ لألفاظه حرَّفه ذو هوًى، يقول القفطي، أو مَن حدَّثه: “ولَمَّا كبر أبو العلاء ووصل إلى سِنِّ الطلب…. طمحتْ نفسُه إلى الاستكثار من ذلك، فرحل إلى طرابلس الشام…. فاجتاز باللاَّذقيَّة، ونزل دير الفاروس، وكان به راهبٌ يشدو شيئًا مِن علوم الأوائل، فسمع منه أبو العلاء كلامًا مِن أوائل كلام الفلاسفة، حَصَل له به شكوكٌ لم يكن عندَه ما يدفعها به، فَعلَق بخاطره ما حَصَل به بعضُ الانحلال”.

[الصفحة 55]

فهذا نصٌّ مكتوبٌ بالعربية (مع الاعتذار للدكتور)، سندرسه على منهجنا – نحنُ – في المدارسة، وهو البداهة والعقل، لا على منهج الدكتور لويس عوض، فقد بان فيما كتبتُه ما في منهجه – هو – مِن التسرُّع ومن الخَطْف، ومن قلَّة الاحتفال بدلالة الألفاظ في اللُّغات، ومِن طَرْح المبالاة بتمحيص التاريخ، ومِن إغفالِ بعضِ الحقائق لحاجةٍ في النفس، ومن الاستهانة بالوثائق التي يُطيق الشادي المبتدئ أن ينالَها من قريب، ومِن عدم التمييز بين الزَّيْف والصحيح، ثم مِن اعتماده بعدَ ذلك كلِّه على وسائلَ بعيدةٍ من دراسة الآداب، وهي وسائلُ إخراج الأفلام؛ حيث يعمد المخرج إلى الحقائق فيُحرِّفها ويُعدِّلها، ثم ينقلها من مكانها إلى مكان آخَرَ، ثم يحشو ما بين ذلك بالأوهام والأخيلة والسمادير، وهذا منهجٌ لم يزلْ يرتكبه إلى آخِرِ المقالة الثامنة، لم يَرْعَوِ عنه، كما ارْعوى شيخ المعرَّة في صِباه! وسأكشف ما ينطوي عليه منهجُه هذا حين يَحين وقتُه.

وقارئ مثلِ هذا الخبر ودارسُه، لا يجوز له أن يغفُلَ عن أشياءَ، بعضها يتعلَّق بأبي العلاء في ذات نفسِه، ثم بأُسرته، ثم بتاريخ زمانه، وبعضها يتعلَّق بِمَن ورد ذِكْرُه في الخبر، وبحاله وحالِ قومه، وبأمورٍ كثيرة ستظهر عن قريب – إن شاء الله.

فأوَّل أمرٍ أُثقِل به كاهلَ الدكتور لويس عوض، أن أذكرَ له طرفًا من شأن أُسرة أبي العلاء، فهو أبو العلاء: “أحمد بن عبدالله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهَّر”، ينتهي نسبه إلى “تَنُوخ”، وهي قبيلةٌ قديمة ذات شَرَف مُعْرِق منذ الجاهلية قبل الإسلام بدهورٍ طوال، فلمَّا جاءنا الله بالإسلام، وفُتحت الشام، وأسلم مَن أسلم مِن تَنُوخ، كان منهم أجدادُ أبي العلاء، فصار لهم أمرٌ ظاهر في الإسلام في مَعرَّة النعمان، حتى كان أكثرُ قضاة المعرَّة وفقهائها وعلمائها وكتَّابها وشعرائها من هذا البيت، بيت “بني سليمان بن داود بن المطهَّر” جدِّهم الأعلى، وصار أمرُ قضاء المعرَّة إليهم، فكان أوَّلَ من ولي قضاءَها جدُّ جَدِّ الشيخ أبي العلاء: “سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود” في سنة

[الصفحة 56]

290 هـ، ثم ولده “محمد بن سليمان بن أحمد” بعد موت أبيه في حدود سنة (300 هـ)، ثم ولده “سليمان بن محمد بن سليمان” سنة 331 هـ بعدَ موت أبيه، ثم ولده “عبدالله بن سليمان بن محمد بن سليمان” والد أبي العلاء المعرِّي في سنة 337 هـ، إلى أن تُوفي بمعرَّة النعمان سنة 395 هـ، وأبو العلاء يومئذ في الثانية والثلاثين من عمره.

وأمرٌ ثان: أنَّ شيخ المعرَّة قد حدَّثنا عن نفسه حديثَ الصادق الذي لا يكذب، وهي خليقة ثابتة له يعرفها كلُّ مَن هيَّأ الله له أن يُدارس ما كتب الشيخ، بلا شكٍّ في ذلك، فكان ممَّا حدَّثنا به في رسالته إلى خاله أبي القاسم عليِّ بن سبيكة، والتي مرَّ ذِكرُها آنفًا أنَّه قال: “وقد فارقتُ العشرين من العمر ما حدَّثت نفسي باجتداء عِلم (أي: طلبه) من عراقي ولا شآمٍ”، فهذا تحديد بلا كذب، وبلا ادِّعاء، وبلا توهُّم، يقطع بأنَّه لم يقرأْ على أحد من الشيوخ بعد هذه السِّنِّ في بلده، ولا في غير بلده، وقوله: “وقد فارقتُ العشرين من العمر”، يدلُّ على أنَّ ذلك كان إلى حدود الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين من عمره؛ أي: في نحو سنة 385، 386 تقريبًا.

وأمرٌ ثالث، وهو ما حصَّله أبو العلاء من العلوم في هذه الفترة (أي: إلى سنة 386) منذ نشأته إلى أن فارقَ العشرين، فقد حدَّثنا الحافظ أبو طاهر السِّلَفِي (472 – 576) وقد لقي كثيرًا ممَّن أخذ عن شيخ المعرَّة، فقال: “وقد قرأ القرآنَ بكثيرٍ من الرِّوايات، على شيوخ يُسارُ إليهم في القراءات” هذه واحدة.
وأخرى، أنَّه قرأ النَّحو واللُّغة بمعرَّة النعمان على والده القاضي أبي محمد عبدالله بن سليمان، وهو من تلاميذ إمام اللُّغة ابن خالويهْ (… – 370 هـ).

(1) وعلى أبي بكر محمد بن مسعود بن محمد النحوي.
(2) وعلى رَاوية أبي الطيِّب المتنبيِّ محمد بن عبدالله بن سعْد النحوي.
(3) وعلى القاضي أبي عمرو عثمان بن عبدالله الكَرَجيِّ الطَّرَسوسيِّ قاضي معرَّة النعمان في سنة (385) هـ.
(4) ثم أخذ الحديث عن أبيه، وعن جَدِّه سليمان بن محمد (305 – 377 هـ).

[الصفحة 57]

(5) وعن أخيه محمد بن عبدالله بن سليمان (355-430 هـ)، وهو أسنُّ من أبي العلاء بثمان سنوات.
(6) وعن جَدَّتِه أمِّ سلمة بنت الحسن بن إسحاق بن بلبل.
(7) وعن أبي زكريا يحيى بن مِسْعر.
(8) وعن أبي الفتح محمد بن الحسن بن روح.
(9) وعن أبي الفرج عبدالصمد بن أحمد بن عبدالرحمن.
(10 ) وعن أبي بكر محمد بن عبد الرحمن الرَّحَبِي.
(11) وعن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن كراكير الرَّقي.

[تحفة]، هذا ما أوقفنا عليه ابن العديم وغيرُه من شيوخه وقراءاته بمعرَّة النعمان بالنصِّ عليه، وهذا كلُّه بلا شك، كان إلى أن فارق الشيخ العشرين من عمره، فأنا أُحبُّ أن تحدِّثني: بأيِّ وجه يستطيع عاميٌّ سوقي، فضلاً عن شادٍ مبتدئ، فضلاً عن أستاذ جامعي – زعموا – أن يقول ما قاله الدكتور لويس عوض في مقاله الخامس: “والحقُّ أنَّه لا يُعرف شيءٌ عن تعليمه الرَّسمي (يا سلام، ما أَفْصحَك!! الرسمي مرَّة واحدة)، حتى سنِّ العشرين، وهي سِنُّ التكوين (خذ بالك من فضلك!)، إلاَّ أنَّه تعلَّم في حلب، ثم في أنطاكية، ثم في اللاَّذقية (بالطبع، بالطبع)، ثم طرابلس، ومثل هذا الغموض الذي أحاط بتكوينه العقليِّ (يا أستاذ!) حتى سِنِّ العشرين يُحيط أيضًا بحياته كلِّها فيما بين العشرين والخامسة والثلاثين” (مهلاً يا موسيقيَّ القِرَب، وحَنَانَيْك يا ريكاردوس قلْب الأسد!!)؟ [انتهت التحفة].

ونعود إلى الجِدِّ مرَّة أخرى، فبعد قراءة القرآن على شيوخ القراءات، وبعد اللُّغة والنَّحو والصَّرْف تبقى علومٌ كثيرة لم ينصُّوا على شيوخه فيها، وإن كانت بداهةُ العقل (وبداهة العقل مسألةٌ مشكلة عند بعضهم بالطبع!!) تُوجب أن يكون أخذها عن جماعة ممَّن ذَكرْنا من أهله، ومن شيوخ بلدته، ومَن عَسَى أن يكون نزل بها من العلماء في طريق رحلته، على أنَّ المعرَّة نفسَها كانت يومئذٍ معروفةً بكثرة

[الصفحة 58]

العلماء والشُّعراء من أهلها؛ فمن هذه العلوم: عِلم تفسير القرآن، وعِلم الفِقه، وعِلم أصول الفِقه، وعِلم التوحيد والكلام، وعِلم الفِرَق الإسلاميَّة وغير الإسلاميَّة، وعِلم التاريخ، وعلم السِّيَر، وعِلم الفلك، وعلوم الفلسفة، ثم علوم الأدب، كعِلم البيان وعِلم العَروض والقوافي، وعِلم أخبار أهل الجاهليَّة والإسلام وأيَّامهم، وفوق ذلك كلِّه عِلمُ الشِّعر جاهليِّه وإسلاميِّه إلى سنة 386 من الهجرة روايةً ودراية، وأنا لا أفترض ذِكْر هذه العلوم افتراضًا، بل يوجِبُ الإلمامَ بها إلمامًا تامًّا مجرَّدُ دراسة شِعر صباه الذي ضمَّنه الشيخ ديوانَ “سقط الزند”، وما تبع هذا الدِّيوان مباشرةً من رسائله وكتبه، ولا سيما لزوم ما لا يلزم، الذي ابتدأه بعدَ عُزلته في سنة 400 من الهجرة، ويوجِب الإلمامَ بها على وجه اللزوم، ما نعرفه نحن بالنشأة والمدارسةِ (ومعذورٌ مَن نشأ على غير ذلك إذا لم يعرفْه)، من أنَّ ذلك كان شأنَ هذه الأمَّة في دراستها منذ كان الإسلام في كلِّ حاضرة مِن حواضره، فما ظَنُّك بمن نشأ ببيتٍ كبيت شيخ المعرَّة، يَحُفُّه العِلم من نواحيه، نساءً ورجالاً؟! [وقد مضى خبر تلقِّيه الحديثَ عن جَدَّتِه].

وأمرٌ رابع: أنَّ أبا العلاء أصابه الجُدَريُّ وهو في الرابعة من عُمُره فعمِيَ، ومَن قُدِّر له أن يُفيق من سكر الأوهام لحظةً يَعرِف – عرفانًا لا يخالطه شك – مِقدارَ ما يَنبعث في قلْبِ الأب مِن رحمةٍ على ولده الذي عَمِي، وما تنطوي عليه حينئذٍ جوانحُه من الحَدَب عليه والإشفاق، فكذلك كان ما وجد عبدالله بن سليمان القاضي لولدِه أحمد الصغير الأعمى، حتَّى وَجَد الصبيُّ عندَه القرار والسُّكون والاطمئنان، فلمَّا دُعِي أبوه فأجاب، وذلك في سنة 395 هـ، قال أخو الثانية والثلاثين من العُمْر، أبو العلاء في رثائه:

لَقَدْ مَسَخَتْ قَلْبِي وَفَاتُكَ طَائِرًا فَأَقْسَمَ أَلاَّ يَسْتَقِرَّ عَلَى وَكْنِ
يُقَضِّي بَقَايَا عَيْشِهِ وَجَنَاحُهُ حَثِيثُ الدَّوَاعِي فِي الإِقَامَةِ وَالظَّعْنِ

ومَن عَرَف معانيَ الشعر – (لا أعني شِعر بلوتولند، ولا شعر حوار، فهذا شيء خارج عن طاقة ذوي العقول!) – أدرك أنَّ هذا الضَّريرَ كان يعيش في كنف أبيه

[الصفحة 59]

وإشفاقه، وحَدَبه ساكنَ الطائر، فلمَّا فارقه رِيعَ وقَلِق واضطرب، وأراد فراقَ هذه المعرَّة، حتى تمَّ له ذلك في سنة 398 هـ.

فهذا بَدْءُ عزْمه على الرِّحلة، وبالطبع هذا شيءٌ مختلف كلَّ الاختلاف عن الأسباب التي أراد الدكتور لويس عوض أن يلتمسَها لرحلته إلى بغداد، من النَّتْش والخَبْط في “فتنة لؤلؤ علي أبي الفضائل سعيد الدولة الحمداني لحساب الفاطميِّين”، وبقية الأخيلة التي نشأتْ له في آخِرِ مقاله الخامس، كما سنبيِّن – إن شاء الله – وحسبنا الآن تُحْفة واحدة، بلا إكثار ولا لجاجة.

وأشدُّ ممَّا وجدَ أبوه لعماه، وجدتْ أُمُّه على ضريرها الصغير الضَّعيف العاجز، القادرِ بغيره لا بنفسه، القصير النحيل الرَّقيق العِظام (وهذه صفة الشيخ إلى آخِر عمره)، فكانت عليه أشدَّ حَدَبًا من أبيه وتولَّتْ أمرَه بنفسها، تقوم بشأن هذا العاجز الشَّديد الحياء، المفزَّع الحِس، الذي يُصِرُّ على أن يأكلَ وحدَه، حتى لا يرى مؤاكله منه ما يكرهه أو يسوءُه أو يُضحكه، وقد دلَّ شِعرُه في رثائها بعد موتها في سنة 400 هـ، وهو في السابعة والثلاثين من عمره على كلِّ ذلك إذ يقول:
دَعَا اللهُ أُمًّا لَيْتَ أَنِّي أَمَامَهَا دُعِيتُ وَلَوْ أَنَّ الْهَوَاجِرَ آصَالُ
مَضَتْ وَكَأَنِّي مُرْضَعٌ وَقَدِ ارْتَقَتْ بِيَ السِّنُّ حَتَّى شَكْلُ فَوْدِيَ أَشْكَالُ
ويُكرِّر هذا المعنى في رِثائها مرَّة أخرى، فيقول:
مَضَتْ وَقَدِ اكْتَهَلْتُ فَخِلْتُ أَنِّي رَضِيعٌ مَا بَلَغْتُ مَدَى الفِطَامِ
ويقول فيها أيضًا:
كَفَانِي رِيُّهَا مِنْ كُلِّ رِيٍّ إِلَى أَنْ كِدْتُ أُحْسَبُ فِي النَّعَامِ
فهو يتمنَّى أوَّلاً أن يكون أجلُه كان سابقًا أجلَها، وإن كان في أهنأِ عيشٍ وأرغدِه، ويرى أنَّه على ما بلغ من السِّن قد صار رضيعًا عاجزًا، هلكتْ عنه حاضنتُه التي تكفله وترعاه، فهو في الضياع وإلى الضياع، وكذلك يقول في الميميَّة، ويَزيد أنَّه كان في حياتها غنيًّا عن كلِّ أحد، فهي التي تُطعمه وتَسْقيه في خلوةٍ بعيدًا

[الصفحة 60]

عن أعين أقربِ الناس إليه، فلا يراه أحدٌ شاربًا أو آكلاً، كما لم يَرَ أحدٌ نعامًا يَرِدُ ماء؛ لأنَّ النَّعام يجتزئ بالرُّطْب عن الماء طُولَ حياته – “والرُّطْب” بضم الراء وسكون الطاء، العُشب الأخضر.

فلمَّا راعه ما راعه مِن موت أبيه، ونفَّرَه بعد قرارٍ مطمئنٍّ قد ألِفَه، أَنْسَتْه نُفرةُ القلق أمَّه وحَدَبَها عليه، ورأى نفسه قد استوى رَجلاً في الخامسة والثلاثين من عمره (أي: سنة 398 هـ)، فأخذه ما أخذه، حتَّى عزم على الرِّحلة إلى بغداد، فركب رأسَه ورحل مفارقًا أمَّه، وأقام في بغداد حتَّى سنة 400 هـ، فعاد راجعًا إلى معرَّة النعمان، وإلى أمِّه، فإذا هي قد دُعيتْ فأجابت، فيكتب إلى خاله أخي أمِّه أبي القاسم علي بن سبيكة رسالةً ينضح صدرُها فجيعة، حتى يقول: “لو لم تكن الآجال زَبْرًا [أي: مكتوبة]، لوجب أن أُقتلَ صَبرًا [الصبر: حبس الرَّجل على القتل حتى يُقتل]، على أنِّي والله قد أعلمتُها أنِّي مرتحل، وأنَّ عزمي على ذلك جادٌّ مُزْمِع فأذنتْ فيه، وأحسبُها ظنَّتْه مَذْقَةَ الشارب [المَذْقة: الكذبة، والشارب: الكاذب]، ووميضَ الخالب [برق السحاب بلا مطر]، ولكلِّ أجَلٍ كتاب، وحُزني لفقدها كنَعيم أهل الجَنَّة؛ كُلَّما نَفِد جُدِّد.

فأيُّ فجيعة يُحسُّها العربي (وأين العربي؟!) وهو يقرأ هذه الأحرفَ الممزوجة بالدَّمع المتحدِّر على وَجْنتي الشَّيخ، بلا نشيج أو صَخَب؟! [وأستغفر الله، كيف أُفسِّر هذا لأستاذٍ جامعي قدموس] (أي: قديم)، وندع هذا لِمَا نحن فيه، وذلك أنَّ أبا العلاء وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، لَمَّا عزم على الرِّحلة إلى بغداد، أَعْلم أمَّه أنَّه مرتحلٌ عنها، وأنَّه قد جَمع عزمَه على ذلك جادًّا غير هازل، واستأذنها فأذنتْ له؛ ولكنَّه لم يكنْ منها إذنًا على الحقيقة، بل كان صَرْفًا له عن إيذائها بسماع ما يقولُ من ذلك ويَزْعُم، وإسكاتًا لهذا المعاود لطلب الإذن بإلحاح متتابع، وظنَّت أمُّه – حين صرفته عنها بالإذن له في الرِّحلة – أنَّه لن يفعلَ ما يقول؛ لعِلمِها بعجزه عن أن يحفظ أمرَ نفسه، في مَطعمِه ومَشربِه لأوَّل مرَّة بين الغرباء، وهو الذي بقي في حَضانتها إلى أن بلغ الكهولة، وارتَقتْ به السن، هي تُطعمه وتَسْقيه في خَلْوة، وتقوم بكلِّ شأنٍ من شؤونه، وتصرف عنه أعينَ الناس، وما عَسَى

[الصفحة 61]

أن تقع عليه ممَّا يسوءُهم أو يُضحكهم منه، فحسبتْ إلحاحه في الطلب وإصراره “مَذْقة شارب، ووميض خالب”، وبقيَّةً مما تركه حُزنُه على أبيه في نفسه من القلق والنُّفور.

فهذه أمور أربعة، أحببتُ أن أوفِّيها بعضَ حقِّها من البيان مختصرًا غير مطيل، وإن كنت قد أثقلتُ على الدكتور لويس عوض، وأطلتُ عليه الشُّقة (والشُّقة، بضم الشين، السفر الطويل).

ونعود من هذا السَّفر البعيد إلى خبر راهب دير الفاروس، وقبلَ أن أتناول ألفاظَ الخبر من الوجه الذي أُريد، أحبُّ أن أذكر كذبةً لطيفة جاءت في هذا الخبر، دالَّة على أنَّ محدِّث القفطيِّ به وَضَّاع كذَّاب ملفِّق، فإنَّه يقول: “فرحل – يعني: أبا العلاء – إلى طرابلس الشام، وكانت بها خزائنُ كتب قد وقفها ذَوُو اليسار من أهلها فاجتاز باللاَّذقية”، وليس الأمر كذلك فإنَّ هذا الوضَّاع الملفِّق (والناس متشابهون في كلِّ زمان) قد سمع أو قرأ خبرًا آخرَ لا يقول صاحبه: “وكانت بها خزائن كتب قد وقفها ذوو اليسار مِن أهلها” بل يقول، كما حدَّثنا ابن العديم (588-660 هـ)، وهو معاصرٌ للقفطي (568 – 646 هـ)، ولم يطَّلع على كتاب القفطيِّ بلا أدنى ريبٍ في ذلك، وعلى الأقلِّ لأنَّه لم يذكره البتَّة في كتابه، يقول: “وقد ذكر بعضُ المصنِّفين أنَّ أبا العلاء رحل إلى دار العِلم بطرابلس للنَّظر في كتبها”، فقال: “دار العلم” ولم يقلْ: “خزائن كتب”.

فانظر ماذا قال ابن العديم في نقْضِ لفظ هذا الخبر، فأمسك بتلابيب “دار العلم”، كما نفعل نحن الآن بألفاظِ أخيه الآخر، قال ابن العديم: “اشتبه عليه ذلك بدارِ العِلم في بغداد، ولم يكن بطرابلس “دار علم” في أيَّام أبي العلاء، وإنَّما جَدَّد “دار العلم” بها القاضي جلالُ الملك أبو الحسن عليُّ بن محمَّد بن أحمد بن عمَّار، في سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة (472 هـ)، وكان

[الصفحة 62]

أبو العلاء قد مات قبلَ جلال الملك في سنة تسعٍ وأربعين وأربعمائة (449 هـ)، وقَفَ ابن عمَّار بها من تصانيف أبي العلاء: “الصاهل والشاحج”، “والسجع السلطاني”، و”الفصول والغايات”، و”السادن”، و”إقليد الغايات”، و”رسالة الإغريض”، وهذه الدار هي التي ذكر ابن الأثير في حوادث سنة (503) هـ أن الصَّليبيِّين، على رأسهم قُمُّصٌ حين أخذوا طرابلس، “نهبوا ما فيها، وأَسروا الرِّجال، وسَبَوا النِّساء والأطفال، ونهبوا الأموال، وغَنِموا من أهلها مِن الأموال والأمتعة، وكُتب دُور العلم الموقوفة ما لا يُحدُّ ولا يُحصى”، ويقال: إنَّه كان في “دار العلم” بطرابلس يومئذٍ ثلاثةُ آلاف ألف كتاب – أي: ثلاثة ملايين – فانظر ما فعل مناحيسُ الروم وأغْتَام الصليبيِّين يومئذ.

فهذه كَذبةٌ على الهامش ملفَّقة أَثبتَ بطلانَها ابنُ العديم، وبذلك بَطَلتْ رحلة أبي العلاء إلى طرابلس من أساسها، ولإبطال هذه الرِّحلة وجوهٌ أُخرى غير التي قالها ابن العديم؛ ولكنَّا لا نعالج الأمر من هذا الوجه:
بل نسأل أوَّلاً: ماذا يُريد صاحبُ الخبر بقوله: “لَمَّا كَبِر أبو العلاء وبلغ سنَّ الطلب”؟ عشرة أعوام، أحد عشر عامًا، اثني عشر عامًا، ونحن نقول: إنَّه لم يكن قبل الثانية عشرة؛ لقول أبي زكريا التبريزي تلميذه، فيما وُجِد بخطِّه على آخر “سقط الزند”: “وقال الشِّعر وهو ابن إحدى عشرة سنةً، أو اثنتي عشرة سنة”، ولا يُمكن أيضًا أن يكون بعدَ العشرين؛ لقول أبي العلاء الصادق عن نفسِه – كما أسلفتُ -: “وقد فارقتُ العشرين مِن العُمر ما حدَّثتُ نفسي باجتداء عِلم من عراقيٍّ أو شام”، فذلك إذًا بين سنة 375 وسنة 385 هـ، وإذا كان قد بلغ بإنسانٍ أن يقول ما قال أبو العلاء مِن أنَّه في الثانية والعشرين مِن عُمره، لم يَحْتَجْ إلى أن يتعلَّم من أحد من معاصريه، وفيهم الأئمَّة في كلِّ فنٍّ وعلم، ففي كم تظنُّه حصَّل ذلك؟ في سنة؟ في سنتين؟ في ثلاثة؟ أظنُّ لا، ولا يَليق بعاقل أن يفترض أنَّ ذلك كان في أقل من عشر سنوات، أو تسع سنوات، أو ثمان سنوات، ونرضى بالأدنى والأقل، فهي ثمان سنوات إذًا؛ أي: في سنة 377 هـ، وإذًا فهو في الرابعةَ عشرةَ من عُمره، حين رَحَل إلى طرابلس، ودير الفاروس، فرضًا ويكون عندئذٍ قد قال الشِّعر منذ سنتَين، فيُصبح إذًا لخبر الراهب معنًى غير متناقض، إذ قال فيه: إنَّه قال شعرًا ضمَّنه شكوكَه في صباه.

[الصفحة 63]

أليس كذلك؟! ونعود مرَّةً أخرى فنسأل: هذا الذي يبلغ قمَّة العِلم في ثمان سنوات؛ حتَّى لا يحتاج إلى عراقيٍّ أو شام من علماء أمَّتِه، يكون بدءُ طلبه العِلم في أوَّل هذه السَّنوات الثمان؟ ولا أظنُّ أحدًا يقول: نعم، وهو يَعْقل معنى ما يقول وما يُقال له.

إذًا؛ فلا بدَّ من أن يكون قضى في حِفظ القرآن بقراءاته، وفي حفظ أصول اللُّغة، وأصول النَّحو والصَّرْف، وفي تعلُّم مبادئ الفِقه، وأصول الفِقه، ومبادئ عِلم التوحيد والكلام، والسِّير، وعلوم الأدب من بيانٍ وعَروض، وألَمَّ بأخبار أهل الجاهلية والإسلام وأيَّامهم، ثم الشِّعر جاهليّه وإسلاميّه – لا بدَّ من أن يكون قضى في ذلك كلِّه حفظًا ودراسة وتعلُّمًا وفهمًا خمسَ سنوات أو ستَّ سنوات على الأقل.

فيكون جميعُ دراسته منذ عقل: ثماني سنوات وخمس سنوات، فتلك ثلاثَ عشرةَ سَنَة، فطرح هذا من سَنَة (385) هـ، فيكون ذلك سَنة 372 هـ وهو في التاسعة من عمره؛ لأنَّه وُلِد سنة 363 هـ، فإذا شِئْنا أن نُحدِث في هذا التاريخ فجوةً تَصْلح لتصحيح تصوُّر خبر الراهب، افترضْنَا أنَّه بدأ حفظ القرآن ومبادئ العلوم، وهو في السادسة من عمره، فنُضيف إليها خمسَ سنوات، فهو إذًا في الحادية عشرة من عمره سنة (374 هـ).

فمن هذين السؤالين، نخرجُ بأنَّه لا بدَّ أن يكون رحل إلى طرابلس ما بين سنة 375، 377، ولا يُمكن أن يكون غير ذلك كان؛ لِيتَّفق أيضًا مع خبر حَضْرةِ الراهب في أنَّه “سمع منه كلامًا من أوائل كلام الفلاسفة، حَصَل به شكوك لم يكن عندَه ما يدفعها به، فعَلَق بخاطره ما حصل به بعضُ الانحلال”، أليس كذلك؟! بلى؛ لأنَّه لا يمكن هذا الراهبَ الشادي أن يضلِّل رجلاً قد فارق الصِّبا؛ صِبَا العِلم، وأخذ في مُحكَمه الذي يبلغ به بعد ثمان سنوات ألاَّ يحتاجَ إلى عراقيٍّ أو شام.

فإذا أقْرَرْنا لصاحب هذا الخبر بهذا كلِّه بلا مناقشة في حقيقة ما يُسمَّى عندنا علمًا ما هو؟ وما هي مبادئه؟ فلا مناصَ من أن نسأله سؤالاً آخَرَ: أَخَرَج هذا الفتى إلى طرابلس، واجتاز باللاَّذقية، ونزل دير الفاروس، وهو أعْمى ضرير، قادرٌ بغيره عاجز بنفسه، خرج يَطوي الأرض المَخُوفة التي يُهدِّدها “بَطْش الروم” – كما يقول الدكتور لويس عوض – وهو حُجَّة في مثل هذه الأمور!! منفردًا بلا قائدٍ، ولا دليل، ولا رفيق؟

[الصفحة 64]

فإذا قال: “بلا رفيق”، فذلك خَبَلٌ خابلٌ (أي: جنون مطبق)، وإذا قال: “برفيق ودليلٍ وقائد” فنسأل: أهذا الرَّفيق من أهلِه، أم مِن غير أهله؟ فإذا قال: مِن أهله، قلنا: أهو طفلٌ مثله يرعاه، ويحوطه ضَرارته وعجزه، أم عاقلٌ مدرك؟ فإن قال: طفل مثله، فذلك ضربٌ آخرُ من الجنون، وإن قال: عاقل مدرِك، قلنا: أهو مسلمٌ أم نصراني؟ فإن قال: نصرانيٌّ فهو معتوهٌ لا يُخاطب، وإن قال مسلم، قلنا: أفيَعقِل عاقل أنَّ رجلاً من أهل بيت بني سُليمان؛ علماءِ المعرَّة وفقهائِها وقضاتها، وهو مع ذلك عاقلٌ مدرك مسلم، ينزل دِيرًا فيه راهب شاد، فيدع له غُلامًا يُلقِي عليه أقوالاً من أوائل كلام الفلاسفة، ليس عندَ الفتى الصغير ما يدفعها به، وهو جالسٌ إلى جواره يَدْعَم ذقنَه براحته، ينظر ويبتسم كأنَّه لا يُبالي؟! وأنا أشترط أن يُجيبني على هذا السُّؤال عاقلٌ؛ لأنِّي قد سئمتُ إجابةَ مَن لا يعقل، منذ عانيتُ ما عانيتُ من عشرة بعض الناس، وسماع أقوالهم، وقراءة ما يَكتُبون وما ينشرون.

ومع ذلك فأنا أسهِّل الأمرَ على مَن يُريد أن يجيب، فإنِّي لم أقضِ هذه الساعات في كتابة “الأمور الأربعة” لينساها مَن أسأله، فأضع له ملخَّصًا مفيدًا لِمَا فات يجعله على ذكر:
ففي الأمر الأوَّل: ذكرتُ وبيَّنتُ مَن هم آباءُ أبي العلاء، ومنزلتهم مِن العِلم والفقه والدِّيانة.
وفي الأمر الثاني: بيَّنتُ أنَّ شيخ المعرَّة قد فارق العشرين، فلم يُحدِّث نفسه باجتداء عِلم من عراقيٍّ أو شام، من أمَّةٍ علماؤُها هُم مَن هُم (ومعذور الدكتور لويس عوض، إذا لم يعرف عنهم شيئًا)، وهذا لا يناله أحدٌ في مثل هذه المدَّة القصيرة، وهو مُلْتاث العقل في الثالثة عشرة من عمره، يستطيع راهبٌ شادٍ أن يضلِّلَه عن دِينه وكتابه.
وفي الأمر الثالث: بينتُ أعدادَ شيوخه شيخًا شيخًا بأسمائهم، وكلُّهم عالِمٌ فقيه، أو لُغويٌّ نحوي، وأنَّه نشأ في بيتٍ يحفُّه فيه العِلم من رِجالٍ ونساء.
وفي الأمر الرابع: بينتُ أنَّ أبا العلاء عَمِيَ في طفولته، وأنَّ ذلك ابتعث حَدَبَ

[الصفحة 65]

أبيه الذي بَقِي يرعاه إلى سنة 395 هـ، كما بيَّن هو في شعره، بأشد حياطة وإشفاق، وكانت أمُّه أشدَّ حَدبًا على ضرير عاجز بنفسه قادرٍ بغيره، فظلَّتْ تقوم على خاصِّ شأنِه، حتى لا تراه عينٌ من صميم أهله، فتنكر من مطعمه أو مشربه شيئًا، فتستخِف به أو تهزأ، وأنَّه ظلَّ في كفالتها كأنَّه رضيع، حتى رَكِب رأسه بعد وفاة أبيه، فجعل يلحُّ عليها مستأذنًا في الرَّحيل إلى بغداد، ويُبْدي لها أنَّه عازم، وهي تحسبه كاذبًا فيما يقول، لعِلمها بضعفِه وحيائه، وحبِّه أن يستر خاصَّ أمرِه عن كلِّ عين قريبة، فما ظنُّك بالعين الغريبة؟!

فأنا أسأل مرَّة أخرى سؤالاً جامعًا: هل يمكن أن يكون أبو العلاء قد رَحل منفردًا إلى راهب دير الفاروس، أو مع رفيق، في حياة أبيه القاضي، وفي حياة أمِّه في نحو سنة 375 – 377 هـ، وهذا كلُّه حاضرٌ في ذهن مَن يُريد أن يجيب بنعم أو لا؟ وأتولَّى أنا الإجابة، فأقول: لا، هذا أمرٌ فوق المقطوع باستحالته عندَ مَن يعقل، فأبو العلاء إذًا لم يرحلْ قطُّ إلى طرابلس، لا في صِباه، ولا في شبابه، ولا في كهولته، ولم يَجتزْ بدير الفاروس، ولم ينزل به البتَّة، ولم يلقَ “راهبًا يشدو شيئًا من علوم الأوائل، فيسمع منه أبو العلاء كلامًا من أوائل كلام الفلاسفة”، وقد أسلفتُ في الكلمة الماضية، أنَّه لم يقلْ شعرًا في صِباه يتضمَّن شكوكًا توجِب عليه الاعتذارَ منها والبراءة.

وتبقَى طريفةٌ من الطرائف في هذا الخبر، لا أُكلِّف الدكتور لويس عوض عبءَ استنباطها، فأستنبطُها أنا له – والأمر لله – فأنا أقرأ كلامَ القفطيِّ وغير القفطي، وأنا أزعم أنِّي أعرف هذه العربيةَ التي ارتضعناها من أثداء أمَّهاتنا منذ عهد أبينا إسماعيل – عليه السلام – فبقي في دِمائنا منها نبضٌ لا يكاد يُخطئُ بعدَ الدُّرْبة والممارسة، ففي هذا الخبر جملةٌ تدلُّ على واضع الخبر مِن أيِّ الطَّبْل هو؟ (أي: أي الناس هو، مرَّة أخرى)، فنحن نقرأ كتابَ القفطي جميعَه، ولا نكاد نجد لها مثيلاً في الرَّكاكة والسُّقم في كتابه كلِّه، وإذا كان القفطي لم يُسند الخبرَ إلى كتاب، ولا نَسبَه إلى رجل معروف من أهل العِلم والرِّواية، فإنِّي أراه نكَّرَه – كما أسلفتُ – لخُبثِ مخرجه

[الصفحة 66]

عندَه، وأزعم أنَّ ياقوتًا سمعه منه، فأنكر أيضًا لفظَه وخبثَ مخرجه، فلَيْت شِعري من يكون محدِّث القفطيِّ بهذا الخبر؟ ولا سيما بعدما أثبتُّ أنَّه كان سمع ما وجده ابن العديم في كتابٍ لأحد المصنفين، زعم فيه أنَّ أبا العلاء “رحل إلى دار العِلم بطرابلس للنَّظر في كتبها، فأخذ هذا الخبيث الوضَّاع، الخفيف الظل، الذي أتعبَنا معه، هذه الكلمة فبَنى عليها قصَّة من سمادير المدمنين (والسَّمادير، ما يتراءَى للمخمور)، ركَّبها بجهله وخَطْفه كما يشتهي، وأحدث لها شخصًا لا وجودَ له البتَّة في هذا الزَّمن بعينه، وغيَّر “دار العلم بطرابلس” إلى “خزائن كتب….”، ثم حدَّث القفطيَّ به بعد أن سمع وقيعتَه في دِين شيخ المعرَّة، فأراد أن يُطرفه بذلك، أو يُسلِّيَه، فجاء القفطيُّ فأثبته في كتابه ضغينةً على الشيخ وطُرْفة، ولم يظنَّ أنَّ الأمر سينتهي بها إلى ما نحنُ فيه.

قال محدِّثُ القفطيِّ – في حديثه عن الذي كان من أمر أبي العلاء بعد لقاء الراهب وسماعه كلامَه الذي زعم -: “وحصل له به شكوكٌ لم يكن عندَه ما يدفعها به، فَعَلق بخاطره ما حَصَل به بعضُ الانحلال”، فقوله: “وحصل له به شكوك”، ثم “وحَصَل به بعض الانحلال” كلامٌ لا عربيَّة له، إنما هو من لهجة عُلوج الشام، وزواقيل الجزيرة، ولا شيءَ غير ذلك، (والعلوج: بقايا عجم الشام، والزواقيل: بقايا عجم الجزيرة)، لا يكتبه القِفطيُّ ولا مَن كان في مِثل عِلمه وفِقهه ومنزلته.

وإذًا؛ فلم يبقَ إلاَّ علاجُ هذا الخبر من ناحية أخرى، يوجِب علينا استخدامُ الدكتور لويس عوض إيَّاه أن نعالِجَه من هذه الناحية (والعرض مستمر).

المصدر: أباطيل وأسمار، الجزء الأول، 53-67.