المتنبي رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

المتنبي رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

  • عنوان الكتاب: المتنبي رسالة في الطريق إلى ثقافتنا.
  • المؤلف: محمود محمود شاكر.
  • الناشر: مطبعة المدني دار المدني.
  • عدد الأجزاء: 1.
  • الطبعة: الأولى.
  • عدد الصفحات: 196.
  • الحجم: 2.72 ميجا بايت.

مقتطف من كتاب المتنبي:

اعلم أني قضيت عشر سنوات من شبابي، في حيرة زائغة، وضلالة مضنية، وشكوك ممزقة، حتى خفت على نفسي الهلاك، وأن أخسر دنياي وآخرتي، محتقبا إثما يقذف بي في عذاب الله بما جنيت. فكان كل همي يومئذ أن ألتمس بصيصا أهتدي به إلى مخرج ينجيني من قبر هذه الظلمات المطبقة على من كل جانب.

فمنذ كنت في السابعة عشرة من عمري سنة 1926، إلى أن بلغت السابعة والعشرين سنة 1936، كنت منغمسا في غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسا مبهما متصاعدا أنها حياة فاسدة من كل وجه.[1]

فلم أجد لنفسي خلاصا إلا أن أرفض متخوفا حذرا، شيئا فشيئا، أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التي كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف، يهدم السدود، ويقوض كل قائم في نفسي وفى فطرتى.

ويومئذ طويت كل نفسي على عزيمة حذاء ماضية: أن أبدأ، وحيدا منفردا، رحلة طويلة جدا، وبعيدة جدا، وشاقة جدا، ومثيرة جدا. بدأت بإعادة قراءة الشعر العربي كله، أو ما وقع تحت يدي منه يومئذ على الأصح، قراءة متأنية طويلة الأناة عند كل لفظ ومعنى، كأني أقلبهما بعقلي، وأروزهما (أي: أزنهما مختبرا) بقلبي، وأجسهما جسا ببصري وببصيرتي، وكأني أريد أن أتحسسهما بيدي، وأستنشي (أى: أشم) ما يفوح منهما بأنفي، وأسمع دبيب الحياة الخفي فيهما بأذني = ثم أتذوقهما تذوقا بعقلي وقلبي وبصيرتي وأناملي وأنفى وسمعي ولساني، كأني أطلب فيهما خبيئا قد أخفاه الشاعر الماكر بفنه وبراعته، وأتدسس إلى دفين قد سقط من الشاعر عفوا أو سهوا تحت نظم كلماته ومعانيه، دون قصد منه أو تعمد أو إرادة[2].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– انظر مقدمة كتابي ” أباطيل وأسمار ” ص: 10، 11، ومواضع أخر مما كتبت.

[2]– قد حسمت قضية “التذوق “، ولم سميت منهجي منهج ” التذوق “، في كلمتين نشرتهما في مجلة الثقافة في العددين: 61 (أكتوبر سنة 1978) / 63 (ديسمبر سنة 1978)، وأنى لا أعنى به ما مجرى على ألسنة الكتاب: (يتذوق الجمال) و (يتذوق الفن)، فهذا كلام غير دال على منهج. وليس هذا مكان بيانه مرة أخرى. ولم أتم كتابة هذه المقالات، وسأنشرها قريبا بعنوانها: (المتنبي ليتني ما عرفته).

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

المتنبي رسالة في الطريق إلى ثقافتنا