السيد أحمد صقر

السيد أحمد صقر

(1335= 1410 هـ / 1915= 1989م)

شاهد أيضا: تحميل كتب وتحقيقات السيد أحمد صقر لكتب التراث

محتويات المقال:

ترجمته

اسمه ومولده

نشأته وشيوخه : 1- والده الشيخ أحمد صقر ، 2- العلامة سيد بن علي المرصفي (ت 1931م) ، 3- العلاَّمة محمد الخضر حسين (ت 1958م) ، 4- المُحَدِّث الشيخ أحمد محمد شاكر (ت 1958م) ، 5- الشيخ محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد (ت 1973م) ، 6- الدكتور زكي مبارك (ت 1952م) ، 7- الأديب عباس محمود العقاد (ت 1964م) ، 8- العلاَّمة محمود شاكر (ت1997م).

طلبه للعلم وشَغفه بالمَعْرفة

وظائفه وأعماله : السيد أحمد صقر مدرسًا

صفاته

السيد أحمد صقر محققًا : في علوم القرآن الكريم ، في علوم السنة النبوية ، في اللغة والأدب والشعر

السيد أحمد صقر ناقدًا : النقد بالصمت

السيد أحمد صقر أديبًا

مرضه ووفاته

بعض المواضع التي ذكره الأستاذ محمود محمد شاكر فيها

ترجمته

العلاَّمة اللُّغوي الأديب الأستاذ: السيد أحمد صقر

المحقِّق الناقد، الباحث الدؤوب

بقلم: أحمد بن موسى الحازمي

طَوْقُ المُجِدِّ أَتَى بِهِ صَقْرُ      مِنَنًا لَهَا مِنْ جِيلِهِ الفَخْرُ

أَكْبَرْتُهُ وَاللهِ وَهْوَ فَتًى       مَا زَالَ يَخْضِرُ عَودَهُ العُمْرُ

وَعَجِبْتُ كَيْفَ لِمِثْلِهِ نَهَمٌ       يَعْيَا بِمِثْلِ قَلِيلِهِ الدَّهْرُ

حَلِّقْ وَلَا تَعْبَأْ بِمَنْ حَسَدُوا      فَاللهُ عِنْدَ رِحَابِهِ الأَجْرُ

من الكتب ما تقتنيها لجلالة مؤلِّفيها، الذين أحكموا أصول علومهم، واستوعبوا أطراف فنونهم، وأضافوا إلى ذلك غزارة

السيد أحمد صقر

السيد أحمد صقر

المادة، وعمق الفكرة، ودِقَّة الاستنباط، وروعة البيان، وإن صحب ذلك صحة معتقد، وسلامة منهج، واعتناء بالحجة والدليل والبرهان، وتعظيم لجناب الشريعة، فهو الغاية التي لا وراءها غاية، والمطلب ما بعده مطلب.

ومنها ما تقتنيها لبراعة مُحَقِّقيها وناشريها، الذين خبروا مناهج الكتب في مختلف فنون العربية، وعرفوا مصطلحات الأقدمين وأعرافهم العلمية، والذين اشتهروا في أعمالهم بإعطائها حظها من النظر، والفقه، والصبر، وبذْل غاية الوسع والطاقة في التحرير والتحقيق، والإخراج المعجب الأنيق المتكامل، حتى غدت أسماؤهم على طرة الكتب ضمانًا على الجودة، ودليلاً على الأمانة، ولذَّةً ومتاعًا لعقل القارئ وعينه.

وإن من أبرز أولئك المحققينَ الذين ازدانت بهم سماء مصر عقودًا منَ الزمن، واستضاءت بِنُورهم صفحات المكتبة العربية في كل فن – العلاَّمة الراوية المحقِّق اللغوي الأديب المصري: السيد أحمد صقر – رحمه الله تعالى رحمة واسعة – المولود عام: (1335هـ/ 1915م)، والمتوفَّى بالقاهرة عام: (1410هـ/ 1989م)، وإن بين هذين التاريخين حياة عالِمٍ عجيبة موغلة في العجب، غريبة مسرفة في الغرابة؛ إذ يُعَدُّ العلاَّمة السيد أحمد صقر – رحمه الله تعالى -: رابع أربعة[1] في مصر، هم أعلام تحقيق التُّراث ونشره في عصرهم، يوم كان التحقيق علمًا ورواية، قبل أن يصبحَ اليوم فنًّا وصناعة، الذين دخلوا ميدانه بزادٍ قويٍّ من علم الأوائل وتجاربهم، ومدفوعينَ بروح عربية إسلامية عارمة، استهدفتْ إذاعة النصوص الدالة على عظمة التراث، الكاشفة عن نواحي الجلال والكمال فيه:

أولهم: العلامة المحدِّث أحمد محمد شاكر (1892م – 1958م)، الحائز – بعد وفاته بنصف قرن – على وسام العلوم والفنون منَ الطبقة الأولى، المُقَدَّم من رئاسة الجمهورية المصرية.

وثانيهم: شقيقه العلاَّمة اللغوي الراوية محمود محمد شاكر (1909م – 1997م)، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والحائز على جائزة الدولة (مصر) التقديرية في الآداب عام 1982م، والحائز أيضًا على جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي عام 1984م.

وثالثهم: العلامة اللغوي عبدالسلام محمد هارون (1909م – 1989م)، الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، والحائز على جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي عام1981م.

بَيْد أن السيد أحمد صقر من بين هؤلاء لا تكاد تجد له ذكرًا في كتاب، أو شكرًا في خطاب، خلا شذرات منَ الثناء عليه، تجد صداها عند الخاصة من أرباب المحاضَرة، وأصحاب المذاكرة.

ولعلَّ من أسباب ذلك تلك العزلة التي ضربها على نفسه عدة سنين، وتلك الصفات التي لازمته منَ الصرامة، والجفوة، وحدة الطبع، والاعتداد بالنفس، وهي التي كانت طبيعيَّة لرجل يريد أن يثبت لأقرانه الدكاترة: أن التفوق والنبوغ بالجدِّ والبحث، وأن الدرجة الجامعية وحدها لا تُنْفَق في سوق العلم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: قلة إنتاجه العلمي مقارنة بأولئك، وعدم تكامُله، وعدم خوضه مجال التأليف الحر، حيث لم يخلف السيد أحمد صقر – طوال حياته في التحقيق الذي بدأه وهو في شرخ الشباب[2] – سوى ستة عشر تحقيقًا من ذوات المجلَّد الواحد، ثلاثة منها بالاشتراك، وخمسة منها ناقصة، لم يخرج منها سوى جزء واحد فقط، حتى انتقد بعضهم صنيع الدكتور الطناحي، في قرن السيد أحمد صقر بمن تَقَدَّم ذكرهم من أعلام تحقيق التراث ونشره، وعدُّوه ضربًا منَ الُمجامَلة كفاء ما لقيه السيد أحمد صقر منَ التجاهُل في حياته.

إلا أن الدكتور محمود الطناحي – برَّد الله مضجعه – رأى أن علم العالم لا يقاس بكثرة إنتاجه العلمي، أو شهرته، أو منصبه، ورتبته؛ بل أصحر بقول لا يدفعه دافع، وهو أن السيد أحمد صقر: «من أقدر الناس على تقديم كتاب، وتقويم نصٍّ، وتوثيق نقل، وتخريج شاهد، واستقصاء خبر، ثم إن له من وراء ذلك كله علمًا جامعًا بالمكتبة العربية، وإدراكًا للعلائق بين الكُتُب»، ومن قبله أستاذهم جميعًا المُحَدِّث أحمد شاكر، حين قال: «إن له مدى مديدًا في الاطِّلاع والتقَصِّي، ونفذات صادقة في الدقائق والمعضلات، يندر أن توجد في أنداده؛ بل في كثير مِن شيوخه وأساتذته».

نعم، إن كل قارئ لآثار السيد أحمد صقر – ناهيكَ عن رجل لابسه وعرف دخائله مثل الدكتور محمود الطناحي – لا يملك إلاَّ أن يشعرَ نحوها بالإجلال والإكبار، ولصاحبها بالموَدَّة والتقدير، ولعلمه بالتواضع والخُضُوع؛ إذ كان منَ المحقِّقينَ القلائل، الذين لا يتوارَون خلف نصوصهم المحقَّقة؛ بل يطالعك بشخصه، ويواجهك برأيه من دون تزيد أو إملال، إن في مقدماته الفذَّة للكتب التي تولَّى تحقيقها، التي تبين قيمة الكتاب، وتشرح فكرته، وتكشف حقيقته، والتي امتازت بغزارة المادة، وعمق الفكرة، ودقَّة الاستنباط، وروعة البيان، وظهرت فيها شخصيته واضحة المعالِم، بيّنة القسمات، والتي تحمل في أطوائها الكثير منَ الجدة والإبداع، والأفكار والآراء، والتي حوت من خبايا العلوم وكنوز المسائل ما أدهش كل مطَّلع؛ ناهيك عن أسلوبها الجزل المشرق الرصين، أو في تعليقاته النفيسة التي نتجتْ عن طول التأمُّل، وحسن التأنِّي، أو في مقالاته النقدية المتقنة في المجلات والدوريات لطائفة من كُتُب الأدب والتُّراث، التي أبانتْ عن قدرة فذَّة في اكتشاف الأوهام والتصحيفات، وموهبة عجيبة في استكناه المعاني المغلَقة، وحل الألفاظ المستعصية، بل إن بعض تلك المقالات أشبه بإعادة لتحقيق الكتاب المنقود، ومنَ الطريف أن أول مقالة كتبها – وهو في المرحلة الثانوية – كانت نقدًا لديوان النابغة الشيباني باعتناء الشاعر المطبوع أحمد نسيم، وفي الوقت نفسه كانت كشفًا لفضائح القس لويس شيخو، صاحب كتاب «شعراء النصرانية بعد الإسلام»، حين جعل النابغة من شعراء النصرانية، فكتب السيد صقر عشر مقالات نقدية، كانت محلَّ إعجاب مشرفي مجلة الهداية الإسلامية الغراء.

أَنَا الشَّمْسُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مُنِيرَةً     وَلَكِنَّ عَيْبِي أَنَّ مَطْلَعِيَ الغَرْبُ

وَإِنَّ مَكَانًا ضَاقَ عَنَّي لَضَيِّقٌ       عَلَى أَنَّهُ فَيْحٌ مَذَاهِبُهُ سُهْبُ

وَإِنَّ رِجَالاً ضَيَّعُونِي لَضُيَّعٌ       وَإِنَّ زَمَانًا لَمْ أَنَلْ خِصْبَهُ جَدْبُ

هُنَالِكَ تَدْرِي أَنَّ لِلبُعْدِ قِصَّةً       وَأَنَّ كَسَادَ العِلْمِ آفَتُهُ القُرْبُ

اسمه ومولده:

هو الأستاذ/ سيد بن أحمد بن محمد بن صقر؛ وكانَ – رحمَه اللهُ تعالى – يكتبُ اسمَه (السيد أحمد صقر)، فيظنُّ من لا يعرفُه أنَّه (أحمد)، وأن (السيد) لقب له، وليس كذلك، بل هو (سيد)، واسم أبيه (أحمد)، وبعضهم يظن أن اسمه مركبٌ (السيد أحمد)، والصواب ما أثبتناه أولاً، وعلى هذا الوهم الشائع يعلِّق الدكتور محمود الطناحي – رحمه الله – بظرفه المعهود: «ولم يبعد عن الصواب من ظن هذا، فهو (سيد) اسمًا وصفة»[3].

ولدَ السيد أحمد في عام 1334هـ/1915م، في قريةِ (صِفْط تراب)، إحدى قرى الريف المصري، والتي تقع على بعد نحو 21 كيلو متر من طنطا، عاصمة محافظة الغربية، وهي القرية نفسها التي ولد بها العالم المصري المشهور الدكتور يوسف القرضاوي، وقد نظم القرضاوي فيها شعرًا يُخَاطب فيه الصحابي الجليل عبدالله بن الحارث الزبيدي، الذي ظل في هذه القرية بعد الفتح الإسلامي، وتزوَّج بها وأنجب، حتى وافاه أجله بها سنة 86هـ، ومما قال فيها مخاطبًا الصحابي الجليل:

وَأَسْلَمَ أَهْلُ صِفْطَ عَلَى يَدَيْكُمْ        وَدَانَوْكُمْ بِصِهْرٍ وَاقْتِـرَابِ
وَعِشْتَ بِهَا وَمُتَّ بِهَا هَنِيئًا      لَها بِكَ مِنْ جِوَارٍ مُستَطَابِ
وَحُقَّ لِصِفْطِنَا بِكَ أَنْ تُسَمَّى      بِصِفْطِ التِّبْرِ لاَ صِفْطِ التُّرَابِ[4]

نشأته وشيوخه:

انتقل السيد أحمد صقر مع أسرته في مقتبل عمره إلى القاهرة، حيث كان أبوه الشيخ أحمد محمد صقر مدرسًا بكلية أصول الدين بالأزهر، فنشأ السيد أحمد صقر في بيت كريمٍ من بُيُوت العلم، على عفَّة وصيانة، مرضيَّ الحال، محمودَ الأقوال والأفعال، موصوفًا بالنُّبْل والفَهم والحذق، طالبًا للعلم، حريصًا عليه، مجتهدًا فيه، فاختلف إلى حلقات الأزهر الشريف وعمره خمس سنوات، وكانت في ذلك الوقت متاحة لكل راغب في العلم، وطالب للمعرفة، فتعلَّم مبادئ القراءة والكتابة، وأكمل حفظ القرآن وله تسع سنين، ثم التحق بمعهد القاهرة الديني التابع للأزهر، وحصل منه على الشهادة الابتدائية، ثم الثانوية عام 1937م، ثم واصل طريقه في الجامعة الأزهرية، ودخل كلية اللغة العربية، فتخرج فيها عام 1944 م، وكانت مناهج الدراسة في ذلك الزمان مما يغذي الملكات، وينمي المواهب، مع صفوة منَ العلماء المدرسين المبرزين الموسوعيين في النحو، والصرف، واللغة، والأدب، والتاريخ، وممن اتصل بهم وصحبهم، واقتبس من مشكاتهم، و تخرج على أيديهم:

1- والده الشيخ أحمد صقر:

 المُدَرِّس بكلية أصول الدين بالأزهر، وكان من فضلاء علماء الأزهر، وكان – رحمه الله – مع مجموعة من علماء الأزهر يترددون على مدارس تحفيظ القرآن، ويتعهدونها حسبة وزُلفى إلى الله[5]، «وكان يخطب الجمعة في جامع قريته «صفط تراب» إذا زارها في بعض الأحيان؛ إذ يعتبر من علمائها المرموقين، وربما خلفه بعض المرات ابنه السيد أحمد صقر حين أصبح يافعًا»[6]، وقد كتب السيد صقر على طرة كتاب (شرح ديوان علقمة) -باكورة أعماله حين كان في شرخ الصبا وميعة الشباب-: «أتوج هذا الكتيب برفعه إلى الوالد العزيز، حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ أحمد محمد صقر، المُدَرِّس بالمعهد الأزهري»[7].

2- العلامة سيد بن علي المرصفي (ت 1931م):

صاحب كتاب «رغبة الآمل شرح الكامل»؛ للمُبَرد، شيخ أعلام النهضة الثقافية بمصر، والذي تخرَّج على يديه كثير من القيادات الفكرية والأدبية؛ أمثال: مصطفى المنفلوطي، وأحمد الزيات، وطه حسين، وزكي مبارك، ومصطفى الرافعي، ومحمد محيي الدين عبدالحميد، وعباس العقاد، وأحمد شاكر، وأخوه محمود شاكر، وقد كان هذا الأخير يوصي السيد أحمد صقر بمُلازمة العلاَّمة المرصفي والقراءة عليه، ولكن صِغر سن السيد أحمد صقر آنذاك، وشيخوخة العلامة المرصفي، لم يمكِنا السيد أحمد صقر منَ الاستفادة الحقيقية منَ العلامة المرصفي، إلا أن هذا لم يقف حائلاً دون الحضور عنده، واستماع بعض توجيهاته، وكان السيد أحمد صقر يقول: «إن العلامة المرصفي هو الذي أشار إليه بالتوجه إلى تحقيق النصوص، وتخريج الآثار؛ لما رأى فيه من الذكاء اللماح، والبصر النافذ»[8].

3- العلاَّمة محمد الخضر حسين (ت 1958م):

وكان السيد أحمد صقر قد أطلعه على شرحه لديوان علقمة، فكتب العلامة محمد الخضر حسين في مجلة الهداية الإسلامية – التي يرأس تحريرها – تقريظًا وثناءً على شرح السيد أحمد صقر، قال فيه: «عني حضرة الشاب الأديب الفاضل الشيخ السيد أحمد صقر بالبحث عن شعر علقمة الفحل، فجمعه في ديوان، وتناوله بشرح موجز نفيس، وصدره بمقدمة في تاريخ حياة ذلك الشاعر، وآراء الأدباء في شعره، وقد اطَّلَعنا عليه، فرأيناه شاهد صدق على ألمعيَّة المؤلِّف، وحسن بيانه، فنشكر حضرته على الجمع والتحرير والطبع، ونحث أهل العلم على اقتناء هذا الكتاب العامر بالفوائد اللُّغوية والأدبية»[9].

وقد كان السيد أحمد صقر يزوره، ويستفيد منه، ومن مكتبته العامرة، يقول السيد أحمد صقر: «وقد أخبرني فضيلة الأستاذ الشيخ/ محمد الخضر حسين، عضو مجمع اللغة الملكي أنَّ جزءًا كبيرًا مِن ديوان بشار موجود في تونس عند صديقه الأستاذ محمد الطاهر بن عاشور، شيخ الإسلام المالكي، وأطلعني على الخطاب الذي ورد إليه حديثًا من صديقه، يخبره فيه بوُجُود الدِّيوان عنده»[10].

4- المُحَدِّث الشيخ أحمد محمد شاكر (ت 1958م):

يقول السيد أحمد صقر في مقدمة تحقيق تفسير «غريب القرآن»؛ لابن قُتَيبة: «وقدِ اعتمدتُ في نشر هذا الكتاب على صورة شمسيَّة كانت في حيازة أستاذي الكريم، الشيخ أحمد محمد شاكر، تغمده الله برضوانه، وأذاقه من رحمته كفاء ما جاهد في سبيل الإسلام والمسلمين، وما قدم من معونة صادقة لتلاميذه المخلصين»، ويقول العلامة أحمد شاكر في بعض ما كتب: «والأستاذ الأديب السيد أحمد صقر مني بمنزلة الأخ الأصغر، نشأ معي، وعرفته وعرفني، وتأدبنا بأدب واحد في العلم والبحث، وفي فقه المسائل، والحرص على التقصِّي ما استطعنا، وإن له مدى مديدًا في الاطلاع والتقصِّي، وَنَفَذات صادقة في الدقائق والمُعضلات، يندر أن توجدَ في أنداده؛ بل في كثير من شيوخه وأساتذته، وهو أنفذ بصرًا مني في الشعر وما إليه»[11].

5- الشيخ محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد (ت 1973م):

عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وعضو مجمع اللغة العربيَّة، ورئيس (لجنة إحياء أمهات كتب السُّنَّة) بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، التي كان السيد أحمد صقر عضوًا فيها، يقول الشيخ محيي الدين في تصديره لكتاب «معرفة السنن والآثار»؛ للبيهقي بتحقيق السيد أحمد صقر: «وقد قام الأستاذ السيد أحمد صقر بتحقيق هذا الكتاب تحقيقًا علميًّا بارعًا، وعلق عليه، وخَرَّج أحاديثه تخريجًا دَلَّ على مهارة ونبوغ في هذه البَابَة، والأستاذ معروف لكل أعضاء لجنة (إحياء أمهات كتب السنة) معرفة زمالة وخبرة، وكلهم – والحمد لله – مِن أبنائي البَرَرة في طلب العلم، فوق أنه مشهور في أنحاء العالم العربي بالتفوُّق في تحقيقه، فما من حاجة بنا إلى الحديث عنه، والله – تعالى – نسأل أن يجزيه خيرًا، وأن ينفعَ بهذا العمل، إنَّه – سبحانه – سميع الدعاء»[12].

6- الدكتور زكي مبارك (ت 1952م):

وقد كان السيد أحمد صقر معجبًا بأدبه وبأسلوبه – دون آرائه وسلوكياته – وكان يوصي بقراءة كتبه ويقول:  «يكفيه أنه [من] الدكاترة»، ويقول السيد أحمد صقر في مقدمة «شرح ديوان علقمة»: «والآن نمسك بالقلم عنِ استرساله في التعريف بالشاعر وشعره؛ إذ كفانا ذلك فخر الشباب العصامي الناهض، الأستاذ النابغة الدكتور زكي مبارك، فقد تفضل – حفظه الله – بكتابة بحث قيِّم، وفصل ضاف ممتع، حلينا به صدر الكتاب»[13].

ومما قاله الدكتور زكي مبارك في تقديمه: «لقد طربتُ حين زارني الأديب السيد أحمد صقر، وطلب مني أن أكتب مقدمة لهذا الديوان؛ لأن شارح هذا الديوان طالب بالقسم الثانوي، ولَمَّا يبلغ العشرين، والعشرون ليست بالسن القليل – أو القليلة إن شئتم – لكنها في حي الأزهر أقل من القليل، ولأن في مقدور هذا الشاب أن يكون أديبًا، إن جرى على الفطرة، وأطاع الطبع، وفهم أن الأدب بحر عجاج، وأن لا سبيل إلى الفوز إلا بالجد الموصول…».

إلا أن هذه الصلة العلمية لم تمنع السيد أحمد صقر من الرد على الدكتور زكي مبارك في بعض ما ذهب إليه من آراء، لم يسلك فيها الطريق السوي في البحث والتقصي[14]، ومثله الدكتور أحمد أمين (ت 1954م)، فقد كان السيد أحمد صقر معجبًا به في أول أمره، متصلاً به، واشتركا في تحقيق كتابين من كتب التراث؛ بل كانت للسيد صقر اليد اليمنى في الإشراف على مجلة الثقافة التي كان يرأسها أحمد أمين، إلا أن أحمد أمين لم يحافظ على هذا الودِّ بعادات غريبة، كان يواجه بها بعض أعيان عصره؛ مثل: الإغارة على جُهُودهم العلمية، حتى نفض السيد أحمد صقر يده من إتمام بعض المشاريع العلميَّة معه.

7- الأديب عباس محمود العقاد (ت 1964م):

أحد أصدقاء السيد أحمد صقر الكبار، وقد كان بينهما ودٌّ وإعجاب كبيران، يقول الدكتور حامد طاهر – أحد تلامذة السيد أحمد صقر، في المرحلة الثانوية، في عام 1961م -: «وذاتَ يوم، اقترح علينا السيد صقر أن نقومَ بزيارة منزل العقاد، وأوصانا أن نكتبَ له قصائد تحية، وبالفعل كتب كل واحد منا قصيدة، وذهبنا إلى ندوة العقاد بمصر الجديدة، وهناك قدمنا أنفسنا للعقاد، وألقينا قصائدنا أمامه، وسعد الرجل بها كثيرًا، ونهض فصافح كلاًّ منا، وفى نهاية الندوة قال لنا العقاد: “احتفظوا جيدًا يا أولاد بأستاذكم هذا؛ فإنه رجل مجهول القدر فى هذا البلد»[15].

8- العلاَّمة محمود شاكر (ت1997م):

شيخ العربية أو الأستاذ الراوية – كما يُسَمِّيه السيد أحمد صقر – وقد كان يكبر السيد أحمد صقر بست سنين، إلا أن هذا الفارق في السن لم يمنع كلاًّ منهما أن يَفِيد من الآخر في البحث والمذاكرة، والعلم والأدب، فقد كانا يتسابقان في قراءة الدواوين الشعرية واقتنائها؛ وربما سبق محمود شاكر أخاه السيد أحمد، لا لشيء إلا لضيق يد السيد أحمد صقر عن اقتناء الكتب وتحصيلها، فكان يذهب إلى مكتبة أستاذه، وشقيق منافسه، الشيخ أحمد شاكر فيقرأ عنده ما تيسر له[16]، ويقول السيد أحمد صقر في بعض ما كتب: «ولمَّا كنت لا أعرف أن لأجزاء ما جاء في القُرْط أسماء خاصة بها، فقد سألت صديقي الراوية الأستاذ محمود محمد شاكر، فقال:….»[17]، وقال في موضع آخر حول كلمة محرَّفة لم يدرك وجه تصويبها: «… ويرى صديقي الراوية الأستاذ محمود محمد شاكر أن صوابها…»[18]، وقال السيد أحمد صقر في موضع ثالث يُعَلِّق فيه على أحد المعقبين اللغويين: «هذا؛ وإني أنصح الأستاذ المعقب بنصيحة خالصة، نصحني بها منذ أكثر من عشرة أعوام صديقي الراوية، الأستاذ محمود محمد شاكر، ونحن نقرأ حماسة ابن الشجري، قال لي عندما قرأت قول باعث اليَشْكُرِي (وَكَتِيبَةٍ سُفْعِ الوُجُوهِ بَوَاسِلٍ): وهذه كلمة – يعني (بواسل) – أغفلتْها المعاجم فيما أغفلتْ من أوابد اللغة وشواردها؛ ومِن ثم أنصح لك ألاَّ تقطع برأي فيما لا تجده في المعاجم إلا بعد تثبيت؛ فإن كثيرًا من ألفاظ اللغة موجودة في الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي، ولم يقيّده الرواة في معاجم اللغة، واقتصروا أيضًا في شرح بعض الكلمات على ما ورد في أبيات بعينها مما رووه، وفيما لم يرووه ولم يشرحوه كثير مما ينبغي أن يشرح مرة ثانية بدلالة هذا الشعر، هذه نصيحة صديقي الأستاذ محمود محمد شاكر، وهي نصيحة قيمة، تعصم من اتبع هداها من التَّرِّدي في مهاوي العثرات»[19].

ولما خرج كتاب «طبقات فحول الشعراء»؛ لابن سلام، بتحقيق محمود شاكر، كان أول مَن انتقده السيد أحمد صقر، وفي هذا يقول محمود شاكر في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب: «وقد نقد هذه الطبعة جماعة من أهل العلم والفضل، أوَّلهم صديقي وأخي وعشيري الأستاذ السيد أحمد صقر، وقدِ انتفعتُ بما أرشدني إليه…»[20]، ومما قاله السيد صقر في نقده: «كان لظهور هذا الكتاب النفيس رنة فرح عظيمة في نفسي، أشاعت فيها الغبطة والبهجة، ومردُّ ذلك إلى الودِّ الخالص الذي أكنُّه للكتاب ومؤلفه وشارحه جميعًا، أما ابن سلام، فإنِّي أعتقد فيه رجاحة العقل، ورهافة الذوق، وأشعر نحوه بشعور يفيض إجلالاً وإعظامًا، وأما شارح الكتاب – وهو الأستاذ محمود محمد شاكر فإني أعرفه، راويةً، غزير المادة، قويّ الذاكرة، وناقدًا، ثاقب الفكر، أَلْمعي النظر، بصيرًا بأسرار اللغة ووقائعها، خبيرًا بعلوم العرب ومعارفها، ومنازعها في بيانها وتبيينها، وسننها في منظومها ومنثورها، وهو إلى ذلك كاتب قدير، تلمح فيما تُدَبجه يَرَاعَتُه أصالة الرأي، وصدق الحس، ووضوح الفكرة، ونصاعة الحجة، وقوة التصوير، وفحولة التعبير، وشعره كذلك شعر رائع، تلمس فيه فورة الشعور، وثورة العاطفة، وذكاء القلب، واشتغال الفكر، والتمرُّس البصير بأشعار الفصحاء من القدماء، وإن شرحه هذا لشرح دقيق جليل، لا تكاد تمضي فيه حتى تحس أنك أمام رائد أدبي ممتاز، يرتاد بك منازل الكتاب، مفسرًا لما غمض من ألفاظه، موضحًا لما انبهم من معانيه، في غير إسراف ولا إسفاف – كما يصنع بعض الناشرين – لأنه يُقَدر وقتك ولحظك حق قدرهما، فلا يعوج بك إلا ريثما يطرفك بفائدة لغوية، أو نكتة أدبية، تُجَلي لك أسرار نص، أو تقفك على مفاتن شعر، أو تبصرك بمداحض زلل زلق فيها بعض الأولين، فإذا ما استغلق عليه أمر آذنك به في بسالة متواضعة، ثم مضى بك كاشفًا موضحًا، وهاديًا ممهدًا، ومضيت معه مبتهجَ النفس، وادِعَ الفكر، منشرح الصدر، حتى تفرغ من الكتاب مبهورًا محبورًا… »[21].

طلبه للعلم وشَغفه بالمَعْرفة:

أخذ السيد صقر نفسه بالجد في طلب العِلم، يبتغي إليه الوسيلة بالقوة في العلم والأدب، فأفرغ له باله، وأخلص له فكره، وكان له من توقد ذكائه، والتهاب خاطره، وسرعة حفظه، وشغفه بالمعرفة ما مَكَّن له من ناصية التَّفَوُّق، وذلَّل له من شماس النبوغ، فتوجه في أول أمره إلى تحصيل عُلُوم الأدب واللغة، فانقطع لطلبها، وقصر عليها نفسه، ووقف عليها جهده، وأنفق أوقاته في طلبها، واستنزف أيامه في معاناتها، حتى مهر فيها وأتقنها وأحكمها، وبلغ منها موضعًا جليلاً، يرمى بالأبصار، ويشار إليه بالبنان، وعُدَّ أديبًا منَ الطراز الأول، ثم اتَّجه بعد ذلك إلى عُلُوم الشريعة – خاصَّة بعد أن خلتِ الساحة بوفاة الشيخ المحدِّث أحمد شاكر – فتضلع منها، وتبَحَّرَ فيها وتعمَّق، واستقصى أطرافها وأحاط بأصولها وفروعها، واقتنى نوادر مخطوطاتها، حتى نفذ إلى أسرارها، وأحاط بقضاياها.

وظائفه وأعماله:

عمل بعد تخرجه مدرسًا للأدب العربي بمدارس التربية والتعليم التابعة للأزهر، وانتدب في وقت من الأوقات لإحدى المدارس الأجنبية بالقاهرة؛ كمدرسة اللِّيسِيه الفرنسية، وبعد أن ذاعت شهرته في تحقيق التراث، عيِّن مدرسًا بكلية أصول الدين بالأزهر، وأشرف على بعض الرسائل في الدراسات العليا هناك، وقد عُيِّن خبيرًا بوزارة الثقافة والإعلام، واختير أيضًا عضوًا في بعض اللجان العلمية؛ كلجنة إحياء التراث بوزارة الثقافة، ولجنة إحياء التراث بمؤسسة الأهرام، ولجنة إحياء أمهات كتب السنة، بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، برئاسة فضيلة العلامة محمد محيي الدين عبدالحميد.

وفي حدود عام 1957م، وجِّهت له دعوة من وزير المعارف بالكويت، الأستاذ عبدالعزيز حسين، وقد كان هذا الوزير متخرجًا في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، ولما عرف وسمع عن علم السيد أحمد صقر، قام بترشيحه للتدريس هناك، ولم يستمرَّ هناك سوى ثلاث سنوات، عاد بعدها إلى مصر، ولما عاد إلى مصر، جعلوه مدرسًا للمرحلة الابتدائية، وهي مرحلة لا تليق برجل في مثل حجم وجلالة السيد أحمد صقر، لكنه ابتلي بكثير من الناس الذين يترصدونه، ويأخذون بمَخْنِقِه؛ حسدًا وبغيًا وعدوانًا، وما نقموا منه إلا أنه حصَّل ما لم يحصل غيره، وفقِه ما لم يفقهه سواه، وحين كلَّت خطاهم عن اللحاق به ضيَّقوا عليه، حتى تولى الشيخ عبدالرحمن بيصار مشيخة الأزهر، فساهم مساهمة متأخرة في ترقية السيد أحمد صقر، فجعله أمينًا عامًّا مساعدًا لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عام 1967م تقريبًا.

ثم اختير بعد ذلك – مع كوكبة من العلماء المصريين – للتدريس في السعودية بكلية الشريعة بمكة المكرمة (جامعة أم القرى لاحقًا)، واستمر بها لمدة عشر سنوات تقريبًا، وقد عومل هناك وظيفيًّا تحت بند (كفاءات نادرة)، وهو بند يَعتمد في التقويم على الشهرة والمكانة في العلم، وليس على الشهادة، وقد كان للسيد أحمد صقر – رحمه الله تعالى – جهودٌ كبيرةٌ في الدراسات العليا هناك، وأشرف على طائفة من رسائل الماجستير والدكتوراه.

السيد أحمد صقر مدرسًا:

اشتغل السيد أحمد صقر بالتدريس شطرًا كبيرًا من حياته؛ بل وفي جميع المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية، وقد كان من المدرسين الذين: «لا يكتفون بنشر علومهم بين طلابهم، وإنما يعنون بتخريجهم، وتقويم أوَدِهمْ، وتعهد مواهبهم بالرعاية والعناية، حتى تستحصد وتستغلظ وتستوي قائمة على أصولها في غدها المرتقب المأمول، حتى تتابع أجيال العلماء قوية مقتدرة على حمل أمانة التبليغ، الذي أمر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ويظل العلم قويًّا فتيًّا، متصل الحلقات، متدارك الموجات، فتحيا به الأمة، وتكون بحق كما أرادها الله: خير أمة أخرجت للناس، بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وجمعها بين الإيمان الصريح، والعلم الصحيح».

وقد كان أسلوبه في التدريس قائمًا على الجد والصرامة والإتقان، يقول الدكتور حامد طاهر في مقدمة ديوانه: «وفي سنة 1961م، دخل فصلَنا أستاذٌ جديد؛ لتدريس مادة الأدب العربي، وهو السيد أحمد صقر، المحقق الكبير، وفوجئت بأنه لا يرتدي الزي الأزهري المعهود، وقد كان مغضوبًا عليه من الأزهريين، فعاقبوه بالتدريس في المرحلة الابتدائية، ثم شمله العفو قليلاً، فانتقل إلى المرحلة الثانوية، أحدث هذا الرجل انقلابًا هامًّا في حياتي، فقد طرح على الطلاب سؤالاً مثيرًا: ماذا قرأ كل منكم في الإجازة الصيفية؟ وتعددت الإجابات المضحكة: كنت ألعب الطاولة مع زملائي بالقرية، كنت أساعد أبي في الحقل، فثار ثورة عارمة على كل مَن أجابوا، واصفًا إياهم بأنهم ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: 4]، ثم راح يشرح لهم أن الثقافة العامة شيء، والمقررات الدراسية شيء آخر تمامًا… وباختصار كان هذا الرجل هو الثورةَ التي حدثت أمامي داخل الأزهر، وهو الذي شجعني على كتابة الشعر»[22].

ويقول الدكتور محمد حسن بخاري: «وقد أكرمني الله بأستاذٍ، صبرت على قسوته الشديدة، فأضحت مرحمة لي من حيث أدري ولا أدري، فلازمته ملازمة طويلة، وقد تدرج بي لاقتحام أمهات الكتب والمراجع، ودربني وأرشدني، وأحيانًا كان يجبرني على بعض الاقتناصات من طريقته ومنهجه، بتركيز فكري على عمل من أعماله، فعلمني وتعلمت منه»[23].

ولم يكن السيد أحمد صقر من المدرسين الذين يكثرون الثرثرة العلمية، والعموميات التي لا يعود منها الطالب بشيء؛ بل كان يأخذ طلابه إلى المكتبات العامة، وربما استضافهم في بيته؛ ليريهم نفائس الكتب والمخطوطات التي اقتناها؛ بل وصل به الحال إلى أخذ طلابه في زيارات ميدانية إلى منازل الأدباء والعلماء الكبار في ندواتهم المعروفة، يقول الدكتور أحمد معبد في حوار أجري معه: «بداية الاهتمام بالمخطوطات ترجع إلى المرحلة الثانوية، وأستاذنا الشيخ سيد صقر – عليه رحمة الله – مدرس المطالعة والبلاغة في المرحلة الثانوية، كان لديه اهتمام بالمخطوطات، وكان يصطحب معه في الدرس بعض هذه المخطوطات، التي أذكر منها الآن «شرح الخطابي لصحيح البخاري»، فحببني فيها، ونبهني إلى أماكنها في مصر»[24].

ويقول الدكتور حامد طاهر: «وقد دعاني الأستاذ السيد صقر إلى منزله بشارع محمد علي، حيث أطلعني على حجرة مكتبه التي تمتلئ بأندر المخطوطات، والمطبوعات النفيسة، وهناك حدثني عن أنه يمتلك طبعة دار الكتب أو طبعة بولاق من كتاب كذا وكذا، فعلمت أن الكتب مستويات، كما كلفني بنسخ عدد غير قليل من المخطوطات القديمة، حتى تمرست بحل مشكلات خطوطها الصعبة، ومازلت أذكر أنني نسخت له كتاب “الإلماع” للقاضي عياض، وهو مكتوب بخط مغربي خالٍ من النقط، وفى وضع مهترئ للغاية، ومن مكتبته استعرت بعض أمهات التراث العربي: «البيان والتبيين» للجاحظ، و«زهر الآداب» للحصري، و«العقد الفريد» لابن عبدربه، وغيرها، وعلى يديه تعلمت فن التحقيق، ومقابلة النسخ، وتمييز الخطوط، وتخريج الأحاديث، والأبيات الشعرية النادرة»[25].

ويقول الدكتور عامر حسن صبري: «كان السيد أحمد صقر لا يعطيك شيئًا من علمه، إلا بعد أن تصبر عليه أولاً، ثم تتحدث معه في قضايا علمية معينة ليست تقليدية، ثم بعد ذلك يفيدك بما فتح الله عليه، ولقد كان أستاذًا لنا في الدراسات العليا بمكة في مادة (قاعة بحث)، وكانت المحاضرات تتم في المكتبة، وكانت طريقته أن نقرأ في مصادرَ مختلفةٍ في الأدب واللغة، والحديث والتفسير، وغير ذلك، ثم يشرح باختصار طريقة المؤلف في كتابه، ثم يذكر لنا بعض القضايا النقدية، ولقد استفدتُ منه فوائدَ جليلةً»[26].

وقد كان كثيرَ التشجيع لطلابه، فَقَبَّل مرةً جبينَ أحد طلابه، عندما أذكره بيتًا من الشعر كان قد نَسِيَه[27]، ويقول الدكتور عامر حسن صبري: «وأذكر أني أتيته بأول كتاب صدر لي، وهو «قطف الثمر في رفع المصنفات في الفنون والأثر»، ففرح به كثيرًا وشجعني عليه، وقال لي كلمته التي لا أنساها: «الآن يحق لسيد صقر أن يفرح»، ويقول الدكتور محمد بخاري: «سافرت إلى إستانبول برفقة أهلي؛ لأبحث عن مخطوطة بمكتبة سليم أغا، ومكثت بها خمسين يومًا، ووجدت ما أبحث عنه، وسجلت ما أحتاج من معلومات، ولما عدت وذكرت للسيد أحمد صقر ما اكتسبتُه من رحلتي، وجدت غالب ما ذكرته قد سطره شيخي في مفكرة خاصة به، فقلت له: يا شيخ، لِمَ تكلفنا هذا العناء الكثير؟! فلو أنك ذكرت لي أسماء هذه الكتب من قبل، لوفرتَ عليَّ تكاليف هذه الرحلة، التي لم أعد منها بجزء مما هو موجود في مفكرتك، فردَّ عليَّ السيد أحمد صقر: يا أغبى من نفسه، والله إني لفرِحٌ أنْ جعل الله في طلابي مَن يسافر إلى المكتبات للبحث عن المخطوطات، والله إنكم ستدركون قيمة عملكم هذا في المستقبل»[28].

صفاته:

كان السيد أحمد صقر طويلاً مهيبًا، آتاه الله – عز وجل – بسطة في العلم والجسم، وكان – رحمه الله – (ملوكي المذهب)؛ أي: حسن الهندام والهيئة، ولم يكن يرتدي الزي الأزهري المعهود، مع أنه أزهري النشأة والوظيفة، ومن أب أزهري.

يقول الدكتور عادل سليمان: «قابلت الأستاذ سيد صقر أول مرة عام 1955م بدار الكتب المصرية، وتوطدت أواصر صداقة متينة، على فارق ما بيننا من السن والعلم، نمت على مرِّ السنين بلقائنا الكثير في دار الكتب، ثم في منزل محمود شاكر، ثم في منزله، كان السيد أحمد صقر جامعًا لمراتب الكمال، ونبل الخصال، مع تألهٍ وتنزه، ودين ويقين، وعفافة ونظافة، لقي عنتًا وتجاهلاً فمضى على سنَّته، واعتزل الناس بدوره، فبدا لمن لا يعرفه فظًّا غليظًا، وهو في حقيقة أمره دمث ألوف، لم يسعَ وراء منصب، أو يركض خلف جاه، وكان كثيرًا ما يتمثل بقول أبي العلاء:

إِذَا كَانَ عِلْمُ النَّاسِ لَيْسَ بِنَافِعٍ       وَلاَ دَافِعٍ فَالخُسْـرُ لِلعُلَمَاءِ

قَضَـى اللَّهُ فِينَا بِالَّذِي هُوَ كَائِنٌ      فَتَمَّ وَضَاعَتْ حِكْمَةُ الحُكَمَاءِ»[29]

كما كان السيد أحمد صقر على جانب عظيم من العزة والأنفة والاعتداد بالنفس، مع حدة في الطبع، وعسر في الخلق، وقسوة مبررة أحيانًا، وغير مبررة في بعض الأحيان.

أما كرمه، فقد كان من أكرم الناس وأسخاهم يدًا، يعرف ذلك كل مَن عاشره وتعامل معه، خصوصًا طلابه الذين كان بعضهم لا يجد قيمة ما يشتري به الكتب المقررة عليهم أثناء الدراسة، فيوفرها أستاذهم السيد أحمد صقر من حسابه الخاص، وأخبرني الدكتور رضا السنوسي[30]: أن السيد أحمد صقر ربما زار مَن مَرِض مِن طلابه، مما يدل على أن وراء قسوته الظاهرة قلبًا رحيمًا، وأن قسوته لم تكن إلا عملاً بحكمة أبي الطَّيِّب:

فَقَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِمًا             فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا عَلَى مَنْ يَرْحَمُ

ويقول الدكتور محمد حسن بخاري: «كان السيد أحمد صقر رحيمًا عطوفًا، عند الحاجة إلى الرحمة، وشديدًا قاسيًا لا يخشى لومة لائم، حين الحاجة لها»[31].

السيد أحمد صقر محققًا:

دارَ إنتاج السيد أحمد صقر في ميدانين اثنين، الأول: تحقيق النصوص التراثية ونشرها، والثاني: كتابة بعض المقالات النقدية لطائفة من كتب التراث، وفي كلا المجالين ظهر علمه الغزير، وثقافته الواسعة، وبصره بعلوم الشريعة واللغة، كتابًا وسُنة، وتفسيرًا وفقهًا، وأصولاً وتاريخًا، وأدبًا ونحوًا، حتى إنه كان كثيرًا ما يردد في محاضراته عبارته الطريفة: «لَسْتُ مُحَدِّثًا ولا مُفَسِّرًا وَلاَ فَقِيهًا، وَلَكِنَّنِي أُخَرِّجُ المُحَدِّثَ وَالمُفَسِّرَ وَالفَقِيهَ».

أما التحقيق، فإنه فيه أمَّة وحده، في دقة منهجه، وأصالة رأيه، وحسن عرضه، وشدة إخلاصه للمهمة الشاقة التي جرد عزمه لها، وانتدب نفسه للنهوض بها، وصَبْرِه على تحمل أعبائها، حتى يخرج الكتاب من بين يديه مستحصدًا قويمًا، حيث كان يسير في تحقيقاته على منهج شاق، عسير، بعيد المنال، فكان لا يُقدِم على تحقيق كتاب، حتى يعيش مع صاحبه، ويخبر حياته ونفسيته، ويعرف لغته ومدارج القول عنده، ويقرأ كل مصنفاته والمصنفات الأخرى في الموضوع نفسه، يظهر ذلك من خلال مقدماته النفيسة للكتب، التي أشبه ما تكون بدراسات مستقلة في بابها، حيث أول ما يبدؤك به هو ترجمة المؤلف، وذكر أحواله وأطواره، وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته، وربما نقل صفحات بأكملها من تلك المؤلفات – حيث كانت في عهده مخطوطات – للدلالة على نفاستها، ثم يستطرد في بعض ما يذكر، فيأخذ في تصحيح بعض الأوهام الشائعة حول بعض الكتب، أو الأعلام، أو المسائل العلمية، ثم يذكر بعد ذلك بيئة المؤلف وأحوال عصره الثقافية والاجتماعية والسياسية، ثم يبين منهج المؤلف في كتابه، ومكانة الكتاب من بين الكتب المؤلفة في موضوعه، ثم ينتقل إلى وصف مخطوطات الكتاب، والدلالة على أماكن وجودها، ثم على طبعاتها السابقة والفرق بين تلك الطبعات، كل ذلك بأسلوب جزل مشرق رصين، قوامه المنطق السليم، والبحث العميق، والاستنتاج الدقيق، والرأي الصائب المؤيد بالأدلة الناصعة، والبراهين الساطعة.

ولم يكن تحقيق السيد أحمد صقر واقفًا على حدود المتن فقط، بحيث يتوارى خلف نصوص الكتاب المحَقَّق؛ بل يطالعك بشخصه، ويصارحك برأيه، ويصف لك شعوره أحيانًا، حتى تحس أنك أمام رائد يرتاد بك منازل الكتاب، مفسرًا لما غمض من ألفاظه، موضحًا لما أبهم من معانيه.

ومن تأمل حواشيه وتعليقاته على كتبه يقف على أشياء معجبة تبهر العقول، من توثيق نقول، وربط موضوعات بأماكنها من كتب المصادر الأصلية، ونقل بعض الآراء والمسائل ووجوه المذاهب؛ من أجل تعضيد رأي، أو توهين قول، أو تفصيل مجمل، أو توضيح مبهم، أو الإشارة إلى مصدر فكرة، أو اتفاق خاطر؛ ليكون الدارس للكتاب على بينة وثقة مما ذكره المؤلف، محيطًا بفقه المسائل التي عرض لها، جامعًا لأطراف الآراء ووجوه المذاهب فيها، وليسهل عليه سبيل الاستزادة إن ابتغى إليها سبيلاً، وفي هذا يقول الدكتور محمود الطناحي: «وهو من أقدر الناس على تقديم كتاب، وتقويم نص، وتوثيق نقل، وتخريج شاهد، واستقصاء خبر، وإن له من وراء ذلك كله علمًا جامعًا بالمكتبة العربية، وإدراكًا للعلائق بين الكتب».

وقد كان لهذا المنهج الشاق العسير أثر كبير في قلة أعمال السيد أحمد صقر، وعدم تكاملها، حيث وعد في مقدمات كتبه بإخراج وتحقيق كتب كثيرة؛ مثل: كتاب «المعارف» لابن قتيبة، وكتاب «نوادر الحكايات»للبيهقي، وكتاب «بغية الرائد» للقاضي عياض، وكتاب «الوسيط» للواحدي، وكتاب «هداية المرشدين» للباقلاني، ولكن لم يرَ النورَ من تلك الكتبِ شيءٌ.

كما أعد نصوصًا كثيرة للنشر، تعب في تحصيل نُسَخِها تعبًا باهظًا؛ مثل: «المصنف» لابن أبي شيبة، و«أمثال الحديث»، و«المحدث الفاصل بين الراوي والواعي»، وكلاهما لأبي محمد الرامهرمزي، و«أعلام السُّنن» لأبي سليمان الخطابي، و«المصطفى المختار في الأدعية والأذكار» لمجد الدين بن الأثير، و«الجليس والأنيس» للمعافى بن زكريا الجريري النهرواني، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله.

إلا أن السيد أحمد صقر تباطأ في إذاعتها؛ لأنه أراد أن يقرأها على مُكث، ويعطيها حظها من الإتقان والإحسان، فسبقه إليها أيدٍ كثيرة فأخرجتها، ما كانت لتخرج لو بقيت عنده، وهذا ما دعاه إلى أن يطوي صدره على كثير من النفائس والنوادر، ثم جرَّه هذا إلى شيء من الملل، وهجْرِ النشر مدة طويلة، وهاك مسردًا بآثار السيد أحمد صقر العلمية المحققة:

ففي علوم القرآن الكريم:

1- إعجاز القرآن، للباقلاني: مجلد واحد، دار المعارف بمصر، 1374هـ/ 1954م[32]، وطُبِع مرارًا. 

2- تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (شرح وتحقيق): مجلد واحد، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1373هـ/ 1954م، وصُوِّر بعد ذلك مرارًا.

3- تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة (شرح وتحقيق): مجلد واحد، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1378هـ/ 1958م، وصُوِّر بعد ذلك مرارًا.

4- أسباب النزول، للواحدي: مجلد واحد، دار الكتاب الجديد، 1389هـ/ 1969م[33]، وطُبِع مرارًا.

وفي علوم السنة النبوية:

1- فتح الباري، لابن حجر (تعليق): ثلاثة مجلدات (لم يتم)، دار الكتاب الجديد، 1389هـ.

2- الإلماع، للقاضي عياض: مجلد واحد، مكتبة دار التراث، 1389هـ/ 1970م، وطبع أكثر من مرة.

3- دلائل النبوة، للبيهقي: مجلد واحد (لم يتم)، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، 1389هـ/ 1970م.

4- معرفة السنن والآثار، للبيهقي: مجلد واحد (لم يتم)، المجلس العلى للشؤون الإسلامية، 1390هـ/ 1970م.

5- مناقب الشافعي، للبيهقي: مجلدان، مكتبة دار التراث، 1391هـ/ 1971م.

6- شرح السنة، للبغوي: مجلد واحد (لم يتم)، مطبعة دار الكتب، 1396هـ/ 1976م.

في اللغة والأدب والشعر:

1- جمع وشرح ديوان علقمة الفحل: مجلد واحد، مطبعة المحمودية بالقاهرة، 1353هـ/ 1935م.

2- مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصبهاني (شرح وتحقيق): مجلد واحد، 1368هـ/ 1949م.

3- الهوامل والشوامل، لأبي حيان التوحيدي ومسكويه[34]: مجلد واحد، لجنة التأليف والترجمة والنشر بوزارة الثقافة، 1370هـ/ 1951م.

4- البصائر والذخائر، لأبي حيان: مجلد واحد (لم يتم)، لجنة التأليف والترجمة والنشر بوزارة الثقافة، 1373هـ/ 1953م[35].

5- الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، للآمدي: مجلدان (لم يتم)، دار المعارف بمصر، 1379هـ/ 1960م[36].

6- الصاحبي، لابن فارس: مجلد واحد، طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر، 1397هـ/ 1977م.

السيد أحمد صقر ناقدًا:

أما الميدان الآخر الذي أعمل فيه السيد أحمد صقر فكرَه الدؤوب، وقلمه النشيط، فهو نقد منشورات كتب التراث، ولأن النقد أول شروطه الحرية: الحرية العقلية، والحرية العلمية، والحرية الأدبية، فهو لا يعرف الصداقة، ولا يعرف الإكبار والإجلال، ولا يعرف المجاملة والمداجاة، وبكل هذه المزايا تمتع السيد أحمد صقر، فكان من نوابغ النقد في عالمنا العربي.

فقد كان السيد أحمد صقر باحثًا جريء الرأي، يصدع بالحق، ويحطم الأغلال، ولا يبالي على مَن يقع معولُه، سواء كان منقودوه ممن هم في مرتبة أساتذته الذين يشعر لهم بالفضل، أو أصدقائه الذين يبادلهم الود، أو الأبعدين الذي يشاطرهم المجاملة.

كما كان أيضًا ناقدًا نافذ البصيرة، جدليًّا دامغ الحجة، وكان يشيع فيه عراكُ الأقلام لذةً ومتاعًا، ويرى السيد أحمد صقر: «أن ضعف النقد يدعو إلى العجب العريض، والأسف العميق»، وكان يدعو: «كل قارئ للكتب القديمة أن يعاون الناشر بنشر ما يرتئيه من أخطاء، وما يعنُّ له من ملاحظات، فبمثل هذا التعاون العلمي المنشود تخلص الكتب العربية من شوائب التحريف والتصحيف، الذي منيت به على أيدي الناسخين قديمًا، والطابعين حديثًا».

كما كان السيد أحمد صقر يعتقد: «أن الناقد يجب أن ينشر نقده بالحق وفي سبيله، غير عابئ بعتبٍ ولا غضب، ولا خانسٍ من المكاشفة بما يرى، فإن الجبن والإيمان لا يجتمعان في قلب واحد، كما أنه لا يشجى من الإصْحَار بالحق إلا كلُّ مهيض المرة، منحل العقيدة، جبان العقل والقلب والضمير”، وكان يرى أن كثرة النقد: “ليست من قبيل البحث عن العيوب والفضائح والزلات؛ بل هو الإنصاف الذي يوجبه الدين، والذي يقضي على الباحث أن يقول الحق حيث علمه، غير كاتم على خَارِبٍ خِرَابَتَه…»، وأن النقد يجب أن يُعَدَّ: «نصيحة نافعة تستوجب الدعاء والثناء، لا الغمز واللمز على نحو ما يفعله سفهاء العلماء، إذا ما مُسُّوا بضرب من ضروب النقد، ولو كان يسيرًا؛ أنفة منهم من الخضوع للحق الأبلج، وذهابًا بأنفسهم عن الخطأ، الذي يذهب بما لهم من جلال وكمال رأوه لأنفسهم، باختداع الشيطان إياهم، وتسويله لهم أنهم من كملة العلماء».

وليست تلك الاعتقادات من باب الدعاوى العريضة؛ بل هو منهج ارتضاه لنفسه، وبها بدأ؛ وفي ذلك يقول: «وإني على نهجي الذي انتهجت منذ أول كتاب نشرتُ، أدعو النقاد إلى إظهارِي على أوهامي فيها، وتبيينِ ما دقَّ عن فهمي من معانيها، أو ندَّ عن نَظَرِي من مبانيها؛ وفاءً بحق العلم عليهم، وأداء لحق النصيحة فيه، لأَبْلُغَ بالكتاب فيما يُسْتَأنَف من الزمان، أمثلَ ما أستطيعُ من الصحة والإتقان».

وبهذا المنهج الأصيل أمتع السيد أحمد صقر القرَّاءَ بثروة من المقالات القيمة لنقد طائفة من كتب التراث، اتسمت بالأصالة والدقة والأمانة، وأبانت عن قدرة فذة في تصحيح التصحيفات، وجرأة عالية في تفسير الغامض، وتوضيح المشكِل.

وقد كان لهذه النقدات أثرٌ كبير في تقويم مناهج النشر، وشحذ لأذهان المؤلفين والمحققين، وتمحيص لحقائق العلم، وربما كان فيها أحيانًا ما يثير الحفيظة، ويوغر القلب، إلا أنه بجانب ذلك حقائق تذاع، وبحوث تنشر، تدل على عقل باحث، وقلم نشيط.

النقد بالصمت:

ومن طريف نقدات السيد أحمد صقر: ما ذكره لي الأستاذ منصور مهران – حفظه الله -: وهو أنه وقف على كتاب طبع في مصر، يطعن في القرآن الكريم، لمؤلف مجهول، يقول الأستاذ منصور: فاستعظمتُ ذلك، وحملت الكتاب مباشرة إلى شيخي محمود محمد شاكر، فأمرني مباشرة بحمله إلى السيد أحمد صقر، وكان حينها أمينًا عامًّا لمجمع البحوث الإسلامية، فلما ذهبت إليه في مكتبه، قال لي: “لقد وقفنا على هذا الكتاب، وسوف نقتله بالصمت”، واستشهد بالأثر المروي عن عمر – عندما غلا سعر اللحم في زمانه -: «أرخصوه بالترك»، يقول الأستاذ منصور: ثم تبين بعد ذلك أن اسم المؤلف وهميٌّ، وأن الكتاب مجلوب من الخارج؛ من أجل استفزاز العامة، وشَغْلِ الخاصة.

السيد أحمد صقر أديبًا:

أما أدب السيد أحمد صقر، فإذا ما عنينا بالأدب معناه الخاص: وهو الأعمال الفنية المنشأة من قصة، ورواية، وشعر وغير ذلك، فالحق أنه لم يكن للسيد أحمد صقر نصيب من ذلك لا من قريب، ولا من بعيد، حسب ما ظهر من أعماله وكتاباته[37]، وفي هذا يقول الدكتور عادل سليمان: «وإني لأشهد أني لم أرَ الأستاذ صقرًا طوال صحبتي له سنين عددًا يكتب أدبًا منشأً، شعرًا ونثرًا، كما كان شأن الأستاذ شاكر، ولم أشاهده يخوض فيما كان يخوض فيه الحاضرون في ندوة الأستاذ شاكر يوم الجمعة، إذا تطرق الحديث إلى أدب كاتب – قصة، أو رواية، أو مسرحية، أو شعر شاعر – وعلى الرغم من أنه كان له في النحو باع، وفي اللغة بسطة، وفي البلاغة تمكن واقتدار»[38].

وأما إذا عنينا بالأدب معناه العام: وهو حسن البيان، وجودة العبارة، والبراعة في الأسلوب، مما هو لازم لكل كاتب يريد لكتابته أن تُقرأ، ولكل عالم يريد لعلمه أن يَذيع – فلا سبيل للدكتور عادل سليمان إلى توهيم[39] الدكتور الطناحي في أن السيد أحمد صقر – رحمه الله – «أديب من الطراز الأول، ولو أنه أطلق لملكاته الأدبية العنان لكان من كبار أدباء العربية»، واستدلال الدكتور عادل سليمان على ذلك بأنه أكثر معرفة بالسيد صقر من الطناحي، وأنه أسبق اتصالاً به، في غير محله؛ إذ إن الصداقة العقلية أكثر أثرًا، وأنفذ بصرًا في مثل هذه الأمور، من الصداقة الشخصية؛ إذ يعتبر السيد أحمد صقر – ومثله الطناحي – من زعماء النثر العلمي الأدبي الرفيع، ومن العلماء القلائل الذين استطاعوا أن يعرضوا الحقائق المعرفية، والمسائل العلمية، والقضايا المجردة في أسلوب عذب ندي، يترقرق فصاحة وصفاء وإشراقًا، إضافة إلى ذلك أنه كان يتعهد كتاباته، ويبالغ في تنقيحها وتحريرها وتحبيرها، حتى لا تكاد ترى فيها ركاكة، ولا قلقًا وتكلفًا، وإن شئت أخي القارئ رَوْضةً أَرِيضَةً في وصف النشر ومتاعبه، تكشف لك ناحية السيد أحمد صقر الأدبية، فلا أظنك تجد مثل هذه الرائعة: “فالنشر فنٌّ خفيُّ المسالك، عظيمُ المزالق، جَمُّ المصاعب، كثيرُ المضايِق، وشواغلُ الفِكْر فيه متواترة، ومتاعبُ البال وافرة، و مُبْهِظَاتُ العقلِ غامرة، وجهودُ الفردِ في مضمارِهِ قاصرة، يَؤُودُها حفظُ الصوابِ في سائرِ نصوصِ الكتاب، ويُعْجزُها ضبطُ شواردِ الأخطاء، ورَجْعُهَا جميعًا إلى أصلها، فيأتي الناقد وهو موْفُور الجِمَام، فيقصد قصدها، ويسهل عليه قنصها»[40].

مرضه ووفاته:

وكان السيد أحمد صقر في آخر حياته، قد ترادفت عليه الأسقام، وتوالت عليه الأوجاع، خاصة مرض السكري، الذي أنهكه حتى عاد ناحلاً مهزولاً مجهودًا، فقدم استقالته من التدريس من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وعاد إلى مصر، ولم يزل به المرض إلى أن اضطر إلى بَتْر ساقه، وكان قد زاره في حاله تلك الدكتور رضا السنوسي، فوجده صابرًا محتسبًا على كرسي متحرك، ثم لم يمضِ على حاله تلك سوى عامين حتى اختاره الله – عز وجل – إلى جواره، في يوم السبت الثالث من شهر جمادى الآخر، من سنة عشر وأربعمائة وألف من هجرة النبي – صلى الله عليه وسلم – الموافق للثاني من شهر ديسمبر من عام 1989م.

وبموته طويت صفحة من صفحات النبوغ والمعرفة، وغاض ينبوع ضخم من الأدب والعلم والموهبة والتجارب، عملت في تكوينها الطبيعة الحرة، والزمان الطويل، والعمل المثمر، والإباء الأشم، والحفاظ المر، والخلق الصريح، نسأل الله – عز وجل – أن يغفر ذنبه، وأن يمهد عذره، وأن ينير قبره، وأن يجعله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.

 * * *

بعض المواضع التي ذكره الأستاذ محمود محمد شاكر فيها:

جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر

اسم المقالة رقم الصفحة
صدى النقد: طبقات فحول الشعر.. رد على نقد 900 – 910

كما ذكره في تحقيقه لكتاب طبقات فحول الشعراء

طبقات فحول الشعراء 10 ،  127 ، 133 …

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر كتاب «المدخل لتاريخ نشْر التُّراث»؛ للدكتور محمود الطناحي – رحمه الله تعالى – ص90، حيث قَسَّم مراحل نشر التراث في مصر خلال المائة عام الماضية إلى أربع مراحل، وسمى المرحلة الرابعة بـ(مرحلة الأفذاذ من الرجال)، وذكر أولئك الأربعة فقط، بعد أن قال: لا أتردد في تسميتهم بأسمائهم.

[2] حيث إنَّ أول كتاب أجرى فيه قلمه بالشرح والتحقيق هو كتاب “شرح ديوان علقمة»، وعمره آنذاك عشرون سنة.

[3] «المدخل لتاريخ نشر التراث» ص 99.

[4] انظر: «مذكرات يوسف القرضاوي»، «ابن القرية والكُتَّاب» ص 15، ص 19.

[5] «المدخل لتاريخ نشر التراث» ص 100.

[6] انظر: «مذكرات يوسف القرضاوي»: “ابن القرية والكُتَّاب» ص27.

[7] «مقدمة شرح ديوان علقمة الفحل».

[8] أفادني بذلك حضرة الأستاذ الجليل منصور مهران – متَّعَه الله بالصحة والعافية – وهو من تلاميذ السيد أحمد صقر.

[9] «مجلة الهداية الإسلامية»، المجلد السابع، عدد رجب سنة 1355هـ، ص 214.

[10] «مجلة الرسالة»، السنة الرابعة، عدد 148، ص 754.

[11] انظر مقال: «تعقيب على نقد ودرس للمنقود قبل الناقد»، مجلة الكتاب، المجلد العاشر، عدد أبريل سنة 1951م.

[12] انظر طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لكتاب «معرفة السنن والآثار»؛ للبيهقي، بتحقيق/ السيد أحمد صقر، وتصدير محيي الدين عبدالحميد.

[13] «مقدمة شرح ديوان علقمة»، ص 8.

[14] انظر على سبيل المثال: مقدمة تحقيق «مناقب الشافعي»؛ للبيهقي ص 31 طبعة دار التراث، ومقال «على هامش النثر الفني»، المنشور بمجلة المجمع العلمي بدمشق، سنة 1946م، الجزء الرابع والعشرون، ص436.

[15] انظر مقدمة «ديوان حامد طاهر»، طبع مكتبة الزهراء، القاهرة (1986م)، ص24 -25.

[16] أفادني بذلك الأستاذ منصور مهران – حفظه الله تعالى.

[17] انظر مقال: «نظرات في كتاب الأشربة»، مجلة الرسالة، السنة السابعة عشرة، ص 1017.

[18] انظر مقال: «نظرات في كتاب الأشربة»، مجلة الرسالة، السنة السابعة عشرة، ص 1076.

[19] انظر مقال: تعقيب على كلمة بواسل»، مجلة الرسالة، عدد845، ص 1359.

[20] انظر: «برنامج طبقات فحول الشعراء» ص 127 وص 133، ومقدمة التحقيق ص 71، بتصرُّف يسير، وانظر كذلك رد الأستاذ محمود شاكر على نقد السيد أحمد صقر في مجلة الكتاب، المجلد الثاني عشر، سنة 1953م، ص513.

[21] مجلة الكتاب، المجلد الثاني عشر، سنة 1953، ص 379.

[22] انظر: «مقدمة ديوان حامد طاهر»، طبع مكتبة الزهراء، القاهرة (1986م)، ص17.

[23] مقدمة تحقيق كتاب الدعاء للطبراني؛ حققه: الدكتور محمد حسن محمد سعيد بخاري، ص 6.

[24] مجلة البيان (لندن)، عدد 190، سنة 1424هـ.

[25] انظر: «مقدمة ديوان حامد طاهر»، طبع مكتبة الزهراء، القاهرة (1986م)، ص27.

[26] مضمون مراسلة خاصة جرت بيني وبين الدكتور عامر صبري.

[27] أفادني بهذا مشافهة الأستاذ منصور مهران.

[28] مقدمة تحقيق كتاب الدعاء للطبراني ص 7، بتصرف.

[29] مجلة معهد المخطوطات العربية، المجلد 47، الجزء الثاني، سنة 1424هـ/ 2003م، ص 141.

[30] أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وأحد طلاب السيد أحمد صقر في مرحلة الماجستير.

[31] مقدمة تحقيق كتاب الدعاء للطبراني، ص 10.

[32] وقد كان المجمع اللغوي بالقاهرة قد قام بمحاولة فريدة لتشجيع إحياء التراث، فأعلن عن مسابقة أدبية لمحققي التراث في النشر والتحقيق العلمي، ظفر فيها السيد أحمد صقر بجائزتها عن هذا الكتاب.

[33] ولهذا الكتاب قصة طريفة، ذكرها الطناحي في «المدخل» ص 102، مفادها: أن السيد أحمد صقر كان قد طبع هذا الكتاب على نفقته الخاصة على آنق صورة، بمطبعة عيسى البابي الحلبي، ثم أخذ نسخ الكتاب وأودعها مخزنًا ظلت قابعة فيه أكثر من عشر سنوات، وفشلت كل المحاولات لإخراج الكتاب من محبسه، حتى كانت سنة 1969م، وتكونت بمؤسسة الأهرام لجنة لإحياء التراث الإسلامي، برئاسة الأستاذ حسن عباس زكي (وزير الاقتصاد المصري آنذاك)، وعضوية السيد أحمد صقر، وكان هذا الوزير من أفاضل الناس، ومن أكثرهم حبًّا للتراث ونشره، ولما علم بتحقيق السيد صقر لهذا الكتاب، سُرَّ سرورًا عظيمًا، للذي يعرفه من علم الأستاذ وجلالته، وأخذ على عاتقه إقناع السيد صقر بإخراج الكتاب، وفي أمسية ساخنة ببيته أخذ يتلطف مع السيد صقر ويؤنسه، ولم يُفلته حتى استكتبه عقدًا ببيع الكتاب لمؤسسة الأهرام، وفي تلك الليلة أسمح الأستاذ السيد وألان، إذ كانت أمارات الصدق والتقدير لائحة في لهجة هذا الوزير الهمام، وليس كالصدق والتقدير باعثًا لهمَّة الأستاذ السيد صقر، فلم يكن حجْبه للكتاب رغبة في التكسب وملء العَيبة، فإنه – علم الله – من أجود الناس، وأسخاهم يدًا.

[34] علق الدكتور الطناحي في «المدخل» على تحقيق السيد أحمد صقر لهذا الكتاب، بقوله: «وتحقيق هذا الكتاب مما يشهد للأستاذ السيد الصقر بعلو قدره في تقويم النصوص؛ فإن نسخة الكتاب معيبة بكثرة الخروم والأسقاط، وضياع أجزاء من الكلام، وقد وفق الأستاذ إلى إصلاح كثير من ذلك؛ إذ كان – حفظه الله – من القلائل الذين يحسنون قراءة المخطوطة العسِرة».

[35] وهذا الكتاب والذي قبله، كُتب على غلافهما أن التحقيق كان بالاشتراك بين الدكتور أحمد أمين والسيد أحمد صقر، لكن العارفين ينسبونهما إلى السيد أحمد صقر وحده.

[36] وقد أخرج المجلدين الباقيين تلميذه الدكتور عبدالله محارب، في نفس السنة التي توفي فيها السيد أحمد صقر، فكتب الدكتور عبدالله محارب على طرة الكتاب من الداخل تأبينًا له قال فيه: «أثناء مثول هذا الكتاب للطبع، فُجعنا بنبأ وفاة شيخنا وأستاذنا العلامة السيد أحمد صقر – رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدم من أيادٍ بيضاء لخدمة تراثنا في ميزان حسناته، إنه سميع مجيب».

[37] إلا إذا اعتبرنا مقالاته النقدية أعمالاً أدبية، فإن الناقد كما يُقَال: أديب مضاعف، ونقدات السيد أحمد صقر تمثل أحد نوعي النقد الأدبي، وهو النقد الصوري الشكلي، المتعلق بالألفاظ وصحتها، والجمل ومتانتها، أما النوع الآخر من النقد، وهو النقد المعنوي أو الفني، المتعلق بالجمال والذوق والأسلوب، فلم يتطرق له السيد أحمد صقر إلا عرضًا في مقالاته وأبحاثه، وقد يتداخل النوعان أحيانًا، وهذا النوع الثاني هو ما أُخذ على السيد صقر حين شرح ديوان علقمة الفحل في شبابه، حيث اقتصر في كتابه على شرح المفردات، وذكر المترادفات، ولم يتطرق لقدرة الشاعر، وقوته، وعذوبة شعره، و براعته في التصوير، التي هي المحك الحقيقي لقيمة الشاعر.

[38] مجلة معهد المخطوطات العربية، المجلد 47، الجزء الثاني، سنة 1424هـ/ 2003م، ص 144.

[39] قال الدكتور عادل – بتصرف يسير -: «أحب أن أزيل وَهَمًا أوقع فيه أخي المرحوم الطناحي، فقد ذكر في كلامه عن  الأستاذ أنه «أديب من الطراز الأول، ولو أنه أطلق لملكاته العِنان، لكان من كبار أدباء العربية، ولكنه انصرف إلى تحقيق النصوص»، وقد رأيتُ مَن ترجموا للأستاذ صقر اعتمدوا على كلام الدكتور الطناحي فشاع، وإذا كان الطناحي قد عرف الرجل، فلعلي كنت أكثر صلة به منذ عام 1958م، والدكتور الطناحي لم تتصل أسبابه إلا سنة 1968م… وإن نقد السيد صقر لبعض شروح الأستاذ شاكر لأبياتٍ بأعيانها في «طبقات فحول الشعراء»، يدل على أنه ليس أديبًا يتدسس في معاني الأبيات، بعد أن تجلوها اللغة، ويقيمها النحو، وتنتظمها البلاغة بأقسامها».

[40] انظر: مقدمة تحقيق «الموازنة بين أبي تمام والبحتري»؛ للسيد أحمد صقر، طبعة دار المعارف، ص 14.