الرافعي

الرافعي

الرافعي

الرافعي

رحمة الله عليك ! رحمة الله عليكَ !

رحمة الله لقلب حزين ، وكبد مَصدُوعة!

* * *

لم أَفْقدكَ أيها الحبيبُ ، لكنِّي فَقَدْتُ قَلْبي

كنتَ لي أملا أستمسِكُ به كلَّما تقطَّعت آمالي في الحياة .

كُنتَ راحةَ قلبي كلَّما اضطَرَبَ القلبُ في العناء

كنتَ الينبوعَ الرويَّ كلما ظمىء القلب وأحرقهُ الصدى .كنتَ فجراً يتبلَّج نورُه في قلبي وتتنفس نسماتِهِ ، فوجدتُ قلبي .. إذ وجدتٌ علاقتي بكَ .

لم أفقِدك أيها الحبيب ، ولكني فقدتًُ قلبي .

* * *

جزعي عليك يُمسِك لساني أن يقول ، ويُرسلُ دمعي ليتكلَّم . والأحزانُ تجد الدمع الذي تذوب فيه لتهُون وتضَّاءَل، ولَكِنَّ أحزاني عليك تجدُ الدمع تَروى منه لتنمو وتنتشِر .

وليسَ في قلبي مكانٌ لم يرِف عليهِ حبي لك وهواي فيك ، فليس في القلب مكان لم يحرقه حزني فيك وجَزَعي عليك .

هذه دموعي تترجم أحزان قلبي ، ولكنها دموعٌ لا تحسن تتكلّم .

* * *

[الصفحة 5]

عِشتُ بنفسٍ مُجدِبةٍ قد انصرَفَ عنها الخِصبُ ، ثم رَحِمَ الله نفسي بزهرتين ، ترِفَّانِ نضرة ورِواء .

كنت أجد في أنفاسهما ثروة الروضةِ المُمْرِعَةِ فلا أحِسُّ قفر الجَدْبِ !.

أما إحداهما فقد قطفتها حقيقة الحياة ، وأما الأخرى فانتزعتها حقيقَةُ الموتِ، وبقيتْ نفسي مجدبة تستشعر ذل الفقرِ .

* * *

تحت الثَّرَى .. عليك رحمة الله التي وسعت كلَّ شيءٍ ، وفوق الثرى … علي أحزان قلبي التي ضاقت بكل شيء ؛ تحت الثرى تَتَجدَّدُ عليكَ أفراحُ الجنة ؛ وفوق الثرى تتقادم عليَّ أحزان الأرض !

تحتَ الثرى تتراءى لروحِكَ كلُّ حقائق الخلود.

وفوق الثرى تتراءى لروحي كل حقائِقِ الموتِ .

لم أفقدك أيها الحبيب ، ولكني فقدت قلْبي .

* * *

حضرَ أجلك فحضرتني همومي وآلامي .

فبين ضلوعي مأتَمٌ قد اجتمعت فيه أحزاني للبكاءِ وفي روحي جنازةٌ قد تهيأت لتسير ؛ وعواطفي تشيِّعُ الميتَ الحبيب مطرقة صامتة ؛ والجنازة كلها في دمي – في طريقها إلى القبر وفي القلب … وفي القلبِ تُحفر القبور العزيزة التي لا تنسى .

* * *

وفي القلب يجد الحبيب روحَ الحياة وقد فرغ من الحياةِ ؛ وتجد الروحُ أحبابَها وقد نأى جثمانُها .

في قلبي تَجِدُ الملائكةُ مكانا طهَّرتْهُ الأحزانُ من رجسِ اللَّذاتِ .

وتجد أجنحتُها الروح الذي تهفهف عليه وتتحفَّى بِهِ .

هنا … في القلبِ ، تتنزل رحمة الله على أحبابي وأحزاني ففي القلب تعيش الأرواحُ الحبيبةُ الخالدة التي لا تَفنى ، وفي القلبِ تحفر القبور العزيزة التي لا تنسى .

* * *

[الصفحة 6]

لم تُبقِ لي بعدكَ أيها الحبيب إلا الشوقَ إلى لقائكَ

فقدتك وَحدي إذ فقدك الناسُ جميعا .

سما بك فرحُك بالله وقعدت بي أحزاني عليك .

لقد وجدتَ الأنس في جوار ربكَ ، فوجدت الوحشة في جوار الناس .

لم أفقدك أيها الحبيبُ ، ولكني فقدت قلبي .

لم تُبقِ لي بعدك إلا الشوق إلى لقائك .

رحمة الله عليك ، رحمة الله عليك !.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرسالة، السنة الخامسة (العدد 202)ـ 1973.